مصمّمة الأزياء و«عدوة الموضة»

فايونيت: حين تبتسم المرأة على فستانها أن يبتسم أيضاً. أرشيفية

قد يكون اسم ماديلين فايونيت غريباً عن البعض، إلا أن إنجازاتها في عالم الأزياء لاتزال حتى الآن واحدة من أهم وأكثر ما حظي بالاحترام والتقدير، وصفت بملكة «القصة القُطرية» التي اخترعتها في عشرينات القرن الماضي، كما لقبها آخرون بـ «مهندسة صانعي الفساتين»، اشتهرت بتصاميمها التي تميل إلى الشكل الإغريقي، واعتُبرت الجانب المشرق والجميل الوحيد بين فترتي الحرببين العالميتين الأولى والثانية، مبتدئة مع نهاية الأولى، ومعتزلة مع بداية الثانية، ورغم شهرتها اعتبرت نفسها «عدوة للموضة».

ربما كانت الفترة التي ولدت وترعرعت فيها فايونيت هي السبب، أو ربما كان شغفها بإعادة اكتشاف جسد المرأة، ومحاولة إخراجه من قيود لم تكن تتناسب مع احتياجاتها في أوقات الحروب والحاجة إلى العمل خارج المنزل، فمع أولى السنوات بعد العام ،1900 كانت النساء لايزلن يقبعن تحت قيود مشدات الجسم الضيقة، لتقرر فايونيت تحريرها من عذاب المشدات القاسية، مشتهرة ببعدها ونفورها عن فكرة إخفاء جسد المرأة وتغيير معالمه الطبيعية، حيث دائماً ما كانت تميل تصاميمها إلى الانسدال والتموج الخفيف والمظهر لفتنة الجسد وانحناءات خطوطه والتفافاته، ممهدة الطريق للتصاميم المستقبلية، ضاربة التقاليد والعرف في الأزياء عرض الحائط، ومعتبرة المجتمع في ذلك الوقت متزمتاً بشدة مقارنة بتصاميمها القادمة من المستقبل.

ولدت مصممة الأزياء الفرنسية ماديلين فايونيت في 22 يونيو من عام ،1876 لعائلة فقيرة، في حي فقير في لويريت في باريس، وربما كان شغفها وحبها للعمل في صنع وخياطة الفساتين، أو الحاجة للعمل، ما جعلها تبدأ عملها في مجال الخياطة في ضواحي باريس وهي لاتزال طفلة في الحادية عشرة من عمرها، مستمرة في عملها حتى زواجها وهي في الـ18 من العمر، إلا أن زواجها لم يدم، مقررة الانتقال إلى العاصمة البريطانية لندن، والعمل خياطة لإحدى المستشفيات، لتعود بعد ذلك إلى باريس، محاولة التدرب والعمل لدى عدد من صانعي الفساتين ودور الأزياء آنذاك، مثل دار الأزياء «كالوت سور»، إضافة إلى «جاك دوسيت»، متمكنة خلال سنوات قليلة من أن تصقل موهبتها.

دار فايونيت

افتتحت فايونيت في العام 1912 دار أزيائها الخاصة، التي سمتها «فايونيت»، ومع الوقت استطاعت المصممة أن تتوسع في عملها، وتتحول خلال العقود الثلاثة اللاحقة إلى واحدة من ألمع الأسماء الباريسية في تصميم الأزياء، بينما اعتبرت أول من قدم مجموعات الملابس الجاهزة، لتشغل دارها نحو 1200 خياطة تعمل على تصاميمها، وعلى تقنياتها الخاصة في التفصيل والتنفيذ. لم تشتهر فايونيت بسبب أناقة وعصرية تصاميمها فقط، بل لميلها إلى الإغواء والإثارة، ولم يكن هناك من أميرة أو ممثلة أو سيدة من سيدات المجتمع الراقي لم ترغب في فستان من تصميم فايونيت، واصلة لأوج شهرتها وانتشار اسمها بين مصممي الأزياء الراقية في ثلاثينات القرن الماضي، كما ساعدت تصاميمها في صقل وتعزيز جمال وشهرة الممثلات الهوليووديات مارلين ديتريتش، وكاثرين هيبورن، وغريتا غاربون، كما اشتهرت باستخدامها خامات مثل الكريب اللامع، والغاباردين والساتان، وهي الخامات التي كانت غير معروفة أو غير متعارف على استخدامها في صناعة الملابس النسائية، إلا أنها استطاعت إعادة إحيائها. قد يكون تأثير الحرب في المجتمع جلب الفائدة لفايونيت، التي لطالما كرهت تقييد المرأة بمشدات، وآمنت بتحريرها وتعزيز ثقتها بذاتها، حيث عانى المجتمع في تلك الفترة من قلة المصادر المادية، مما لم يتوافق مع قابلية المرأة لإخفاء جسدها تحت المشدات، صنعها، أو ارتدائها، حيث بدأت موضة المشدات الداخلية تتلاشى مع حاجة المرأة للعمل في المصانع، تجلس لساعات طويلة لتتمكن من المشاركة والإعانة خلال الحرب، ما يعني تغير نظرة المرأة للأزياء والملابس اليومية التي تحتاج إلى ارتدائها، وتعينها على مشاغل يومها.

