الرياضيات والعلوم.. عقدة خوف ونتائج محبِطَة

اهتمام الأسرة والمعلمين يحبب التلاميذ بالرياضيات والعلوم. تصوير: يونس الأمير

كشفت دراسة أميركية عن أن «الطلبة في دبي في عمر 10 أعوام، يتخلفون بأشواط كبيرة في نتائجهم التحصيلية عن نظرائهم في الدول الأخرى في مادتي الرياضيات والعلوم»، وأن «نتائج الطلبة من عمر 14 عاماً تتحسن، إلا أن معدلاتهم لاتزال متخلفة عن معدلات نظرائهم في العالم، وأن النتائج بشكل عام محبطة». وعزا تربويون ذلك لأسباب تعود إلى افتقار الاهتمام الأسري بمراحل التعليم الأولى لدى الطفل، بالإضافة إلى بعد التربويين والمدرسة عن التقديم الحقيقي والمفترض للمادتين، حتى تحولتا إلى عقدة يخافها طلبة كثيرون.

ووفرت منظمة «تيمز» العالمية المتخصصة في «دراسات المناهج العالمية في الرياضيات والعلوم»، والتي أعدت الدراسة، مجموعة من المعايير للأنظمة التعليمية التي يمكن من خلالها تقييم الأداء، وخضع الطلبة في عمر 10 أعوام في نحو 32 دولة لامتحان الصف الرابع، بينما خضع الطلبة من عمر 14 عاماً في نحو 48 دولة لامتحان الصف الثامن، حيث تحتوي امتحانات «تيمز» على معدل من 500 درجة، وحقق طلبة من دبي 444 درجة منها في مادة الرياضيات في الصف الرابع، و460 درجة في مادة العلوم، بينما كانت نتيجة الصف الثامن أفضل بنحو طفيف، وذلك بمعدل 461 درجة في مادة الرياضيـات، و489 في مادة العلوم، والذين اعتبروا أكثر قرباً من المعدل المتوسط العالمي، وهو الامتحان الذي خضع له طلبة في مدارس الإمارة الخاصة والحكومية.

مستويات

وقال نائب رئيس المبادرات التعليمية الجديدة في المعهد الأميركي للأبحاث في واشنطن، دكتور مارك شنايدر، «من الواضح أن طلبة الإمارات ليسوا في وضع جيد جدا بالنسبة إلى المستوى العلمي في مادتي الرياضيات والعلوم»، واصفاً أرقام النتائج بأنها «محبطة».

وقسمت «تيمز» الطلبة إلى أربعة مستويات، بحسب نتائجهم، وهي المتقدمة، والمرتفعة، والمتوسطة، والضعيفة، ليصل 2٪ فقط من الطلبة الإماراتيين في مرحلة الصف الرابع إلى المستوى المتقدم، والذي يعتبر أقل من المستوى العالمي بثلاث نقاط، وفي المقابل حصل 41٪ من الطلبة في سنغافورة من المرحلة الدراسية نفسها على المستوى المتقدم، بينما حصل 40٪ على المستوى نفسه من طلبة هونغ كونغ.

وأضحت النتائج أيضاً، أن ثلث الطلبة من الصف الرابع في دبي، والذين تم امتحانهم في دبي، افتقروا إلى الفهم الأساسي لمادة الرياضيات، حيث وصل 69٪ فقط من الطلبة إلى ما فوق المستوى المنخفض، والمفترض أن يشير إلى أن الطلبة بدأوا في إظهار فهم لمبدأ الجمع والقسمة لجميع الأرقام، ومعرفة لأساسيات الهندسة، والقدرة على قراءة الجداول والرسوم البيانية.

وتشابهت نتائج الصف الرابع في مادة العلوم في صورتها، فبينما وصل 93٪ من الطلبة في العالم إلى المستوى المنخفض، وصل إليها 72٪ فقط من الطلبة في الإمارات، ما يشير إلى افتقارهم للمعلومات الأساسية حول صحة الإنسان العامة، والتصرفات والمواصفات الفيزيائية للحيوانات، والقدرة على التعرف إلى المواد، والطاقة، والفهم البسيط للقوى. بينما استطاع 4٪ فقط من الطلبة في دبي الوصول للمرحلة المتقدمة، بمستوى ثلاث نقاط تحت المستوى المتوسط العالمي،

وأضاف شنايدر، أن «طلبة دبي، ليسوا في وضع جيد مقارنة بطلبة كثير من الدول الأخرى ذوي الأداء المنخفض جداً»، وفي المقابل تمكن 6٪ من طلبة دبي من الوصول إلى المستوى المتقدم في مادة العلوم، أي بمعدل ثلاث نقاط فوق المستوى المتوسط العالمي، بينما تمكن 82٪ منهم من الوصول إلى ما فوق المستوى المنخفض، وذلك بمعدل أعلى من المستوى المنخفض العالمي بأربع نقاط، وقد تمكن 3٪ منهم من الوصول إلى المستوى المتقدم في مادة الرياضيات، وذلك بمعدل نقطة واحدة فوق المعدل العالمي المتوسط، بينما وصل 74٪ منهم إلى المستوى المنخفض، وذلك بنقطة واحدة تحت المعدل العالمي المتوسط.

الحب والموهبة

ويرى الطبيب النفسي والتربوي، أديب الأديب، أن الرياضيات تعتبر مادة غير محبوبة بشكل عام، معتبراً الحب الشرط الذي يمكنه تغيير كره الطلبة لمادة الرياضيات، مشيراً إلى أنه عادة ما يسأل الطفل عن سبب نفوره من هذه المادة، وعادة ما يكون الجواب الأول والبديهي، بأنه لا يحبها، أو بأنه لا يحب من يعطيها له.

