«اكتئاب الشتاء».. عَرَض يحرم من «موسم البهجة»

لا تختلف أعراض «اكتئاب الشتاء» عن أعراض الاكتئاب العادي. تصوير: ساتيش كومار

يشكل فصل الشتاء لدى البعض فرصة كبيرة للاستمتاع بخيراته الوفيرة، في حين يراه آخرون بيئة خصبة للكسل والخمول وقلة النشاط، لاسيما عند الذين يصابون بعرض «اكتئاب الشتاء»، والذي يظهر مع بداية فصل الخريف حتى دخول الشتاء نتيجة للتغيرات والتقلبات المناخية، ويحرم المصابين به من التمتع ببهجة فصل يعده كثيرون موسما للبهجة والفرح.

وأفاد مدير المركز الدولي للاستشارات النفسية في دبي، الدكتور محمد محمود النحاس، بأن «اكتئاب الشتاء» يعد عرضاً نادراً أكثر منه مرضاً، يصيب 20٪ من الناس في شمال الكرة الأرضية، مع بداية فصل الخريف، حين تبدأ الشمس في الظهور لفترات قصيرة في النهار الذي تقصر مدته الزمنية مقارنةً بالمساء، وتلعب الوراثة دوراً بسيطاً جداً في الإصابة به، مؤكدا أن من يتعرض لـ«اكتئاب الشتاء» «يتميز بسلامة قدراته الذهنية، ولا يحتاج إلى أدوية وعلاجات معقدة، بل نعمل على تهيئته وضبطه انفعاليا، وننصحه بالتعرض للشمس وممارسة الرياضة والاختلاط بالذين يحبهم ويحبونه».

وقال النحاس لـ«الإمارات اليوم» «الاكتئاب قد يكون عرضاً أو مرضاً يصاب به الإنسان، حين يقل إفراز هرمون السيراتونين (هرمون السعادة) الذي يعتبر مبعثه الأساسي هرمون الميلاتونين، ما يساعد على ضبط عمل الجسم، وعلى النوم». وأوضح أن هرمون السعادة تفرزه الغدة الصنوبرية في تجويف الدماغ، في الظلام فقط، لذا، فإن المصاب باكتئاب الشتاء يكون في حالة حزن شديدة، نظراً للجوئه إلى النوم في فترات النهار، عوضاً عن الليل الذي يكره ظلامه، وبالتالي، لا تفرز غدته الصنوبرية هرمون الميلاتونين الذي لا يفرز إلا في الظلام فقط، الأمر الذي تنتج عنه قلة إفراز هرمون السعادة لدى ذلك الشخص، فتجده في حالة حزن دائم، وقلق، وإحباط شبه دائم.

أعراض

وأوضح مدير المركز الدولي للاستشارات النفسية في دبي أن أعراض اكتئاب الشتاء لا تختلف عن الاكتئاب بشكلٍ عام، إذ تكون نظرة المصاب للحياة تشاؤمية، لا تحمل الأمل في غدٍ أفضل، ويلجأ إلى تهويل الأمور وإعطائها حجماً أكبر من حجمها. وقال «يتولد لدى المكتئب إحساس كبير بالغيرة من الآخرين، من خلال اعتماده على مبدأ المقارنة في ما بينه وبين الآخرين، فيقل لديه الشعور بالرضا والسعادة، وبناء على ذلك، يبدأ في التعامل مع الآخرين على أنه قليل الحظ، ومظلوم في الحياة، وفي المقابل، لا يسعى إلى تطوير ذاته، وتنمية مهاراته، للارتقاء إليهم، على الرغم من رغبته في تحقيق النجاح، من دون اللجوء إلى بذل أي مجهود يذكر».

ونظراً لتجنب المصاب بـ«اكتئاب الشتاء» النوم ليلاً في الظلام، وبالتالي، لا يدخل في مرحلة النوم العميق، تتأثر قوته الجسدية فيبتعد عن ممارسة الرياضات بأنواعها المختلفة، وتتولد لديه رغبة في شرب السكريات بكثرة، نظراً لقلة طاقته، ويعاني من زيادة الوزن مع مرور الوقت، حسب النحاس الذي أفاد أن قدرات الشخص الإدراكية، ومنها التركيز، تتأثر، فيفقد القدرة على التعامل مع الأمور التي تدور من حوله، ويقف أمامها عاجزاً عن التصرف، ويبدأ في خسارة من حوله من المعارف والأصدقاء، ما يشعره بالوحدة، فيدخل نفسه في دائرة مغلقة، لا أحد فيها سواه، تزيد من حالة الاكتئاب لديه».

ولفت إلى أن وجود الأمراض المزمنة لدى المصاب باكتئاب الشتاء يلعب دوراً كبيراً في تفاقم الحالة، كما يعاني من فقدان الرغبة الجنسية، والشعور شبه الدائم بالصداع النصفي.

علاج

وعن طرق علاج اكتئاب الشتاء، قال النحاس «لا يتم اللجوء إلى الأدوية في علاج ذلك العرض، إذ يعتمد المختصون على العلاج العقلاني الانفعالي الذي يعتمد أساسا على تهيئة المصاب بالاكتئاب لتقبل الواقع وذاته والآخرين، حيث إنه شخص يتميز بسلامة قدراته الذهنية، ويدرك إصابته بالمرض، لكنه لا يستطيع في الأغلب تخطيه من دون مساعدة المختصين».