القصة القُطرية

آمنت فايونيت بحرية المرأة وتحرير جسدها وعقلها، مؤمنة بأهمية أن يعكس ما ترتديه تعابير جسدها وحركته تماماً، للدقة التي جعلتها تقول في إحدى تصريحاتها التاريخية «حين تبتسم المرأة، يجب على فستانها أن يبتسم أيضاً»، مما يدل على اهتمامها الشديد بأن يظهر التصميم كل تفاصيل المرأة، مما يعني بعدها التام، عن كل ما يعيد رسم وتشكيل جسدها، من مشدات وحشوات واسفنج، يغير من الانحناءات الطبيعية للجسد، ليعتبرها البعض المكتشفة لجسد المرأة، متأثرة ومستوحية أعمالها من رقصات وانحناءات الراقصة الأميركية الشهيرة عارية القدمين، إيسادورا دنكن، التي اشتهرت بميلها إلى الفن الإغريقي الذي عادة ما تتمايل عبره الملابس بحُرّية حول الجسد، بدلاً من تشكيله وتغييره، هادفة إلى صنع فساتين «تتلاءم بتعاطف واحتضان لجسد المرأة» حسب قولها، وهو ما جعلها تبتكر تقنية أثارت ضجة، ولايزال إتقانها سراً لدى مصممين عالميين معدودين، وهي «القصة القُطرية» التي اشتهرت باسم الـ «باياس كت».

ومع خبرتها العالية كمصممة أزياء، كانت فايونيت تعلم أنه للحصول على انسدال وتموج أكبر للقماش، ولتحقيق تفاعل واستجابة أكبر للقماش مع حركة الجسد، لابد من ابتكار تقنية كتلك التي انطلقت خلال العشرينات من القرن الماضي، والتي يتم خلالها قص القماش بطريقة قطرية بزاوية 45 درجة تحديداً، عبر النسيج المحاك وليس توازياً معه، الأمر الذي يعين في أن يكون الفستان أكثر التصاقاً ومرونة مع الجسد، قادراً على التعلق به والالتفاف والتموج بشكل أكبر معه وحوله، مقارنة بطرق التفصيل المتعارف عليها، ولاتزال تقنية «القصة القُطرية» واحدة من التقنيات التي نادراً ما يميل إليها صانعو الفساتين والمصممين، وقلة هم القادرون على إتقانها، نظراً للدقة الشديدة والحاجة الكبيرة لإعطاء الوقت والتركيز على القطعة الواحدة. كانت فايونيت تعمل على طلب المزيد من أمتار القماش ذي العرض المضاعف، للتمكن من العمل على تحقيق قصتها المبتكرة، وللتمكن من خلق المزيد من التموج والالتفاف، صانعة بذلك فساتين شديدة الترف والحسية، ولكن بلمسة بسيطة وعصرية، بينما انعكس شغفها في ما تعمل وحرصها الشديد على صنع فساتين مثالية لا تحمل الخطأ، عبر صنع كل فستان مرتين، الأولى عبر صنع الفستان على دمى مصغرة بقياسات شبيهة بالحقيقية، لتعيد صناعتها على العارضات الحقيقيات بعد ذلك.

إضافة إلى ابتكارها لـ«القصة القُطرية»، التي كانت الأبرع فيها، هادفة إلى تحقيق شكل أملس مظهر لخطوط الجسم، مما حقق ثورة في عالم الأزياء، وجعلها على قائمة المصممين العالميين، اشتهرت فايونيت أيضاً بـ«الفستان المنديل» المصنوع من قماش الشيفون الذي تميز بانسداله وتفاوت أطواله الذي كان أشبه بالمناديل المعلقة، إضافة إلى ابتكارها الملابس المرتبطة بقلنسوة، وفكرة التخريم المطرز، الذي عادة ما يزين الحواشي، هادفة إلى تحقيق المزج الراقي بين الراحة، والأناقة.

سنوات الجنون

نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت تعني للعالم الغربي آنذاك مرادفاً للتحرر والانطلاق، حيث شهد عقد العشرينات من القرن الماضي، العديد من الإبداعات، التي تفجرت وظهرت، وانطلقت في العديد من المجالات، بينما وصفها الفرنسيون بـ«سنوات الجنون»، حيث مالت المجتمعات الغربية إلى الانطلاق، وتحولت سواء في سلوكها اليومي، أو شكلها الخارجي، لكل ما هو جديد ومثير، سواء عبر الموسيقى أو الرقص أو السيارات الفارهة شديدة الترف، أو الأزياء التي تحولت إلى أحد أهم عناصر ذلك العصر، مما عنى المزيد من التحرر والانطلاق لفايونيت، التي أظهرت من جسد المرأة الكثير، وعززت الجانب المغوي لها، مشتهرة بأنها المصممة التي أظهرت الكثير من يد المرأة، ومن منطقة الصدر، الأمر الذي اعتبر ثورة وخارجاً عن المألوف، كما استخدمت عارضات عاريات القدمين في أول عروض أزيائها الخاصة.

