مطالبات بتشريعات تحدّ من جراحات التجميل

جهات تعمل في مجال التجميل تتعامل مع الحالات التي تتقدم لها من باب الربح والخسارة. أرشيفية

طالب مواطنون وأطباء اختصاصيون وعلماء دين بتشريعات وأحكام وأخلاقيات تنظم عمل جراحات التجميل، بمختلف أنواعها، بعد ارتفاع صيحاتها المتلاحقة إلى درجة تجرؤها الزائد على النفس البشرية، بهدف تحقيق مآرب مادية تجارية لا أكثر، خصوصا أن ممارسي هذه العمليات الحساسة دخلوا المجال، وهم غير مختصين، حيث ظهرت صالونات ومراكز التجميل التي يمارس بعضها أنواعا من هذه العمليات.

وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن ما يجري حاليا يشكل مخاطر صحية عديدة، تظهر نتائجها في عمر متقدم غالبا، ضاربين مثلا للتشريعات التي يقترحونها بأن يحظر على الجراح إجراء أي عملية لغرض تجميلي من دون موافقة من الطبيب النفسي، تفيد بخلو المراجع من أي اضطراب أو مرض نفسي، بالإضافة إلى وثيقة أخرى من دار الفتوى الشرعية، تفيد بإباحة إجراء العملية، فضلا عن إقرار خطي من المراجع وذويه بتحملهم المسؤولية الكاملة، وقبولهم أضراره المستقبلية التي قد يتعرض لها بعد العملية.

قزحية ملونة

وفي المقابل، عارض أطباء كثيرون واختصاصيون في التجميل والأمراض الجلدية مسألة إلزامهم بالوثائق، محتجين بأنه يمكنهم استشعار المريض النفسي من الوهلة الاولى، وبالتالي، فإنهم يرفضون القيام بالعملية، فضلا عن قلقهم من عدم قبول المريض لشكله الجديد بعد العملية، إذا ما كان مصابا باضطراب نفسي.

ومن أخطر صيحات التجميل، ما حدث قبل أيام في بلد عربي، حيث أقدم طبيب عيون على إجراء أخطر وأول عملية استبدال قزحية عيون طبيعية بأخرى اصطناعية، لا لشيء إلا لرغبة المريضة في تلوين عينيها باللون الأخضر بشكل دائم، فلقد سئمت العدسات اللاصقة الملونة.

ويرى اختصاصي طب العيون، الدكتور مفيد التل، أن من المبكر الحكم على نجاح عملية من هذا النوع، وأن علينا الانتظار لنرى كيف سيتأثر بصرها ومدى حساسيتها وقدرتها على الرؤية في الظلام، خصوصا أن لدى القزحية البشرية القدرة على التحرك والتأقلم مع الضوء الذي تتعرض له العين، وقال «لا أعرف كيف ستفعل القزحية الاصطناعية ذلك، ولم يسمح في أي دولة أوروبية بإجراء العملية، في انتظار ثبوت نجاحها على متطوعين كثيرين» . وأشار إلى أن جراحة تلوين العيون تثير، أكثر من غيرها من جراحات التجميل، قضايا في أوروبا، مثل تقنين التشريعات والقوانين التي تحكم مثل هذه الجراحات، وتثير تساؤلات عن مدى المخاطرة التي يجب أن يتوقف عندها هوس التجميل.

وأعرب التل عن شكه في نجاح هذه العملية على المدى الطويل، حيث تبقى القدرة الإلهية متفوقة على العلم البشري المحدود. وحذر من إجرائها في المنطقة العربية التي تفتقر لتشريعات تمنع إجراءها، لأن من يتطوع سيجعل نفسه بمثابة فأر التجارب الذي لا دية له، فإن نجحت التجربة كان بها، وإذا فشلت ضاع كل شيء. وأفاد بأن عملية زرع قرنية اصطناعية ناجحة أجريت للمرة الأولى في فرنسا لمريض، لم يستفد من عين بشرية تم زرعها له، وقد ابتكرت هذه الجراحة في الولايات المتحدة، ولم تكن العملية لأغراض تجميلية لتلوين لون العيون، حيث خصصت هذه القرنية للمرضى الذين لا يمكن إجراء عملية زرع قرنية بشرية لهم، بسبب زيادة خطر الرفض لها.

