«منتصف العمر».. مرحلة تحوّل وليست أزمة

معظم الأفراد يجدون أن مرحلتي الشيخوخة وفترة منتصف العمر مثيرتان للإحباط. غيتي

غالبا ما تتغير حياة المرء تدريجيا مع التقدم في السن، إلا أن فترة الأربعينات من العمر فما فوق، قد تكون المرحلة الأكثر تأثيرا في حياة المرء ونظرته إلى الحياة، وإلى من حوله، وإلى نفسه تحديدا، فبين التعامل مع التغيرات الفسيولوجية، وقرينتها النفسية، قد تصبح هذه الفترة للبعض وسيلة لاكتشاف الذات أو البحث عنها في زحام ساعات العمل، وقد تكون فرصة لتحقيق أمنيات كانت بعيدة المنال سابقا عند البعض، بينما تتحول لدى آخرين إلى مرحلة اكتئاب تمنع المرء من الاستمتاع بحياة قد يفتقر إليها غيره، ما يجعل كثيرين يصفونها بأنها مرحلة تحول وليست مجرد أزمة يتعرض لها المرء في منتصف العمر.

وبين ذلك الذي يقرر الانفصال عن زوجته بعد 20 عاما من الحياة معا، وشراء سيارة رياضية لا تتسع سوى له ولزوجته التي تصغره بـ20 عاما وحقيبة الرياضة الجديدة، وبين آخر قد يجد في اعتزال الحياة وانتظار الموت، يوجد العديد من الأفراد الذين يعتبرون هذه المرحلة فرصة لإيجاد المزيد من الأسباب والطرق للتمتع بما تجود به الحياة، وأنها مرحلة جديرة بالتجربة، على الرغم من حتميتها وعدم القدرة على الفرار منها.

وكشفت دراسة بريطانية حديثة نشرت على موقع «إيه أو إل هيلث»، أن معظم الأفراد يجدون أن مرحلة الشيخوخة وفترة منتصف العمر، مثيرتان للإحباط، إلا أنها في الوقت ذاته فترة للبحث عن الذات، وليست تغيير أسلوب الحياة فعليا.

وأجرى الدراسة العالم في جامعة وورويك في بريطانيا أندرو أوسوولد، إذ قام بقياس مراحل الاكتئاب والتوتر، والصحة العقلية، والسعادة، والرضا عن الحياة لدى مجموعة من الأفراد، وهي الدراسة التي كشفت أن الأربعينيين من الرجال والنساء كانوا أكثر كآبة، وليسوا بالسعادة التي تشعر بها مجموعات من أعمار أخرى، كما أن بيانات حديثة أصدرها مركز السيطرة والوقاية من الأمراض أظهرت أن معدل الانتحار بين الأفراد بين عمر 45 و54 عاما ارتفع بنسبة 20٪ بين عامي 1999 و2004 أكثر من أي مجموعة عمرية أخرى.

 


التركيز على القوة

تنصح الطبيبة النفسية إيفا ستابيتس، بأهمية تركيز المرء على نقاط القوة والأمور الإيجابية في حياته، فمشاعر الفشل والندم، هي إحدى المشاعر التي تغلب على المرء في فترة منتصف العمر «فتلك المرحلة من الحياة توفر فرصا رائعة للتركيز على ما هو مهم بالفعل في الحياة، الأمر الذي يعين على القيام بالتطوير»، مقترحة عددا من الطرق التي يمكن أن تضيف التغيير إلى الحياة والمزيد من التشويق عليها، ومنها:

الحفاظ على العادات الصحية: فالمظهر الخارجي يعد إحدى المشكلات التي يواجهها المرء في تلك المرحلة من الحياة ابتداء من الثلاثينات وحتى الخمسينات، واتباع نظام غذائي صحي وممارسة أنشطة تعتمد على المزيد من الحركة يمكن أن تعين إعادة الطاقة إلى الجسم والحالة النفسية بدلا من التوجس والغرق في أفكار ضياع الجمال والتقدم في العمر.

التقليل من العمل: ما يعني المزيد من الوقت للتركيز على ما تهتم به في الحياة ومن يهتمون بك من عائلة وأصدقاء ما يعني تقوية النظام الاجتماعي الداعم.

تعلم مهارات التحكم في التوتر: مثل جلسات التأمل، أو اليوغا، أو كتابة اليوميات، وتسجيل المرء ما يمر به، يعينه على معرفة ما يشعره بالقوة والضعف.

البحث عن الجانب الروحاني: سواء من الناحية الدينية، أو الناحية الإبداعية التي تعين المرء على التواصل مع النفس والتعبير الحقيقي عنها أو التواصل مع البيئة المحيطة وتقديم المساعدة الاجتماعية للآخرين.

البحث عن المساعدة: يمكن للاستشارة المتخصصة أن تعين المرء على التعامل الإيجابي مع مشاعره وتوتره وحزنه.

