زمن الحروب.. الأطفـال يبحثون عـــن أجوبة وتطمينات

الاختصاصيون ينصحون بإشعار الأطفال وقت الحرب بالأمان. أ.ب

أجمع آباء وأمهات في الدولة على مواجهتهم مواقف محيرة ومثيرة للحزن مع أطفالهم خلال فترة الحرب الإسرائيلية على غزة، واستشهد فيها مئات الأطفال والرجال والنساء، ما وضع الأسر في موقف احتاروا أمامه في شرح تلك الوحشية من مشاهد نقلتها الأخبار عن الأوضاع القاسية في غزة، أو تفسير ذلك الكم من الظلم والعدوان على أطفال أبرياء يشبهون أقراناً لأطفالهم في مدارسهم الآمنة.

وأكد آباء، أن أطفالهم اجتمعوا على التساؤل: «هل يمكن أن نخسر بيوتنا وحياتنا نحن أيضاً وهل العدو قادم؟» ما جعل الآباء يقعون في حيرة بين أهمية التفسير والتوعية، وبين الخوف من الترهيب وإقلاق أطفالهم، بينما تفاوتت ردود أفعال الأطفال بين صمت مراقب للأحداث، وفضول يحمل تساؤلات كثيرة كان أغلبها حول أطفال غزة، وبين رغبة في المساعدة، ورفض شديد لمتابعة الأحداث أو رؤية ما يثير الحزن.

وطالب اختصاصيون نفسيون بضرورة إشعار الصغار في أوقات الأزمات بالأمان، وبأنهم بعيدون عن الخطر، مشيرين إلى ضرورة تقنين مشاهدة الأطفال لمناظر الحروب التي تبث عبر الفضائيات، لإعطائهم أملاً في غد أفضل.

خوف

وتقول أم الطفلة سما علي، من الشارقة، إنها اضطرت إلى أن تواجه تساؤلات عدة من طفلتها البالغة أربع سنوات وفي أوقات غير متوقعة، وتوضح «كنت أفاجأ بسؤال عرضي بعد صمت طويل من ابنتي، على الرغم من الانشغال في أمور مختلفة خلال اليوم بعيداً عن التلفاز وما تحمله الأخبار من مآسٍ»، مشيرة إلى أن أغلب أسئلة سما كانت حول الأطفال، وما يصيبهم وسيصيبهم هناك، وكيف سيتمكنون من العيش من دون أمهاتهم، وأوضحت أن ابنتها في الوقت نفسه كانت شديدة المراقبة لردود أفعال والديها عند متابعتهما للأخبار، متأثرة بتأثرهما، ما أثار لديها القلق.

وتبين أنها حاولت قدر الإمكان إبعاد ابنتها عن رؤية المشاهد الدموية المروعة، مضيفة «إلا أننا لم نسلم من تكرار المشاهد، ورؤية بعضها عرضاً، ما كان يثير لدى ابنتي العديد من التساؤلات، بينما كان أكثر ما يؤثر فيها، هي رؤية أطفال باكين ينادون أمهاتهم»، لافتة إلى أنها استشعرت الخوف والقلق من ابنتها التي بدأت تتشبث بأمها بشكل أكبر أخيراً، وتضيف «أصبحت ابنتي تتلفت كثيراً لتتأكد من وجودي إلى جانبها، ما جعلني أقوم بإشعارها وإفهامها بأننا بخير وبأننا نعيش في أمان».

وتذكر حنان أن ابنتها أبدت خوفاً شديداً من كل ما يحيط بها، كما أظهرت حبها وامتنانها لحياتها، حيث كانت تعيد تكرار كلمات مثل أنا أحب مدرستي وبيتي ولا أريد أن يحدث لهما مكروه يوماً ما، مشيرة إلى أنها حرصت على أخذ طفلتها إلى «السوبرماركت» لشراء المؤن والحاجيات مساعدة لأهالي غزة، وجعلتها تختار بنفسها بعض الحاجيات، التي كانت جميعها متعلقة بالأطفال، لينتقل قلق الطفلة سما من خوف على مدرستها وبيتها، إلى قلق لاحتمال عدم وصول ألعابها التي تبرعت بها إلى أطفال غزة.

على قائمة الأشرار

وبينما قرر الطفل ورد البالغ أربع سنوات ونصف السنة أن يضع إسرائيل على قائمة أشراره التي تتضمن أيضاً «اللص، والشحات» بحسب قوله، اتفق صديقه أيلول معه ومع عدد من أصدقائه الآخرين، على طريقة ذكية لمحاربة إسرائيل، والتي أكد أنها «الطريقة الأفضل والأسهل لهزيمتهم»، من خلال إرساله لشخصياته الكرتونية المفضلة «سوبرمان وباتمان وبور رينجرز» معززين قوتهم بـ«الأشعة الكونية» التي ستتمكن من هزيمة الأشرار وتنقذ أطفال غزة من براثنهم.

