السعادة.. وصفة تعزّز صحة القلب

مزايا صحية يتمتع بها السعداء.              فوتوز. كوم

كشفت دراسة أميركية موسعة، أخيراً، أن الأشخاص الذين يشعرون بالسعادة معظم الوقت، والذين يشعرون بالإيجابية والحماسة نحو الحياة، يكونون أقل عرضة للإصابة بمشكلات القلب، مقارنة بأولئك الذين يميلون إلى السلبية والكآبة. وتعتبر الدراسة الأخيرة، التي نشرت في الدورية الأوروبية لأمراض القلب «دورية أوروبا للقلب»، الأولى من نوعها التي تظهر اتصالا مستقلا وواضحا بين المشاعر الإيجابية وأمراض القلب.

وأوضحت رئيسة الدراسة الدكتورة في الطب وعلم النفس ومديرة مركز الصحة القلبية وسلوكياتها في المركز الطبي لجامعة كولومبيا في نيويورك، كارينا ديفدسون، أنه رغم أن الدراسة هي دراسة مراقبة، إلا أنها تقترح إمكانية تقديم علاج وقائي ضد أمراض القلب عن طريق تعزيز المشاعر الإيجابية لدى الأفراد، شرط البدء بالعمل على التجارب المخبرية، قبل الإقدام على أي تطبيقات طبية. وتقول «نحن نحتاج إلى تجارب مخبرية دقيقة في هذا المجال، وإن كانت التجارب معززة لاكتشافنا، فهذا أمر مهم عند بدء الأطباء علاج مرضاهم أو نصحهم لتحسين حالتهم الصحية».

 راحة النفس

تنصح الدكتورة في الطب وعلم النفس ومديرة مركز الصحة القلبية وسلوكياتها في المركز الطبي لجامعة كولومبيا في نيويورك كارينا ديفدسون، بأهمية البحث عما يثير السعادة والراحة في النفس، سواء كان أخذ إجازة، أو قراءة كتاب محبب، مع أهمية تفادي فكرة عدم وجود الوقت لذلك، والعمل على اعتبار إيجاد الوقت من الضروريات الرئيسة، فقراءة كتاب ما، أو المشي، أو الاستماع إلى موسيقى محببة، يمكن أن يحسن المزاج بشكل كبير، ومن المهم وضع هذه الأنشطة التي تعزز من المشاعر الإيجابية في الجدول اليومي، كما أن قضاء دقائق معدودة في أجواء مريحة للاسترخاء الحقيقي وإمتاع الذات، أمر مفيد للصحة العقلية، كما يمكن أن يعزز الصحة الفيزيائية أيضاً على الرغم من عدم التأكد الكامل من هذه النتائج.

تأثير إيجابي

خلال فترة 10 سنوات، تابعت ديفدسون وفريقها حالة 1739 راشداً، منهم 862 رجلاً و877 امرأة، تطوعوا لاستطلاع طبي عام 1995 ،وفي بداية الدراسة قامت ممرضات متدربات بتقييم مدى خطورة المتطوعين للإصابة بمشكلات القلب، ومع التقارير الذاتية من المتطوعين، إضافة إلى التقييم المخبري، استطاع الفريق أيضاً قياس أعراض الكآبة، والعدائية، والتوتر لديهم، ودرجات التعبير عن المشاعر الإيجابية المعروفة باسم «التأثير الإيجابي».

والتأثير الإيجابي هو ما يعرف بتجربة مشاعر محببة، مثل التمتع، والفرح، والحماسة، والإثارة، والرضا، وهي المشاعر التي على الرغم من أنها قد تكون عابرة، إلا أنها غالباً ما تكون ذات سمات واضحة وسهلة التتبع لدى الراشدين، ويعتبر التأثير الإيجابي مستقلاً بشكل كبير عن التأثير السلبي، ما يعني أن الشخص السعيد غالباً والراضي عن حياته يمكن أن يختبر بسهولة مشاعر التوتر، والغضب، والكآبة من وقت لآخر.

