المريض النفسي.. صراع مع المجتمع والذات

مفهوم الصحة النفسية بحاجة الى رؤية مختلفة في المجتمعات العربية. فوتوز.كوم

على الرغم من كثرة الضغوط النفسية التي يعاني منها كثيرون في المجتمعات العربية، وعلى الرغم من التطور الكبير الذي تشهده، إلا أن بعض الأفراد يحجمون عن الذهاب إلى طبيب نفسي، كي يساعدهم على التغلب على أمراض عدة تحملها ضغوط الحياة اليومية، مثل الاكتئاب والقلق وغيرهما، معتبرين أن اللجوء إلى استشارة نفسية سيرتبط باتهامهم بالجنون، وغالبا ما يؤخرون تلك الخطوة ويخجلون من الإقدام عليها، فتتفاقم مشكلاتهم النفسية، ويقعون فريسة صراع بين نظرة المجتمع وضغوط الذات.

ارتباط

أعرب استشاري ورئيس قسم الطب النفسي في مستشفى راشد في دبي الدكتور محمد حسن فائق، عن أسفه لارتباط مفهوم الطب النفسي وأمراضه المختلفة في مجتمعاتنا بالجنون والتخلف العقلي، مضيفاً «في حقيقة الأمر الأزمات النفسية أمراض لا تختلف أبداً عن الأمراض العضوية، وهذا ما اكتشفته الدراسات الحديثة في الطب النفسي، التي أثبتت أن الأمراض النفسية لا تختلف عن الأمراض العضوية مثل الضغط والسكري، وأن أغلبها أمراض عضوية، تنشأ عن اختلال في توازن بعض الأنزيمات والهرمونات في المخ، وتعويضها بالأدوية يكون هو العلاج، كما بينت دراسات أن هناك ارتباطاً كبيراً بين الأمراض العضوية والأمراض النفسية، وبين ضغوط العمل والضغوط الأسرية وبين الاضطرابات النفسية».

وقال مدير المركز الدولي للاستشارات النفسية في دبي الدكتور محمد محمود النحاس «فرض التطور الكبير الذي طرأ على مجتمعاتنا في الآونة الأخيرة، ضغوطاً نفسية شديدة على أفراده، من خلال المتطلبات الكبيرة التي تزيد مع مرور الوقت، وتستنزف مجهوداً عقلياً وبدنياً، وموارد مالية كبيرة»، مضيفا لـ«الإمارات اليوم» أن «هذه الضغوط ولدت الحاجة الماسة إلى ضرورة العمل على نشر مفهوم الصحة النفسية، التي ترتبط غالبا في المجتمعات العربية بالجنون والاختلال العقلي، ما يولد صراعا داخليا يقوم على الإقدام والإحجام في الوقت نفسه، واللجوء إلى استخدام الحيل المختلفة، عند المحتاجين إليها، كأن يقصد المريض الطبيب النفسي في تاكسي، خوفاً من أن يراه أحد في سيارته الخاصة وهو ذاهب إليه، والتخفي عن طريق لبس النقاب، وإخفاء البيانات والمعلومات الشخصية، في حين يلجأ البعض لتفادي هذه الحيل إلى طلب الاستشارات الهاتفية التي توفر عليه عناء اللجوء إليها». في حين أن زيارة الطبيب النفسي لا تستدعي كل ذلك، لاسيما إذا ما تم النظر إليها، على أنها زيارة خاصة لصديق للتخفيف من الضغوط النفسية المختلفة، والترفيه عن النفس، من خلال تجاذب أطراف الحديث التي تبعد التوتر والقلق، وتولد الإحساس بالراحة، حسب النحاس الذي تابع «لزيادة الثقة بالطبيب النفسي وضرورة العمل على زيارته بين الفينة والأخرى، وللعمل على مجابهة الضغوط النفسية المختلفة، لا يجبر الطبيب والاختصاصي النفسي المريض على ذكر معلوماته وبياناته الشخصية، كما يستغني أغلبهم اليوم عن عملية كتابة وتسجيل الحالة، ويعتمدون على علاج الحالة عن طريق لغة الجسد التي يتعرفون إليها من خلال تجاذب أطراف الحديث، وفي الجلسات العلاجية».

مواطن ضعف

وأكد مدير المركز الدولي للاستشارات النفسية في دبي، أن النظرة القاصرة لمفهوم الطب النفسي وزيارة الاختصاصي النفسي يمكن تغييرها، في حال تم الإيمان بقدرته على مجابهة الضغوط النفسية المختلفة التي يواجهها أفراد المجتمع كافة، على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم الاجتماعية، معتبرا أن «القوة تكمن في أن يظهر الإنسان حاجته إلى مساعدة الآخر، وترك مواطن الضعف التي من شأنها أن تنال منه وتقضي على شخصيته، فيصبح حيالها كائنا أجوف لا دلالة ولا معنى له».

وأشار إلى أن المرأة أثبتت قدرتها على ذلك، إذ أصبحت لا تتردد كثيراً في زيارة الاختصاصي النفسي في حال الحاجة إليه، على خلاف الرجل الذي يندر وجوده في مراكز الطب النفسي «ويرجع ذلك إلى كثرة الضغوط النفسية التي تواجهها المرأة سواء كانت عاملة أو ربة منزل، التي تجعلها عرضة دائما للقلق والتوتر، أما الرجل فتقل لديه هذه الضغوط، ويرى أن قصد الطبيب النفسي يقلل من قيمته وقوته على مجابهة الضغوط النفسية المختلفة». وعن طرق نشر التوعية بالطب النفسي وضرورة زيارة الاختصاصي النفسي، قال النحاس «الندوات والمحاضرات والبرامج، تلعب دوراً كبيراً في نشر التوعية بالطب النفسي وبيان أهميته، وتصحيح صورته التي لعب للأسف بعض المسلسلات والأفلام دوراً كبيراً في تشويها».

مسؤولية

وقالت اختصاصية الطب النفسي في مستشفى راشد في دبي الدكتورة أمل الحليان «يتحمل اختصاصيو الطب النفسي، المسؤولية الكبرى في تغيير النظرة القاصرة، والصورة الخاطئة المرتبطة بمفهوم الطب النفسي، وأمراضه المختلفة، إذ يجب العمل على تنظيم حملات توعية تعنى بكيفية التعامل مع هذه الضغوط، عن طريق تسليط الضوء على مفهوم الصحة النفسية، والأمراض المختلفة، وطرق علاجها وسبل الوقاية منها». مشيرة إلى أن كثيرا من الحالات التي تتردد على الاطباء النفسيين تقوم بذلك في مراحل متأخرة، في حين أن العلاج المبكر يسهم في تماثلها للشفاء سريعاً، من خلال التعاون مع مؤسسات المجتمع المختلفة، لاسيما في ظل زيادة الأمراض النفسية في المجتمع والناتجة عن الضغوط الكبيرة التي يشهدها في مختلف جوانب الحياة.

وأضافت الحليان «أكدت الأبحاث العلمية المدنية، أن الضغوط النفسية تنجم عنها أمراض نفسية مثل الاكتئاب والقلق، التي قد لا يدركها بعض الأفراد نتيجة لقلة وعيهم، على الرغم من وجود أعراض ومؤشرات واضحة، وقد لا يستطيع الفرد تجاهل هذه الضغوط، لاسيما أنها تعد جزءاً لا يتجزأ من حياته، فقد تصادفه بالمنزل أو العمل، وحتى أثناء قيادته مركبته، ولكن بإمكانه التعامل معها بطريقةٍ تبعد عنه آثارها السلبية».

طباعة