وعلى الرغم من رفض ورد في بداية الأمر التبرع بلعبته عندما سأله والداه ذلك، ومع أنهما لم يكررا السؤال، إلا أنه قرر بعد يومين من مراقبة الأحداث بصمت، أن يتخلى عن لعبتين مفضلتين، متسائلاً ما إذا كانت ستصل، كما لم تخلُ تساؤلاته القليلة خلال فترة العدوان من إمكانية وصول الأذى الإسرائيلي إليه.

بينما لم تتمكن الطفلة سارة المزروعي (ست سنوات) أن تعبر عن رأيها وما تشعر به نحو العدوان الأخير، سوى عبر وضعها يديها الاثنتين على أذنيها صارخة «يكفي لا أريد رؤية المزيد»، حسب والدتها، التي أكدت أنها فوجئت برد الفعل العنيف لطفلتها الصامتة طوال 20 يوماً من متابعتها للأحداث، لتضيف على ذلك قائلة لوالدتها «يكفي ماما قلبي يعورني»، لتبدأ الأم بعد ذلك مواجهة أسئلة عدة من طفلتها، والتي تعترف بأنها احتارت في الإجابة عن كثير منها، موضحة «هناك أسئلة عدة لم أتمكن من الإجابة عنها، كما كنت خائفة من مدى تأثر طفلتي بما سأجيب به؛ فحاولت أن أكون حذرة قدر الإمكان إلا أنني لم أكن قادرة على إرواء ظمأها، خصوصاً وأنها كانت مصرة على معرفة نوايا إسرائيل، مستفسرة عن الدولة المقبلة على قائمة العدوان الإسرائيلي»، وكانت أغلب أسئلتها تبدأ بـ«لماذا؟»، والتي غالباً ما كانت «تصب تحت فكرة واحدة، وهي الشر والظلم غير المنطقي أو المفسر، ولم يكن بمقدوري إشعار طفلتي التي لم تواجه الحياة بعد بذلك الكم الشديد من الانهزام والانكسار والظلم، فقررت تغيير الموضوع وتأجيل الحديث لـ10 سنوات مقبلة».

وعلى الرغم من أن علي الحمادي (تسعة أعوام)، رفض التحدث عما يعتقده أو يشعره به حيال الأمر، إلا أنه لم يتردد في أن يشرح الأوضاع بين فلسطين وإسرائيل، وما حصل من عدوان أخيراً، وأوضح أنه ذهب ووالده للتبرع سوياً، وهو ما حصل أيضاً مع الطفل حمد تريم (سبعة أعوام)، الذي كان منشغلاً في جدال مع أقرانه في ذلك الوقت، عمّن قام بالتبرع الأكبر.

ألم ومساعدة

وحذّر المعالج النفسي الدكتور أحمد الإمام، من تفسير أوضاع الحروب ومعاناة الأطفال المتضررين بشكل سلبي وحاد، موضحاً أنه «ليست هناك من نتيجة إيجابية أو جيدة من وصف مشاهد دموية ووحشية لأطفال صغار، أو تخويفهم مما ترتكبه إسرائيل من جرائم، أو تحذيرهم من أن ذلك قد يصل إليهم هم أيضاً»، متسائلاً ما الذي قد يستفيده الوالدان عند تخويف أطفالهم؟، مشيراً إلى أن ذلك قد يرهب الطفل ويشعره بالقلق وعدم الأمان، بينما «يفترض علينا أن نعزز إحساس الطفل بالأمان وبأنه محمي من الشر».

وذكر أن أول ما يتأثر به الأطفال في مثل هذه الفترات والمواقف هو عبر التفاعل العاطفي مع الأطفال من أعمارهم، وبالتالي الخوف من أن يتكرر ما يحدث معهم أيضاً، مضيفاً «تظهر مشاعر القلق وعدم الشعور بالأمان، والخوف من خسارة الاستقرار»، مؤكداً أهمية إشعار الأطفال بالأمان، وعدم إظهار تعابير سلبية عنيفة أو قاسية على الطفل الذي لا حول ولا قوة له أمام ما يصل إليه من قبل وسائل الإعلام، حسب الإمام.

