فاقد الشّيءِ لا يُعطيه

مقولة فاقد الشّيء لا يعطيه تتراوح بين القبول والرفض، فلو كان القصد منها أنّ من لا يمتلك الشّيء من أساسه لا يمكنه أن يقدمه أو يعطيه لغيره وهذا الأمر صحيحاً، أمّا من حُرم شيئاً فإنه قادر على إعطائه لغيره، وفي هذه الحالة تصبح المقولة غير صحيحة،  فلو حرم الإنسان من العطف في صغره لا يعني ذلك أنّه غير قادرٍ على منح أطفاله العطف والحنا، بل هو الأقدر على ذلك؛ لأنّ العطف صفة وضعها الله تعالى في النّفس البشريّة سواء حرم الإنسان من العطف أم مُنِحه، أمّا إن خلا قلب الإنسان من الرّأفة والشّعور بالغير فلن يستطيع في هذه الحالة منح غيره هذه الرّأفة، لأنّه أساساً لا يمتلكها.
عبارة فاقد الشيء لا يعطيه تناقلتها الأجيال وأصبحت تطلقها على الأمر الخطأ أو الصّواب، وكأنها مقولة مسلّمٌ بها، متجاهلين أنّ لكلّ قاعدة شواذ، فلا شيء مطلق في هذا الكون، وكثيراً ما نجد أنّ الشّخص الفاقد لشيء في حياته يكون أكثر الأشخاص تقديماً وعطاءً له؛ لأنّه ذاق مرارة الحرمان، فمن توفّي والده في صغره وفقد عطف وحنان الأبوة يظلّ هذا الشعور مرافقاً له حتى يصبح أباً، فيغدق على أبنائه من العطف والحنان المضاعف لأنه تجرّع مرّ الفقدِ، وأيضاً من اضطرّ لترك مقاعد الدراسة ليلتحق بسوق العمل بسبب الحاجة الملحة للمال نجده يحقّق أهدافه وأحلامه بأولاده، ويعمل جاهداً على تقديم ما بوسعه لتحقيق حلمهم الذي هو حلمه أصلاً، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، وأكبر مثالٍ على أن فاقد الشيء يعطيه وبسخاء حين يقول علي عزت بيغوفيتش في كتابه (هروبي إلى الحريّة).
وفي الوقت الذي اهتزتْ فيه مدينة نابولي الإيطاليّة من الضّحك لعروض الممثل الكوميدي ( كارلينا) جاء رجلٌ إلى طبيبٍ مشهور في المدينة، وشكا إليه اكتئاباً شديداً، اعتقدَ الطبيبُ في البداية أنّ المرض عضويّ، فباشرَ بإجراء الفحوصات المخبرية والتّحاليل، فتبيّن له أنّ المريض في أحسن حال، واقتنع فعلاً أنّ المشكلة نفسيّة! فقال للمريض : أنتَ معافى جسدياً، جرّب أن تبحث عن المرح والتّسلية، لماذا لا تذهب إلى عروض (كارلينا ) ؟!.
نظر المريض في عيني الطبيب وقال له : أنا (كارلينا) سيّدي الطبيب.
وهكذا نجد أنّ فاقد الشيء بمعنى الحرمان وليس الفقد التّام يعطيه بسخاء، بل ويتحدّى الظّروف الصّعبة ليقدّمه لغيره، إذ يُعتبر أفضل شخصٍ يقوم بذلك، ففي عتمة الحياة لابدّ من وجود ضوء خافتٍ سيصبح يوماً ما منارة ساطعة، كما الحال من حرم شيئاً في صغره فإنه سيصبح يوماً ما منبعاً له، ففاقد الشيء يعطيه بسخاء شديد.
  بقلم.. مايا الهواري.. اول باحثة دكتوراة في الذكاء العاطفي والقيادة في الوطن العربي

 

طباعة