وتكمن طرق العلاج ـ وفق النحاس ـ في الحرص الشديد على التعرض لأشعة الشمس، ولو بفتح النوافذ، والخروج في الهواء الطلق، ومزاولة الرياضات بأنواعها المختلفة، ولو في أماكن مغلقة، والتقليل من تناول السكريات والنشويات، والتدخين وشرب القهوة والكوكاكولا، حيث تحتوي هذه المشروبات على مواد تؤثر في شد الأعصاب، والتقليل من تناول الدهون، والإكثار من تناول السمك، خصوصا سمك التونة، إذ تبين أنه يعمل على تحسين الحالة النفسية والمزاجية للإنسان، والحرص على الاختلاط بالناس والتحدث حتى ينال قبولهم واستحسانهم، والتقليل من مشاهدة التلفزيون لفترات طويلة، وعدم قضاء ساعات طويلة في التحدث في مواقع التواصل الالكترونية التي غالباً ما تجعل الشخص في دائرة مغلقة، والتهيئة للنوم من خلال العمل على جعل الحالة النفسية في استرخاء تام، عن طريق اللجوء إلى قراءة كتاب ممتع، وشرب كوب من العصير المفضل.

وأشار النحاس إلى ضرورة تنمية الجانب الديني عند المصاب بالاكتئاب، لدوره الكبير في مساعدته على العلاج، من خلال «الإكثار من التسبيح والاستغفار وذكر الله، والحرص على تأدية الصلوات في وقتها، حيث في الأغلب المكتئب يبتعد عن القيام بذلك».

آثار

وذكرت الاختصاصية النفسية في منطقة الشارقة التعليمية، فاطمة السجواني، أن للاكتئاب آثارا نفسية واجتماعية وصحية كبيرة في المصابين «إذ يلجأ بعضهم إلى الانتحار، لاسيما في حالات الاكتئاب الشديد، حيث تصبح الحياة بالنسبة لهم بلا طعم ولا قيمة». وأوضحت أن من آثار الاكتئاب الإصابة بالقلق والتوتر والإحباط، وعدم القدرة على العمل أو الإنجاز، كما يلجأ المصاب إلى الابتعاد عن أصدقائه، والعزلة عن العالم الخارجي، إلى درجة قد يلجأ فيها المصاب إلى التخلص من نفسه وممن حوله كذلك، في محاولة منه للراحة من المعاناة الكبيرة التي يشعر بها. كما ينصح اختصاصيون نفسيون المصاب إذا ما كان لديه أبناء، بضرورة الابتعاد عنهم، خوفاً من أن يعرض حياتهم للخطر في أي وقت.

وعن الآثار الصحية، قالت السجواني «قد يصاب مريض الاكتئاب بالشره، أو فقدان الشهية، كما يصاب بالأمراض السيكومانية (النفس جسمانية)، وهي أمراض عضوية ترجع لأسباب نفسية المنشأ، مثل قرحة المعدة والصداع والقولون العصبي وأنواع من مرض السكري، وأمراض جلدية مثل الأكزيما والصدفية، ولا يشعر المصاب بالاكتئاب بالرضا عن نفسه، حيث يدرك ما آل إليه، نظراً إلى سلامة حالته الذهنية، ويسعى أغلبهم للعلاج والتخلص من أعراضه التي تظهر عليهم من دون إرادتهم».

وحتى يتجنب الإنسان الوصول إلى مرحلة الاكتئاب، نصحت السجواني بأن يفرغ الشخص ما تختزنه نفسه من مآس وصعاب وأحزان يعيشها، والتي قد تمر عليه يومياً، لتفادي تراكمها الذي تنجم عنه مشكلات وأمراض نفسية وصحية واجتماعية كبيرة، قد يصعب العمل على حلها، وتطول فترة علاجها، مشيرة إلى ضرورة توفير كل إنسان فترة زمنية، حتى لو كان ربع ساعة للجلوس مع ذاته والتحدث إليها، وتفريغ ما تختزنه وغالباً ما تحتاج إلى ذلك ربة المنزل التي تواجه ضغوط تربية الأبناء والقيام بواجباتها المنزلية والزوجية في الوقت نفسه، والأشخاص الذين يعملون في مجالات عمل تتطلب منهم مواجهة الآخرين على الدوام، الأمر الذي قد يتعرضون على أثره للتوبيخ واللوم والتأنيب، حسب السجواني التي نصحت أيضا بالمشي في الهواء الطلق، وممارسة الرياضات المختلفة، لأن لهما دورا كبيرا في تجنب الوصول إلى مرحلة الاكتئاب.

مدعاة إلى الفخر

قال الاستشاري في الطب النفسي، الدكتور علي الحرجان، لـ«الإمارات اليوم»، «الاكتئاب حالة إنسانية راقية لا تستدعي الخجل، وشهادة تقدير من الطبيب المشخص للمصاب، تشهد بشخصية تمتلك أخلاقاً عالية، وتتمتع بصفات حميدة، وتبحث باستمرار عن الأمن والأمان والسلام، على خلاف المجرمين ومنعدمي الضمير الذين لا يصابون به».

مشيرا إلى أن ذلك المرض «مدعاة للتفاخر، وهذا ما نشهده في بعض الدول، حيث لا يشعر المصابون فيها بالخجل، بل على العكس، لذا على من يشعر بأعراضه واضطراباته التوجه على الفور للطبيب المختص لتلقي العلاج في الوقت المناسب، حتى لا يزداد الأمر سوءاً وتنتج عنه أمور لا تحمد عقباها، إذ تكون للتأخر في استشارة الطبيب توابع سلبية على سير الخطة العلاجية، كما أن تفهم المجتمع طبيعة الاكتئاب يسهم في علاجه».

طباعة