وبين المعالج النفسي أن أفضل ما يمكن للعائلة عمله في مثل هذه الفترات العصيبة، والتي يعاني خلالها الطفل من مشاعر سلبية، وأحاسيس الضعف، والحزن على الأطفال، هو تفريغ هذا الكم من الشحنات السلبية عبر القيام بفعل إيجابي، سواء من خلال إرسال رسائل لهؤلاء الأطفال المنكوبين، أو عبر أخذ الأطفال للتبرع، لافتاً إلى أهمية ذلك، حيث يشعر الطفل بأنه أسهم في المساعدة والتغيير، والشعور بفاعليته، بدلاً من عيش الألم أو الحزن من دون التحرك إيجاباً.

فسحة الأمل

وأضاف الإمام «يجب على العائلة ألا تفسر الحالة التي يعيشها الفلسطينيون بطريقة سلبية كاملة، فلا يجب تكرار فكرة أنهم ضحايا ومنكوبون ومغلوبون على أمرهم ونتوقف عند هذا الحد، بل يجب أن نضيف بأن ما يحدث ليس حتمياً وأمراً مستمراً وقدراً لا يتغير، بل إن هناك فسحة من الأمل، وإمكانية للتغيير، وأن كل فعل إيجابي وإن كان بسيطاً يمكن أن يكون عوناً مستقبلياً كبيراً».

وانتقد الإمام بعض وسائل الإعلام على الدموية والوحشية المفرطة التي تتناقلها، حيث أن هناك نمطاً إعلامياً يميل إلى إظهار العويل والبكاء والموت فقط، ما يعني أهمية أن يخفف أولياء الأمور من مشاهدة الأطفال للأخبار معهم.

ولا يعتبر الإمام أن ترهيب الأطفال أو تهويل الحالة الفلسطينية الإسرائيلية لهم وهم في سن صغيرة، هو نوع من التوعية والتثقيف السياسي لهم، موضحاً أن «هناك من يرى أهمية تعزيز الانتماء ومن يقوم بمزايدات سياسية على حساب أطفال يحتاجون لطريقة صحيحة ونفسية صحية لأن يكبروا واثقين بأنفسهم وبقدرتهم على التغيير»، مؤكداً أهمية تربيتهم وبنائهم بالطريقة الصحيحة ما ينتج عنه تكوين شباب قوي وواثق بنفسه، وأن يكبروا أقوياء غير منكسرين وشاعرين بالانهزام والخيبة»، مشيراً إلى أن هناك خلطاً خاطئاً بين الإعلام والسياسة والتربية الأسرية، ولا يمكن اعتبار الطفل سوى ضحية لها.

واتفق رأي أستاذ علم الاجتماع في جامعة الشارقة الدكتور أحمد العموش مع رأي الإمام، لافتاً إلى أن ما نقلته معظم الأخبار من صور وتقارير كان أمراً مؤسفاً وذا تأثير شديد السلبية في الأطفال، مشيراً إلى أن الطريقة الوحيدة والأمثل لجعل الصغار أكثر وعياً وتفاعلاً مع ما يدور حولهم من أحداث، هو «عبر المساهمة وإشراكهم في الدعم والمساعدة»، الأمر الذي يعتقد برأيه أنه سيكون مجتمعاً مستقبلياً فاعلاً وقادراً على التغيير وإظهار رد الفعل الإيجابي الجماعي.

طرق تفسير فعّالة

قال أستاذ علم النفس من جامعة فرانكفورت الألمانية البروفيسور راينهارد تاوش في موقع إلكتروني إلى أن هناك طرقاً للتعامل مع فترات الحروب وتفسيرها الفعال للأطفال، الذين يعبرون عن مخاوفهم تجاهها عن طريق الأسئلة التي ستحدد إجاباتها وضعهم النفسي، أهمها:

التأكيد للطفل أن الحرب بعيدة عنه، وأنه في أمان.

عدم منعه من مشاهدة الأخبار شرط تقنينها وإبعاده عن المشاهد الدموية.

شرح الحرب عن طريق طرح أمثلة مبسطة يمكن تطبيقها على أشخاص بدلاً من حكومات ودول.

أهمية إعطاء المعلومات للطفل وعدم كبتها عنه.

ضبط النفس أمام الأطفال، فكيفية تصرف الوالدين أمام الطفل تلعب دوراً كبيراً في زيادة أو تقليل مخاوفه، وبدلاً من إظهار مشاعر الخوف أو الخيبة أو الحزن، يفترض إظهار مشاعر الأمل بزوال الحرب والدعاء والتمني أمامها بذلك.

إبعاد الطفل عن التلفاز والأخبار والحديث عنها تدريجياً مع اقتراب موعد النوم.

أهمية الحركة واعتماد أنشطة خارجية لتبديد القلق النفسي والمخاوف لدى الطفل.

طباعة