السجائر.. ضرر يطال الأجنّة

حالة واحدة من أصل خمس حالات وفاة يكون سببها التدخين. إس.إكس.سي

على الرغم من انتشار علامات منع التدخين في أغلب المرافق العامة، وكثرة برامج وحملات الإقلاع عن تلك العادة في وسائل إعلام عدة، إلا أن ملصقات أصناف السجائر المختلفة وإعلاناتها المغرية توجد بالكثافة ذاتها، فلا يسع المدخنين سوى الاستمرار في تدخينهم، متسببين في استنشاق غيرهم عبق السجائر الفضي الذي يتسلل إلى المسام بخفة، وفي تعقيدات صحية تصل آثارها إلى الأجنة في أرحام أمهاتهم، إذ تؤثر السجائر في مزاجهم بعد الولادة، ويصبحون أكثر عرضة للقلق والمرض ومواجهة مشكلات في التعلم.

وأفادت اختصاصية طب العائلة، الدكتورة رباب ريزوي، من مركز ولكير المتجول للرعاية الصحية، أن السجائر «تحتوي على ما يقارب 4000 نوع مختلف من المواد الكيميائية، منها 400 نوع سام و40 نوعاً مسبباً للسرطان»، موضحة المزيد من الأرقام، إذ إن «حالة واحدة من أصل خمس حالات وفاة يكون سببها التدخين، بينما يتوفى المدخنون من الراشدين قبل 13 أو 14 عاماً من غير المدخنين»، علاوة على تسببهم بأمراض للمحيطين بهم من المدخنين السلبيين الذين يواجهون خطر الموت.

وأشارت إلى أن «التدخين ليس مجرد أسلوب حياة يختاره الراشدون فحسب، بل إن 70٪ منهم تقريباً يقدمون على التدخين في سن مبكرة جداً، وتكون النتيجة الصعوبة الشديدة عند الإقلاع عن التدخين لاحقاً»، لافتة إلى أن ترك تلك العادة يحتاج إلى عزيمة وإرادة، ويتطلب تخطيطاً مسبقاً وبرنامجاً تأهيلياً، وعدم اليأس من المحاولة الأولى للإقلاع عن التدخين، لأنه يتطلب أكثر من محاولة.

وبينت ريزوي، أن هناك مشكلات صحية عدة يسببها التدخين، ومن أكثرها شيوعاً «ارتفاع معدل الذبحات القلبية التي تؤدي إلى الشلل، وفقدان النطق، والصداع، بالإضافة إلى أمراض اللثة وفقدان الأسنان، وسرطان اللثة، واللسان، والحلق، وقصبة المريء، والحنجرة، وقرحة المعدة وسرطان المعدة، والكليتين، والبروستات، والمثانة، والذبحات القلبية، وارتفاع ضغط الدم، والالتهاب الشعبي، والالتهاب الرئوي، وأمراض مجرى الهواء المزمنة، والربو، وزيادة سرعة الدورة الدموية، واحتمال الإصابة بمرض ترقق العظام»، لافتة إلى أن «حظوظ المدخنين من الوفاة جراء الإصابة بذبحة قلبية تساوي ضعفي المعدل الذي يهدد غير المدخنين».

مدخنون سلبيّون
وذكر المعهد الوطني للسرطان في أميركا على موقعه الإلكتروني، أن التدخين لا يؤثر فقط في صاحبه، بل في المحيطين به، كما لو كان المرء مسبباً لموت جماعي لجميع من حوله، حيث يسبب التدخين السلبي «السرطان لغير المدخنين والمتعرضين لدخان السجائر، بالإضافة إلى مشكلات التنفس، وأمراض القلب»، مؤكداً أن السجائر تضعف جهاز المناعة لدى المدخنين وغيرهم، وتقل قدرتهم على مقاومة الأمراض، وبالتالي فإنهم أكثر قابليةللإصابة بالزكام والانفلونزا، وغالباً ما يموتون في سن أبكر ممن لا يتعرضون للتدخين السلبي».

وأضاف أن تأثير التدخين السلبي يصل إلى الأجنة في أرحام أمهاتهم، ومن مخاطر ذلك «احتمالية فقدان الجنين، أو أن يولد الطفل صغير الحجم، كما أنهم أكثر عرضة لمتلازمة موت الرضع المفاجئ، ويؤثر الدخان في مزاجهم بعد الولادة حيث يصبحون نزقين، وقلقين، وأكثر عرضة للمرض، وأكثر عرضة لمواجهة مشكلات في التعلم».