عدوة الموضة

لطالما اعتبرت فايونيت نفسها «عدوة للموضة»، مصرحة بأنها عادة ما كانت تنزعج وتتأثر سلباً، بما وصفته بـ«النزوات الوهمية الموسمية» التي استهدفت الأزياء النسائية، قائلة «يرتبط الحديث عن مدرسة فايونيت في الأزياء بالحديث عن كوني اعتبر نفسي عدوة للموضة، فهناك أمر مصطنع، وسريع الاختفاء، وغير راسخ، يمكن أن يراه المرء عبر هذه النزاوت الوهمية الموسمية لما يسمى بالموضة، والتي تسيء لحس الجمال». ورغم كونها صانعة للأزياء والموضة في حد ذاتها، إلا أنها لم تكن تهتم بأن تكون «مصممة اللحظة» والأولى على القائمة، حيث لطالما فضلت أن تحافظ وتبقي على نظرتها الخاصة للجمال الأنثوي، خصوصاً مع ميلها الشديد إلى الانعزال عن العالم الخارجي، وحبها الشديد لعزلتها وخصوصيتها.

فيزياء الجسد

سيطرت فايونيت في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، على صناعة الأزياء، وكانت الموجه الأول لموضتها، عبر أزيائها وفساتينها المثيرة التي تهافتت عليها سيدات المجتمع الراقي ونبيلات أوروبا، وشهيرات عالم الترفيه من ممثلات ومغنيات وراقصات، بنظرتها وفكرها الخاص حول الأنثى وهندسة جسدها وفيزياء حركته، محققة ثورة في عالم صناعة الأزياء.

واعتبر الكثيرون فايونيت سابقة لعهدها، حيث حاربت فكرة تقليد ونسخ التصاميم وحققت المبتكر في عالم الأزياء، وتعاملت مع اليد العاملة لديها بطريقة اعتبرها الكثيرون ثورية، في وقت كانت اليد العاملة رخيصة، وغير ذات اعتبار أو مكانة، حيث مارست فكرة الإجازات المدفوعة، وإجازات الوضع، واستراحات الرضاعة، وفترة الغداء المجانية، كما وفرت طبيباً مقيماً، وطبيب أسنان لعمالها، إلا أن كل ذلك النجاح، وتلك القدرة على الهيمنة، لم تمكنها من الوقوف أمام جبروت وقسوة آلة الموت، حيث اضطرت للاعتزال وإقفال دار أزيائها الضخمة، في عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية الأول من سبتمبر عام ،1939 إلا أنها استمرت في تقديم التدريب والتعليم والإرشاد للمصممين في تلك الفترة، ناقلة للآخرين مبادئها لمفهوم الأناقة، والحركة، وهندسة وتشكيل الجمال.

عودة

مع طبيعتها الانعزالية غير المحبة للأضواء، عاشت فايونيت ما تبقى من حياتها بشكل طبيعي، مبتعدة عن عالم الأزياء والموضة، على الرغم من تقديمها الإرشاد والنصح لطلبة ومحبي الأزياء، لتفارق الحياة عام ،1975 وهي تبلغ الـ 99 من العمر، إلا أن فايونيت كانت مستعدة للعودة إلى الساحة، حيث تم بيع اسمها التجاري، لمدير قسم الملابس الجاهزة لدار أزياء «بالمين»، غاي دي لومين عام ،1988 الذي قضى أكثر من عقدين في البحث ودراسة الطريقة المثلى لإعادة إحياء اسم وفكر فايونيت، حيث تم اختيار المصممة اليونانية صوفي كوكوسالاكي، المعروفة أيضا باستخدامها لتقنيات تموج وانسدال للفساتين، لتعمل على مهمة إعادة إحياء اسم فايونيت.

وعلى الرغم من الشهرة الكبيرة التي عاشتها فايونيت في حياتها، خلال عقود قليلة جداً، من عمر الموضة، إلا أن العديد من النساء المهتمات بالموضة والأزياء، يجهلون اسمها، فعلى الرغم من انتشار تصميماتها في العشرينات، والثلاثينات، وحتى الأربعينات بعد اعتزالها، إلا أن تصميماتها كانت لا تقتنى أو تلبس إلا من قبل مجتمع نخبوي شديد الثراء والشهرة، حيث كانت خطوط أزيائها الغالية، متاحة لمجموعة قليلة من الأفراد فقط.
 

 

لمشاهدة المزيد من أعمال مصممة الأزياء يرجى الضغط على أيقونة معرض الصور معرض الصور الموجودة في الأعلى.

تويتر