الرّأي والرّأي الآخر

اختلاف الآراء كاختلاف حبّ الأشخاص للألوان، كلّ لون له ميزته، ولا يعني ذلك أنّ اللون الآخر غير جميل، وكذلك إن اختلاف الآراء مفيدٌ في عملية التّطوير ورفع المدارك والتّغيير والتأثير، وبالتّالي تطوير الإنسان.
إنّ حرّيةّ الرّأي لا تعني التّعبير عن كل ما يجول في ذهن الإنسان من أفكار وأقوالٍ وأفعالٍ تتعارض مع أفكار الآخرين دون وجود حواجز تقيّدها، بل لا بدّ أن تكون ضمن أعراف البلد المتّفق عليها من قِبل أبنائه، ووفقاً للدّين، الثّقافة، الظّروف المُعاشة ومستوى التّطور والتعليم وغيرها، حيث ينتج عن اختلاف هذه المستويات اختلاف الآراء، وهذا أمرٌ في غاية الأهمية؛ لأنّ تعصّب الفرد لأفكاره ورأيه الشّخصيّ سيؤدّي لتدهور العلاقات، وزرع الحقد في النّفوس والقيام بأعمالٍ غير صحيحة تجاه الآخرين.
وفي مثل هذه الحالة، لا بدّ من تقبّل الرأي الآخر واحترامه، واحترام أفكاره حتى وإن كانت مناقضة لأفكار الآخر، بل العمل على مناقشتها بهدوء، والعمل على تقبّلها وفهم محتواها، فقد يجد فيها نتيجةً مرضية، فالتّفاهم هو الوسيلة الوحيدة للوصول لرأي صائبِ يساهم في تطوير ذاته، مستخدماً أفكاره وأفكار غيره، ممّا يؤدّي لارتقاء الأمم بعيداً عن التّعصّب والهيمنة.
إنّ عملية احترام الآراء تحتاج لتربيةِ النّفس على ذلك، ولمقوّمات تضعها موضع التّنفيذ، فعند مقابلةِ شخصٍ لآخر لا يتّفق مع أفكاره، عليه أولاً أن يتحلّى بالهدوء ويلتزم الصّمت، وألا يُطلق أحكامه بسرعة، فالصّبر مفتاح حلول المواقف الصّعبة، فإن وجد في أفكار الآخر حسناً أخذها، وإن لم يتّفق مع معتقداته وأفكاره حاول نقاشه ونُصحه، وإن لم يستجب ابتعد عن كلّ نقاشٍ حادٍّ صارمٍ من شأنه أن يُنبِت عداوةً في القلوب، والابتعاد عن فرض الرأي؛ لأن ذلك من الطّرق والوسائل التي تدلّ على تدنّي مستوى الشّخص ورقيّه، وسيؤدّي لخلق مشاكلٍ لا تُحمد عقباها، في حين نجد أنّ اللّباقة والأسلوب الجاذبَ الهادئ يفعل فعلته في عقل الآخر، ويجعله يوافق على آراء ندّه بكلّ مودّةٍ  ورحابة صدر، فالأسلوب هو الجسر الواصل بين القلوب، ومتى انقطع هذا الجسر تباعدت القلوب وافترقت.
ومن جانبٍ آخر نجد أنّ الأديان السّماوية مصدرها واحد، وتقوم على ضبط سلوك الفردِ تجاه ذاته وتجاه الآخرين، وأن الاختلاف بين الأمم هو رحمةُ الله تعالى لعباده، وسبيلاً لتعارف هذه الأمم والتّكاتف والتّعاون فيما بينها لتعزيز وتقوية علاقاتها، قال تعالى في كتابه العزيز( وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتَعارفوا)، فالاختلاف ليس نقمة، وليس سبيلاً لنشوب الحروب والمعارك والصّراعات التي تؤدّي لدمار هذه الأمم وزوالها، بل هو نعمة ووسيلة لتعايشها؛ لأنّ الدّول جميعها قائمة على الرأي والرأي الآخر، تتعاون وتتعامل مع بعضها تعاملاً تجارياً، اقتصاديّاً، سياسيّاً، اجتماعيّاً وغيرها، مختلفين في مجال أعمالهم، ولكنّهم متّفقين في النّهاية على أشياء معيّنة من أجل الفائدة التي تعود على الجميع.
فالحوار البنّاء والنّقاش المحترم القائم على الودّ، الهادف إلى أنّ الاختلاف بالآراء لا يُفسد القضيّة التي من شأنها الحوار إنّما يدعمها وصولاً لقرارٍ ناجحٍ.
ووجُب التنويه إلى أنّ عدم احترام الرّأي والرّأي الآخر من شأنه أن يتسبّب بمشاكل جمّة، كالتّعصّب والاستهزاء والسّخرية من الآخر، هذا بدوره يؤدي لمشاكلَ نفسيّةٍ للآخرين، وبالتّالي ينعدم التّواصل الاجتماعي والأسري، وتبدأ البشريّة باتّباع القسوة في علاقاتها، وصولاً لعدم استقرار البلاد، لذا لا بدّ من تدريب أطفالنا وأهلنا على أنّ اختلاف الآراء ليس عيباً، بل هو لونٌ آخر من الرّأي المغاير لآرائنا، وبامتزاج هذه الآراء تتشكّل لوحةً فنيّةً رائعةً تسرّ النّاظرين، فتقبّل الآراء يجعل سفينة الحياة تسيرُ بكلّ هدوءٍ وسلام.

الدكتورة مايا الهواري أول باحثة إماراتية في الذكاء العاطفي والقيادة في الوطن العربي.

طباعة