مرض نفسي

ويرد في تقارير منظمة الصحة العالمية (OMS) أن العمى الناتج عن القرنية يصيب أكثر من 10 ملايين شخص في العالم، وأن 100 ألف شخص فقط يمكنهم الاستفادة من زرع قرنية، ويعود هذا العجز إلى حقيقة أن هناك فجوة بين عدد التبرعات وتزايد الطلب علي عمليات زرع القرنية وأن بعض المرضى ليسوا مؤهلين لزرع قرنية، حيث تتيح القرنية الاصطناعية التغلب جزئيا على الصعوبات.

وقال المدير الطبي واستشاري الطب النفسي في المركز الأميركي النفسي والعصبي في أبوظبي، الدكتور يوسف أبواللبن، إن بعض الأشخاص الذين يطالبون بإجراء جراحات تجميلية يعانون من مرض نفسي يدعى «الاعتقاد بوجود تشوه جسمي وهمي»، وهو شائع عند النساء أكثر من الرجال. ومن هنا، فإن المسؤولية الأخلاقية لطبيب الجلدية تستدعي تحويل المريض إلى الطبيب النفسي، ورفض إجراء العملية، لكن ما يحدث في أحيان كثيرة هو التعامل مع المريض، على اعتباره صفقة تجارية يجب الخروج منها بأعلى نسبة ربح ممكنة، بصرف النظر عن المنفعة الإنسانية للمريض.

وأضاف أن بعض عيادات ومراكز التجميل أصبحت تسعى لتوفير اختصاصي نفسي فيها، لكنه طالب بضرورة توفير تشريعات أخلاقية تلزم الأطباء بعدم التعامل مع المريض النفسي، كون لدى طبيب الجلدية القدرة على اكتشاف الحالة التي تستدعي العلاج النفسي، ولا تستدعي الجراحة التجميلية، وناشد الأطباء ضرورة التحلي بأخلاقيات مهنية عالية، تحافظ على قدسية وكرامة ونبل المهنة.

وأوضح طبيب نفسي، رفض الكشف عن اسمه، أن مريض الاضطراب النفسي يكون مقتنعا بقبح شكله أو نقص الجمال فيه، ما يدفعه إلى البحث عما يُحسن مظهره الخارجي، وتسمى هذه الحالة «إدمان الجراحات التجميلية».

ومن المدمنين على العمليات التجميلة فئة تُعتبر من المُعانين من إحدى حالات الاضطرابات النفسية لفصيلة الوسواس القهري، وهي حالة نفسية تُدعى ما يُمكن ترجمته بـ«اضطراب اعتقاد أن شكل الجسم غير سوي»، وتتميز بانهماك واستغراق من المُصاب بوجود خلل وهمي أو حقيقي في مظهره الخارجي. ولدى هؤلاء الناس نظرة مشوهة ومبالغ فيها حول ما يبدو عليه شكلهم. ولديهم هواجس وقلق إلى حد الوسوسة حول شكلهم المرئي، مثل تفاصيل صورة وجوههم أو بشرتهم، لأنهم يشعرون بأنهم قبيحون ومشوهون. وحتى لو تمت طمأنتهم حقيقة، ومن دون أي مجاملة، بأن صورهم وأشكالهم لا تشكو من تلك العيوب التي يتوهمونها، إلا أنهم يظلون على اعتقادهم، وعلاجهم الطبي أبعد ما يكون عن الانسياق وراء الاستجابة لرغباتهم في تغيير أشكالهم وصورهم عبر العمليات التجميلية، لأنها لن تُفلح في إزالة وهمهم ووسواسهم، بل قد تُعمق ذلك الشعور لديهم، خصوصا عند تلقي استحسان أو إعجاب من الغير بما تم تغييره لهم.