وقال أن «الموهبة تلعب دوراً كبيراً في دفع الطفل إلى محبة الرياضيات»، إلا أنه في الوقت نفسه يرى أن الموهبة حالة طبيعية لدى كل طفل، وأن حب الرياضيات هو الأمر الطبيعي والأولي، موضحاً أن «الحب يغيب كما تغيب الموهبة مع نمو الطفل نتيجة ظروف وعوامل مختلفة، والتي تعتبر جزءاً من محيط الطفل الذي يولد مزوداً بجميع المواهب، إلا أن المؤثرات الخارجية تحد من هذه المواهب، كما لو أنها لم تكن، وأحياناً، تفلت إحداها أو أكثر، وتلقى ما يساعدها من ظروف، إلا أن هذه الموهبة المميزة قد تختفي إن لم تلق الجو المناسب».

وطالب الأديب بأهمية توفير الاهتمام الكبير في المرحلة الأولى من عمر الطفل «سواء في تعليمه بعض الأشياء في البيت أو في سنواته الدراسية الأولى، وضرورة التركيز في هذه السنوات عادة على تعليم الطفل المعارف الرياضية الأساسية التي لابد من تعلمها عاجلاً أو آجلاً»، محذراً من دفع الطفل لحب الرياضيات «ما قد يولد نفوره منها، بالإضافة إلى عدم انتباه الأسرة لإشكالية قد تواجه الطفل عند موضوع أو درس معين تتراكم عليه لاحقاً دروس أخرى، فيتضخم النفور من المادة ورهبتها والخجل من مواجهتها، بالإضافة إلى مشكلات مثل صعوبة اللغة، أو تغير المدرسة أو مكان الإقامة، أو الغيرة، أو غيرها من الأسباب».

ولفت إلى أهمية حب المدرس للمادة التي يدرّسها أيضاً «فعلينا ألا نشكو من أن طلابنا لا يحبون مادة الرياضيات في الوقت الذي يشعر فيه المدرسون بالمشاعر نفسها، ويتخذون من تدريسها مجرد وظيفة يومية وراتب ودروس خصوصية»، مؤكداً أن حب المادة يمكن أن يكون معدياً وينتقل من المدرس إلى الطالب والعكس صحيح.

عبقري الرياضيات

وظهر أخيراً برنامج سُمي بـ«عبقري الرياضيات»، والذي يعين الطلبة على تطوير مهارات ذهنية تعينهم على إجراء عشرات العمليات الحسابية في زمن قصير، وهو البرنامج الذي بدأ منذ فترة في الدول العربية وتحديداً في محافظات عدة من سلطنة عُمان، وفي مدينة الشارقة أيضاً، بينما يخطط العاملون عليه إلى توسيع نشاطهم ليصل إلى دبي، وأبوظبي، والعين، ورأس الخيمة.

وقال وكيل الشرق الأوسط لـ«عبقري الرياضيات» حبيب عبدالسلام إن «البرنامج مفتوح للجميع، ويمكن لأي طفل بين سن الرابعة وحتى 14 سنة الاشتراك فيه، حيث يعين على التفوق في الحساب والرياضيات، وسرعة القراءة والكتابة، وقوة الذاكرة، والانضباط، وسرعة الاستيعاب والبديهة، والتحليل، وزيادة التركيز، إلى جانب الثقة بالنفس والمثابرة»، مؤكداً أنه يُعد من أفضل البرامج التي تخلص العقل من عقدة الخوف من الرياضيات، وله نتائج سريعة وإيجابية.

وأعرب مدير «عبقري الرياضيات» في الشارقة، مير عطا علي خان، عن سعادتهم في البرنامج بردود الأفعال الكبيرة التي تلقوها من قبل المشتركين في البرنامج الذي «يحول الأطفال إلى عباقرة في علم الرياضيات، ويعينهم بشكل كبير في حياتهم اليومية، ودراستهم»، وقال أنه يأمل بعد انتشار البرنامج بين إمارات الدولة، بأن يحظى بالرعاية ليتمكن من التعاون مع مدارس الدولة لنشر البرنامج.

وأضاف خان أن أهمية البرنامج لا تكمن فقط في تحويل «أطفالنا الصغار إلى عباقرة في الرياضيات فقط، بل إنه يعزز قدراتهم الذهنية، فالرياضيات تعتبر أساس العلوم جميعاً».

طرق جاذبة 

أوضح المعالج النفسي والتربوي، أديب الأديب، أن هناك طرقاً لجعل دراسة مادة الرياضيات أكثر قبولاً وراحة وسهولة، وتجذب الطلبة إليها، منها:

استخدام وسائل الإيضاح المختلفة، خصوصاً البرامج الحديثة منها.

اللجوء إلى الألعاب والمسائل الرياضية المسلية التي تعمل على بناء العقل الرياضي.

تركيز المعلم على الفقرات الجذابة في الدروس، والتي تبين بعداً ممتعاً وجمالياً في المادة.

تحدث المعلم عن سير بعض الرياضيين الكبار في التاريخ خلال أوقات الفراغ والاستراحات بعد فقرات طويلة ومعقدة، أو عن قصة برهان نظرية معينة أو اكتشاف رياضي مهم.

تفادي تحميل الطالب فوق طاقته.

أهمية اختصار بعض الأمور والفقرات أو الدروس، أو تقديمها بشكل سلس ومبسط أحياناً لتفادي إدخال الرهبة على الطالب من طولها أو صعوبتها.

طباعة