كما أن المدخنات اللاتي يخططن للإنجاب قد يواجهن صعوبة في ذلك بسبب التدخين، بالإضافة إلى تعرضهن لمخاطر حمل عدة منها احتمالية خسارة الطفل، أو أن يولد ميتاً، بالإضافة إلى ما قد سلف ذكره عن التدخين السلبي للحامل، بينما يعاني الأطفال المستنشقون للدخان لمشكلات في التنفس، والتهابات الأذن والرئة، بحسب المعهد.

أكثر من محاولة
وقالت الدكتورة جاكلين ستودارد من قسم أبحاث التحكم في التبغ في المعهد الوطني للسرطان في أميركا، على موقع القسم «سموك فري»، إن «الكثير من المدخنين السابقين ذكروا أن عملية الإقلاع عن التدخين تعتبر من أصعب الأمور التي أقدموا عليها في حياتهم»، مضيفة أن الإدمان على التدخين، يعود إلى التعلق بمادة النيكوتين الداخلة في جميع منتجات التبغ، مشيرة إلى أنها «تشعر المرء بأنه أكثر هدوءاً، ورضاً، كما أنها تشعره في الوقت ذاته، بأنه أكثر انتباهاً وتركيزاً، وكلما زاد التدخين، زادت حاجة الجسم للنيكوتين لتصل إلى الشعور المطلوب من الرضا، وبعد فترة بسيطة، لن يشعر المرء بأنه طبيعي من دون هذه المادة»، مؤكدة أن الأمر قد يحتاج إلى أكثر من تجربة للتخلص منه للأبد، ناصحة بأن على المدخن التشبث بفكرة الإقلاع وعدم اليأس من المحاولة الأولى.

وترى أن الصعوبة تكمن في أن «التدخين يعد جزءاً كبيراً من حياة المرء، فهو مرتبط بحالة الإنسان المزاجية، من توتر، أو ضجر، أو غضب، وبعد شهور أو سنوات يتحول التدخين إلى روتين يومي، وقد يشعل المرء سيجارته من دون تفكير»، مبينة أن هناك أوقاتاً في اليوم تحفز وتثير الرغبة في التدخين، والتي قد تتفاوت بين شرب القهوة، أو التحدث على الهاتف، أو قيادة السيارة، أو أن يحاط المرء بمدخنين آخرين، وقد يشعر المرء بالانزعاج والضيق في حال عدم ارفاقه السيجارة مع أحد هذه الأمور اليومية الروتينية، حسب ستودارد.

إرادة وتخطيط
ولا تعتقد ريزوي أن الإقلاع عن التدخين بالصعوبة التي يتخيلها البعض، إلا أنها في الوقت ذاته تحتاج إلى التخطيط والتحليل الشخصي للحالة، والاستعانة بكل ما يمكن من برامج وأدوية تعين الشخص المدخن على التوقف، مشيرة إلى أن «30٪ من المدخنين يتوقفون عن التدخين لمدة سنة واحدة على الأقل بعد العلاج، وأن الأمر قد يحتاج إلى أكثر من محاولة، إلا أن كل محاولة قد تعلم المرء شيئاً جديداً».

وترى ريزوي أن «الإرادة والرغبة الحقيقية في الإقلاع هي العامل الأول والأساسي لنجاح ذلك، بالإضافة إلى اعتماد المقلع على عدد من الأدوية المتوافرة والتي تعين بنحو 30٪ على تقليل الحاجة إلى النيكوتين»، مشيرة إلى أن منها «العلكة الممزوجة بالنيكوتين، ولصقات النيكوتين، وبخاخات النيكوتين للتنفس، وحبوب النيكوتين، وبخاخات الأنف للنيكوتين، والبوبروبيون وهو دواء مضاد للاكتئاب، بالإضافة إلى الأدوية التي ترتكز على النيكوتين والمصادق عليها من أجل هذا الهدف».

وأضافت أن التدخلات السلوكية خلال فترة الإقلاع تعين المرء أيضاً على تخطي الأمر بأقل قدر ممكن من الانزعاج، ومنها «التثقف حول طبيعة التبعية للتبغ، والتثقف حول عوارض الإقلاع عن التدخين، والتشجيع، والتعرف إلى التعليمات العملية التي تعين في عملية الإقلاع، وأهمية الالتزام بجلسات المتابعة والدعم المنتظمة، وتعديل الدواء واستبداله بآخر اعتماداً على المراجعات الطبية الدورية ان استدعت الحاجة».