وذكر الطبيب النفسي أن الإقبال على عمليات التجميل فاق كل التوقعات في السنوات القليلة الماضية، ومن الإحصاءات العالمية، تقول مصادر طبية إن المجمع الأميركي لجراحي التجميل أعلن في العام 2000 أن أكثر من ثلثي مَن يخضعون لعمليات تجميل هم ممن سبق لهم الخضوع للعديد منها.

وترى تلك المصادر أن العدد ارتفع إلى حد وصفته بدرجة مفزعة، إذْ بلغ عدد النساء اللواتي تمت لهم عمليات تجميلية في 2003 فقط نحو سبعة ملايين امرأة، أي بنسبة زيادة بلغت 16٪ في ما بين 2002 و2003 فقط، وبلغت نسبة ارتفاع الخاضعين لها من الرجال في ما بين العامين هذين أكثر من 1.31٪.

آثار الفيديو كليب

وقال الباحث والاختصاصي الاجتماعي، حسن عبدالله، إن التطور التكنولوجي في العصر الحديث زاد من ولع النساء وبعض الرجال بعمليات التجميل، وأصبحت يُنفق عليها الأموال الباهظة، حيث زادت حالات عمليات التجميل في العالم العربي خلال عام واحد من 380 ألف عملية إلى 650 ألف عملية تجميل بسبب أغنيات (الفيديو كليب) العارية، والتي تعتبر أن جسد المطربة، وكم العُري المعروض منه من أهم عوامل نجاحها. إذ بلغ حجم ما تنفقه المرأة على الماكياج وعمليات التجميل والتخسيس (160) مليار دولار سنويا،ً وذلك كله من أجل الحصول على وجه جميل وجسد رشيق فاتن، خصوصا أن أحدث دراسة أميركية أجريت على 10 آلاف شخص من نحو 37 ثقافة، جاءت جاذبية المرأة على قمة ما يطلب الرجال توافره من أجل الزواج.

وانتقد عبدالله الاهتمام المرضي بالجمال، واعتبره جنونا نتج عن التأثر المفرط بالنيولوك والفضائيات ومطربات العري والفيديو كليب، وما زاد من ذلك أن الصحف والمطبوعات العربية تعجّ يومياً بدعايات وإعلانات برّاقة عن الخدمات التي تقدمها مراكز التجميل من عمليات شفط الدهون، وشدّ الأجزاء المترهلة والتكبير والتصغير وإزالة غير المرغوب فيه، وقائمة طويلة من خدمات أخرى يسيل لها لعاب نساء كثيرات باحثات عن القوام الرشيق والراغبات في مزاحمة المطربات ومذيعات الفضائيات على عرش الجمال.

وحذر عبدالله من خطورة إجراء مثل هذه العمليات، وما قد يتبعها من مضاعفات جانبية خطرة يحرص كثير ممن يطلقون على أنفسهم (خبراء) و(خبيرات) التجميل على إخفائها عن مسامع زبائنهم، واضعين نصب أعينهم الأموال الطائلة التي سوف يجنونها من إجراء تلك العمليات.

وطالب كل امرأة بأن تحَكم عقلها قبل التفكير في إجراء أي عملية تجميل، وتضع نصب عينيها حقيقة أن 99٪ من فنانات ومطربات هذه الأيام هن زبونات دائمات لتلك المراكز والعيادات، وأن (النيولوك) الذي تظهر به فنانتها المحبوبة، والتي تحاول جاهدة تقليده، يعود فضله إلى عمليات (الصبغ والسمكرة) التي تجري على يد أمهر خبراء التجميل في أرقى العيادات والمراكز الأوروبية.