وبعد أخذ العمر والجنس وعوامل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والمشاعر السلبية، اكتشف فريق البحث على فترة 10 أعوام، أن الارتفاع في درجات المشاعر الإيجابية ارتبط بانخفاض الإصابة بمشكلات القلب بنسبة 22٪ في كل نقطة من النقاط الخمس التي حددها الفريق لاختبار مستويات التأثير الإيجابي. وبينت ديفدسون أن المتطوعين الذين لا يتمتعون بمشاعر إيجابية كانوا يعانون من مخاطر الإصابة بمشكلات القلب بنسبة 22٪، مقارنة بأولئك الذين يتمتعون بالقليل من المشاعر الإيجابية، والذين كانوا هم أيضاً أكثر بنسبة 22٪ باحتمال الإصابة بأمراض القلب، مقارنة بالذين يتمتعون بمستوى طبيعي من المشاعر الإيجابية.

وأضافت ديفدسون «وجدنا أيضاً أنه على الرغم من احتمال معاناة الشخص المتمتع بالمشاعر الإيجابية من فترة سلبية في حياته ومعاناته من أعراض اكتئاب خلال فترة الدراسة، إلا أن ذلك لم يؤثر في النتيجة النهائية لاحتمال إصابتهم بأمراض القلب، وبحسب علمنا، فإن هذه الدراسة هي الأولى التي تدرس العلاقة بين المشاعر الإيجابية المقيّمة مخبرياً وبين أمراض القلب».

وحاول فريق الدراسة التكهن بالآليات المحتملة التي تجعل من التأثير الإيجابي مسؤولاً عن تحقيق وقاية طويلة المدى من أمراض القلب، الأمر الذي تضمن التأثيرات التي قد يواجهها الشخص لدقات القلب، وعادات النوم، والتدخين.

قدرة على التعافي

ذكرت ديفدسون أن الأشخاص الذين يشعرون بالتأثير الإيجابي قد يتمتعون بفترات راحة واسترخاء أكبر، كما أنهم قد يكونون أكثر قدرة على التعافي السريع من مسببات التوتر، ومن المحتمل عدم قضائهم فترة أطول في محاولة العيش مرة أخرى داخل المشكلة، ما يسبب في النهاية أضراراً فيسيولوجية، وهي أفكار وتكهنات أولية عن أسباب تمتع الأشخاص الإيجابيين بمزايا صحية.

وأضافت أن «أكثر التدخلات الطبية نجاحاً لعلاج الكآبة هي التي يتم خلالها رفع التأثير الإيجابي، والتقليل من التأثير السلبي، وإذا دعمت التجارب المختبرية النتائج التي وصلنا إليها، فهذا يعني سهولة تقييم التأثير الإيجابي في المرضى، وبالتالي اقتراح تدخلات لتحسينها لديهم والوقاية من أمراض القلب، وحتى ذلك الوقت، يمكن للأشخاص الذين يقرأون هذا التقرير القيام بخطوات بسيطة لرفع المشاعر الإيجابية لديهم».

في المقابل، ذكر بروفيسور الطب الباطني في جامعة ميشيغان بيرترام بيت، أنه حتى الآن لا يعلم أحد أن التأثير الإيجابي يتصل بشكل مباشر أو غير مباشر بأمراض القلب، أو التأكد من إمكانية تعديل أو تحسين التأثير الإيجابي لدى الأشخاص أو إلى أي مدى، حيث كتب في تقرير مرافق للدراسة السابقة أن «الاختبارات العشوائية المتحكم بها، للتدخل ورفع التأثير الإيجابي لدى مرضى القلب لاتزال تحت التجربة، وستساعد لاحقاً على تحديد تأثيراتها في رفع التأثير الإيجابي، ونتيجته في أمراض القلب، وستوفر نظرة أبعد نحو طبيعة العلاقة بين التأثير الإيجابي وأمراض القلب».

وأضاف أن «هذه العلاقة الشريرة التي تربط بين أمراض القلب والاكتئاب الشديد، والعكس، تستحق المزيد من الاهتمام من الخبراء في المجالين، وهذه العلاجات الجديدة التي تعمل على تحسين التأثير الإيجابي يمكن أن توفر إمكانية مثيرة لطرق جديدة لعلاج الأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب والكآبة، وإذا استطاعت ملاحظات ونظريات ديفدسون أن تعزز المزيد من التحقيقات حول الأمر فقد يكون الوقت قد حان أخيراً لأن نبتسم».
طباعة