بينما تعتقد ستودارد أن الإقلاع يحتاج إلى أكثر من ذلك، وبأن أهم ما يجب على المدخن الإقدام عليه هو التخطيط المسبق للإقلاع عن التدخين، والذي يبدأ بتحديد تاريخ معين «والذي يمكن أن يكون يوم الميلاد، أو بداية السنة الجديدة، وإن كان المرء ممن يميلون للتدخين خلال أوقات العمل، فإن الإقلاع عنه في نهاية الأسبوع أو خلال الإجازة السنوية فكرة جيدة تفادياً للشعور بالرغبة في التدخين عند العودة»، كما يمكن اختيار فترة الحج وهي الفترة التي قد ترافق الإقلاع عن التدخين بحسب بعض المواقع.

بالإضافة إلى تحديد الموعد، يرى الخبراء أن إخطار المحيطين بفكرة الإقلاع أمر مهم، ما يعني الحصول على دعم الآخرين من عائلة وأصدقاء وزملاء، إضافة إلى «طلب تفهم الآخرين للعصبية والتوتر اللذين يمكن أن يصاحبا فترة الإقلاع، وإخطار الأطباء في حال المداومة على أدوية معينة بقرار الإقلاع، ففي أحوال كثيرة يغير النيكوتين عمل بعض الأدوية، ما يعني أهمية مراقبة تأثيرها خلال الإقلاع وتغيير ما يلزم منها أو الجرعات».

وشددت ستودارد على أهمية التوقع المسبق للتحديات التي ستواجه المرء خلال فترة الإقلاع، ما يعني أهمية التخطيط لتفادي أو مواجهة هذه التحديات بالشكل الذكي «وذلك من خلال تفادي الأماكن أو الحالات التي اعتاد المرء التدخين بعدها أو خلالها، وتفادي العصبية والتوتر، والاحتفاظ بمذكرة صغيرة يتم تسجيل فيها من قبل الساعات التي يتم التدخين فيها، المكان والحالة المزاجية، ما يعين المرء على التعرف الى ميوله وحالاته المزاجية التي عادة ما كان يميل إلى التدخين خلالها».

ونبهت إلى أهمية التخلص من علب السجائر في كل مكان في المنزل أو السيارة أو المكتب، وكل ما يذكر بالتدخين، خصوصاً رائحة الدخان التي تعبق بها السيارة أو الخزانة أو المكتب أو غرفة النوم، ما يعني التنظيف المكثف والعميق لجميعها للتخلص من الرائحة.

تحت الثلاثين
وكانت دراسة طبقت نهاية عام 2007 في الإمارات قد ذكرت أن ٥٤٪ من المدخنين الحاليين في الدولة هم تحت سن 30 عاماً، وهي الدراسة التي تمت مناقشتها مع مجموعة من الخبراء المحليين والدوليين في المجال الطبي، حيث بينت مستشارة طب العائلة ورئيسة لجنة الإمارات لمكافحة التدخين الدكتورة وداد الميدور أن الدراسة تشير إلى المدى الذي تتفاوت بينه المشكلات الصحية في المستقبل إلا أنه تم التحكم والتقليل من انتشار الإدمان على التبغ.

وتم خلال الدراسة عمل استطلاع مع نحو 500 مدخن عشوائي من الدولة وتم تحليل عيناتهم، لتحديد مدى رغبتهم أو قدرتهم على الإقلاع عن التدخين، والخطوات التي يمكن أن يتخذوها ليصلوا إلى قرار الإقلاع. وتضمنت العينة العشوائية 92٪ من الذكور، كان منهم نحو 54٪ بين سن 30 عاماً، و27٪ كانوا بين 30 و39 عاماً، بينما كان 14٪ بين عمر 40 إلى 49 عاماً، و5٪ منهم كانوا فوق سن 50 عاماً.

وأظهرت النتائج أن 11٪ فقط من المستطلعين كانوا على استعداد للإقلاع عن التدخين، وقاموا بمناقشة مشكلاتهم مع اطبائهم، بينما يعتقد 66٪ من المستطلعين بأنهم قادرون على الإقلاع بأنفسهم ومن دون مساعدة، حتى ضمن المجموعات الفرعية التي حاولت الإقلاع مسبقاً ولم تفلح.

أعراض 
أفاد خبراء من اتحاد الأطباء النفسيين في العاصمة الأميركية واشنطن، بأن هناك عدداً من الأعراض التي تصاحب فترة الانسحاب التي يعانيها المرء عند مرحلة الإقلاع، والتي قد لا يشعر بها المرء، أو أن يشعر ببعضها أو جميعها والتي تتفاوت فترة استمرارها من شخص لآخر، منها:

الشعور بالاكتئاب، وعدم القدرة على النوم، والشعور بالنزق والضيق والغضب، والشعور بالتوتر وعدم الراحة، وصعوبة التفكير بوضوح، والشعور بالجوع أو زيادة الوزن.

طباعة