قصّة وعبرة

قصّةٌ جميلةٌ أودّ أن أضعها بين أيديكم، علّها تكون رسالةً تحمل بين طيّاتها حكمةً وعبرة لكلّ عاقلٍ، القصّة من كتاب "قصّتي" للشّيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله.
حصلت القصّة عام 1971 في المملكة الفارسيّة، وكان ملك الملوك آنذاك شاه إيران محمد رضا بهلوي الملقّب بالإمبراطور. في ذلك العام قرّر أن يقيم احتفالاً  بتأسيس إمبراطورتيه، دعا إليه العظماء من مختلف بقاع الأرض، والملوك والشّيوخ وقام الجميع بتلبية دعوته. طغى على هذا الاحتفال طابع البَذخِ الشّديد، بلغت تكلفته ما يقارب مئة مليون دولار آنذاك والذي يُعتبر رقماً كبيراً، أُقيم على أرضٍ مساحتها 160 فداناً، عليها 59 خيمةً تتوسّطها ثلاث خيمٍ ملكيّةٍ، أمّا الأدوات المستخدمة فكانت عبارةً عن أكوابٍ بلّوريّة من الكريستال، والصّحون من ليموجٍ فاخرٍ ، قام باستحضارِ أشهر الطّهاة من فرنسا لطهي الطّعام اللذيذ للضّيوف المدعوّين وخاصةً طهي الطّواويس حيث أنّ عرشه كان على شكل طاووس.

يقول راوي القصّة أنّه : عندما دخلنا الحديقة التي لامثيل لها من البذخ والثّراء، لم أكن متوقعاً أن أشاهد مثل هذه المناظر، فما أراه داخل أسوارها يتنافى تماماً مع خارجها، فقرٌ مدقع، جوعٌ  شديدٌ، مناطق مظلمة دون إنارة، كيف لنقيضين أن يتواجدا في مكان واحدٍ وفي عهد ملك الملوك.

بعد ثماني سنواتٍ حصل انقلابٌ كبيرٌ على شاه إيران واستطاع الخروج من بلاده، ولكن لم يتمّ استقباله من قِبل أي دولةٍ، خاصة الدّول الأوروبيّة، وظلّت طائرته تحوم في السماء إلى أن قبلت مصر استقباله وإقامته على أراضيها.

راوي هذه القصّة، هو صاحب السّمو الشّيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وكان عمره آنذاك إحدى عشرة سنة، وقد رافق والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، إلى الحفلة، وكان للشيخ راشد علاقة طيّبة مع شاه إيران، تربطهما مصالح مشتركة، وقد استفاد صاحب السّمو الشّيخ محمد بن راشد من هذه العلاقة، وتعلّم درساً كبيراً عندما قارن بين والده، رحمه الله، وشاه إيران، من حيث علاقته مع النّاس، وقربه الوثيق بهم، وكثرة تواجده بين العمال كموظّف من موظّفي الإنشاء بما يسمّى (الفورمان) المسؤول عن المنشآت، واحتكاكه بالنّاس وعطائه اللامحدود لهم، جعلَ له مكانةً عظيمةً في قلوبهم.
 فالعطاء والحبّ والرّأفة جسورُ تواصلٍ بين القلوب تُنبِت فيها بذور الودّ لتكبر وتصبح شجرةً تفيضُ بالعطاء والكرم، وهذا ما سعى إليه سموّ الشيخ، فالإنسان لا ينبغي أن يعيش لنفسه فقط،  بل لأجل الآخرين، وأكبر مثالٍ على ذلك شاه إيران، عاش لنفسه وعند الانقلاب عليه لم يجد أحداً بجانبه فطُرد من البلاد شرّ طِردةٍ.
هنا نجد أنّ الاعمال ليست في البدايات، إنّما في النّهايات والعبرة في الخواتيم، فاعمل في البداية خيراً لتلقَ النّهاية التي تحبّ.
السّبب الذي جعلني أسرد هذه القصّة أنّها تناسب كلّ مديرٍ و كلّ شخصٍ مسؤول عن موظفين، ومدى علاقته بهم وقربه منهم، وتحلّيه بالنّزاهة والمساواة فيما بينهم دون تفرقة مجتمعيّة وبعيداً عن الأنا، إنّما هدفه الأساسيّ هو مصلحة المجتمع، وتوكيد علاقةٍ طيّبةٍ مع من حوله تكون بمثابة جيشٍ قويّ في النّائبات.

المدير النّاجح هو من يتمتّع بصفات تكون بمثابة سُلّمٍ يصعدُ عليه للارتقاء بالمؤسّسة، إضافةً لامتلاكه مهارة الاستماع الجيّد لمشاكل موظّفيه ومناقشتهم لإيجاد الحلول المناسبة، وبالتّالي غرس الألفة في قلوبهم، كما أنّ تواجد المدير بين موظّفيه بشكل دائمٍ ومستمرّ ومشاركتهم في إنجازِ مهامهم، والعمل على تحفيزهم مادّيّاً ومعنويّاً سيخلق لديهم طاقة إيجابيّة، تكون بمثابة عنصرٍ فعّال في المؤسسة، على خلاف المدير الذي لا يغادر مكتبه جاعلاً منه حصنه الحصين، يعيّن لديه بعض الأشخاص لنقل أخبار موظّفيه، يقوم بتصديقها فوراً دون التّأكّد من صحّتها، حيث تتمّ عمليات عزل وتعيين الموظّفين بناءً على المعلومات التي وصلته، هذا التّصرّف سيجعلهُ في طرفٍ والمؤسسة في طرفٍ آخر، يبتعد كلّ البعد عنهم وعن أخبارهم ومشاكلهم، ومن المحتمل أنّ من قام بتوظيفهم لنقل الأخبار لا يمتلكون ضميراً حيّاً، وليسوا محلّ ثقةٍ يُعتمد عليهم، وإلا لما قبِلوا بهذه المهمّة.

نستخلص من ذلك أنّ المدير النّاجح في عمله يُشارك موظّفيه أموره، ويتحلّى بالحكمة والعدل، ويُضفي عليهم الأمن والأمان، وبالتّالي يكون سنداً وحصناً منيعاً للمؤسسة، فينام قرير العينِ مطمئنّ البال، واثقاً بجيشه العظيم فتسير المؤسسة نحو الازدهار.

                     بقلم.. مايا الهواري.. اول باحثة دكتوراة في الذكاء العاطفي والقيادة في الوطن العربي     

 

طباعة