واستذكر عبدالله ما حدث لمطربة سقطت على المسرح في أثناء تأديتها حفلة من حفلاتها، بعد إصابتها بإغماءة مفاجئة علل الأطباء سببها بإسرافها في استخدام حقن (السيليكون) التي تُستخدم عادة في عمليات التجميل (لتلغيم) الأجزاء المراد تكبيرها في الجسم، فضلا عن حالة فنانة توفيت نتيجة مرض نفسي أصابها بعد عملية تجميل أجريت لها. أما المطرب الأميركي المشهور فهو مثال آخر للويلات التي يمكن أن تحدثها عمليات التجميل التي تُعتبر في هذه الحالة (تشويهاً) بالتأكيد، فعشرات العمليات المختلفة طالت كل بوصة في جسد ذلك المطرب.

 تكاليف تتزايد

قدّر أحد أشهر جراحي التجميل في أميركا، آلان ماتاراسو، أن عملية تكبير الثدي التي كانت تتكلف أكثر من 12 ألف دولار منذ 10 سنوات لا تتجاوز تكاليفها الآن 600 دولار فقط، ويقدّر الخبراء الأميركيون أن صناعة التجميل الخاصة بالعناية بالجلد فقط تبلغ استثماراتها ما يزيد على 24 مليار دولار، وتبلغ قيمة استثمارات الماكياج 18 ملياراً، والعناية بالشعر 38 ملياراً، والعطور 5 ملياراً، ومن الأسواق الواعدة في صناعة التجميل ـ التي أهملتها الشركات التقليدية ـ سوق جراحات التجميل التي تبلغ قيمة استثماراتها بالفعل 20 مليار دولار سنوياً، ولاتزال تنمو بمعدل سنوي كبير. وزاد الإقبال على تلك الجراحات داخل أميركا بنسبة 220٪ منذ ،1997 أما الجراحات التقليدية، كتكبير الثدي وتعديل شكل الشفاه والأنف، فتتم من خلال حقن (بوتوكس) لتجميد عضلات الوجه التي تسبب التجاعيد، وزادت تلك الجراحات بنسبة 2400٪ منذ .1997

وتبقى الأسئلة مطروحة: من يجب عليه من العاملين في الوسط الطبي ملاحظة وتشخيص إصابة بعضهم بمثل هذا الاضطراب النفسي؟ هل دور أطباء الجلدية وجراحي التجميل والمتخصصين بالعناية بالبشرة، العمل على الحد من تمادي هؤلاء المرضى في سلوكهم طلب الخضوع للعمليات التجميلية؟ باعتبار أن سلوكهم هذا إنما هو أحد مضاعفات هذا المرض النفسي، وليس نتيجة لوجود خلل أو نقص في جمال شكل الجسم؟

وهل إجراء الأطباء تلك الجراحات التجميلية، أو العلاجات الجلدية بالليزر أو بغيره، سيخدم في النهاية هدف تحسين شكل الجسم ومظهره لهؤلاء المرضى، ما يشفيهم مما يُعانون منه منْ اضطراب نفسي؟ أم أن جراحي التجميل بتماديهم في تقبل هؤلاء المرضى النفسيين كمرضى تجميل، وإجرائهم لهم ما يطلبون، إنما يصبون الزيت على النار ويزيدون المشكلة لديهم تفاقماً؟

بعبارة أخرى، هل علاقة جراحي التجميل أو جراحي التخسيس أو أطباء الجلدية بمراجعيهم علاقة تجارية من نوع توافر العرض والقدرة على دفع تكاليف الطلب؟ أم يجب أن تكون أوسع لتصبح علاقة من نوع «طبيب» يهتم بكل ما يتعلق بالحالة الصحية لدى «المريض»؟ وبالتالي، هل من الأفضل أن يرفض جراح التجميل الاستجابة لطلبات كهذه، إذا ما اتضح له بعد تقييم الحالة النفسية لهؤلاء أنهم مرضى نفسيون؟

طباعة