تفهم طبيعة المرحلة: وأن التفكير في التقدم بالعمر أمر طبيعي، حيث يمكن أن تكون صحوة للذات، وأن الوقت قد حان للقيام بأمر مختلف، إنها الفترة التي يجب على المرء تقييم حياته فيها وتحليلها والوصول إلى قرارات إيجابية حول الذات والعائلة والتجارب الإنسانية.


وعي بالحياة والموت

وعلى الرغم من النسب والأرقام السابقة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدخول في أزمة منتصف العمر أمر مؤكد، ويصيب جميع الأفراد في هذه الفترة العمرية، بل إن أغلب الأفراد في هذا العمر قد لا يواجهون أي مشكلات، إلا أن الخبراء في الصحة العقلية قد يجدون أن الأفراد بمرحلة منتصف العمر، يواجهون ما سموه «التحول» وليس «الأزمة» أو الفترة التي يكون فيها الأفراد «أكثر وعيا بالحياة والموت» بحسب عالم النفس والكاتب للبرنامج الإذاعي «التقنية السريعة لإزالة التوتر» الدكتور رونالد ناثان الذي يقول «غالبا ما يواجه الأفراد في مرحلة تحول منتصف العمر الشعور بالملل، وبأنهم مقيدون بأسلوب حياتهم الحالي، ما يجعلهم تحت ثقل شعورهم بالقلق، والانزعاج والبحث عن شيء جديد، ما يقودهم إلى التشكيك بقراراتهم السابقة بالحياة ومخططاتهم المستقبلية، وتشوش عام حيال الطريق الذي يسلكونه في حياتهم». وأشار إلى أن هذه المرحلة يمكن أن تبدأ في منتصف أو نهاية الثلاثينات وحتى منتصف إلى نهاية الستينات بحسب الشخص، وهي المرحلة التي يمكن أن تمتد بين خمس إلى عشر سنوات، أو حتى 15 عاما بحسب تمرد ومشاكسة تلك الفترة.

وبينت الطبيبة النفسية إيفا ستابيتس أن أزمة منتصف العمر يمكن أن تسبب مرحلة عنيفة من التشكيك في الذات، والتي تسبب مشاعر تدمير للذات سواء عبر سلوكيات غير صحية أو غير لائقة، أو عبر شراء أشياء ثمينة غير مجدية، أو الاستقالة من العمل، أو إنهاء زواج. وأضافت أن «الطريقة المثلى لتوقع وجود أزمة قبل أن تتحول إلى تجربة عنيفة، هي من خلال الوعي بالمجالات التي يواجه المرء فيها المشكلات، سواء كانت من الناحية الاقتصادية، أو الزواج، أو العلاقات الاجتماعية، أو النظرة إلى الذات، ما يعني إمكانية إصلاح المشكلة قبل وقوعها واتخاذ قرارات متهورة، والتي تحمل عواقب وخيمة «فالأفراد الذين يتخذون قرارات متهورة وقاطعة مثل ترك العمل، أو الزوجة، أو البحث عن الرغبات فقط دون تفكير عقلاني، قد يشعرون بشعور جيد مؤقتا، إلا أنهم بعد عام أو عامين سيبدأون بالتساؤل ما إذا قاموا بالخطوة الصحيحة» وسيندمون على ذلك بحسب ستابيتس.

تجديد العلاقات

ويبين الدكتور ناثان أن هناك عددا من الأمور التي تشملها مرحلة منتصف العمر، التي غالبا ما تشمل الملل، والانزعاج الدائم، والرغبات العاطفية المتبدلة، وزيادة العلاقات العاطفية، وهي الأمور التي قد تشوش على العلاقات طويلة المدى وتعرضها لخطر الانتهاء، وتشعر كلا طرفي العلاقة بأنهما منعزلان وبعيدان عن بعضهما بعضا، ناصحا بأهمية تبديل السلوكيات المدمرة للعلاقات طويلة المدى بأخرى «نشيطة وإيجابية تعزز من قوة العلاقة لا العكس، ما يعني المزيد من الوقت الذي يقضيه الطرفان مع بعضهما بعضا، والمزيد من الوقت بعيدا عن العمل والمسؤوليات الأخرى المثيرة للتوتر».

ويضيف أنه غالبا ما يتم تحفيز التهور لاتخاذ القرارات غير المنطقية في تلك المرحلة، عبر مراقبة التغيرات الجسمانية والصحية، وملاحظة التقدم في العمر على الشكل الخارجي والصحة، إضافة إلى موت المقربين، ومواجهة واقع حتمية الموت، وفي هذه الفترات التي يواجه فيها المرء بالأزمات «يميل الأفراد إلى اتخاذ قرارات تطال العمل، والحالة الاقتصادية، والروحانية أيضا، خوفا من الموت، وأملا في التمسك أكثر بالحياة». وحذر ناثان من أن القرارات المبنية على الخوف لا تكون دائما القرارات الأمثل والأسلم على المدى البعيد، ناصحا «لتكن قراراتك مبنية على المحبة، واستغل إيجابيا فرصك وما لديك بالحياة».
طباعة