أحمد بن شرباك الطنيجي.. ذاكرة إماراتية لا يغادرها بريق اللؤلؤ

لم يكن الغوص بحثاً عن اللؤلؤ مجرد مهنة ارتبطت بأرزاق الآباء والأجداد، بل كان فصلاً من حكاية البحر في الإمارات؛ وقصة امتزجت فيها مشقة العمل بالشجاعة والصبر، وتوارثتها الأجيال عبر الروايات والتجارب. ومن بين الذين يحملون هذه الذاكرة، يأتي الخبير في شؤون الغوص واللؤلؤ أحمد بن شرباك الطنيجي (75 عاماً)، الذي يستعيد في حواره مع «الإمارات اليوم» تفاصيل مهنة شكّلت جانباً من حياة الأسر الساحلية، وما ارتبط بها من مهارات ومعارف تراكمت عبر السنين.

وينتمي ابن منطقة الرمس في رأس الخيمة إلى عائلة امتهنت الغوص وجمع المحار بحثاً عن اللؤلؤ، وضمت والده وجده وأعمامه وأبناءهم، واكتسب خبراته من ملازمة أفراد عائلته والاستماع إلى تجاربهم، ليواصل اليوم نقل حكايات هذا الموروث البحري إلى الأبناء والأحفاد، حفاظاً على ذاكرة مهنة لم تكن مجرد مصدر للرزق، بل جزءاً من تاريخ الإمارات وعلاقة أهلها بالبحر على مدى سنوات طويلة.

واستعاد بن شرباك ملامح من حياة الغواصين وتفاصيل رحلاتهم بحثاً عن اللؤلؤ، متوقفاً عند طبيعة العمل ومخاطره، والعلاقة التي جمعت النوخذة بالغواصين، ومواقع المغاصات التي قصدها أهل البحر، مشيراً إلى أنه على الرغم من التحولات التي غيّرت مكانة المهنة مع تطور الحياة، وتراجع الغوص التقليدي إلا أن بريق اللؤلؤ يظل حاضراً في الذاكرة والتراث.

وأكد أن مهنة الغوص كانت مصدراً لمعيشة أسر كثيرة، قبل أن يتراجع الاعتماد عليها مع تغيّر ظروف الحياة والاقتصاد وتوافر مصادر رزق أخرى، لافتاً إلى أن الغوص بحثاً عن اللؤلؤ لم يتوقف تماماً، بل لايزال يُمارَس على سبيل الهواية، بالتزامن مع تطوّر مزارع استزراع اللؤلؤ.

روايات الوالد

وبحنين؛ يتذكر الخبير الإماراتي والده، أحمد محمد عبدالله بن شرباك الطنيجي، الذي توفي عام 2015، وكان غواصاً ماهراً، إذ إن روايات الأب هي التي عرفت الابن بتفاصيل العمل في البحر، وما كان يواجهه الغواصون من صعوبات خلال البحث عن المحار واستخراج اللؤلؤ، موضحاً أن الغواصين كانوا يتفاوتون في مهاراتهم وقدرتهم على العمل، وأن المتميزين منهم كانت لهم مكانتهم بين أهل المهنة، بما يمتلكونه من خبرة وقدرة على جمع المحار، كما أن الغواص الماهر كان يستطيع تغطية مساحة أكبر أثناء البحث.

وعن العلاقة بين النوخذة والغواصين، قال بن شرباك الطنيجي إن الأول كان يعرف أماكن الغوص، ويوجّه من يعملون معه وينظّم شؤونهم، فهو الذي يموّلهم ويوفّر احتياجاتهم على مدار السنة، ثم يستقطع ما قدّمه من حصيلتهم، في وقت كانت فيه معيشة الغواص مرتبطة بما تسفر عنه رحلات البحر، مستعيداً جانباً من تفاصيل العمل اليومي: «كانوا يزنون المحار مساء كل يوم، ويُنادَى على كل غواص لإبلاغه بوزن حصيلته، في مشهد يعكس ارتباط يومهم بما يجمعونه من أعماق البحر».

وأكد أن استخراج اللؤلؤ كان عملاً شاقاً لا تضمن كثرة الجهد فيه وفرة الحصيلة، فقد يُمضي الغواص وقته في جمع المحار من دون أن يعثر على اللؤلؤ، لتبقى ثمرة تعبه مرهونة بما تحمله الأصداف؛ كما أن الغوص لم يكن مهنة يقوى عليها كل بحّار، لما يتطلبه من مهارة وقدرة على تحمّل البقاء تحت الماء ومواجهة المخاطر.

ونوّه بن شرباك الطنيجي كذلك بأهمية الشخص المسؤول عن سحب الغواص إلى السطح، الذي يُعرف باسم «السيب»، فالغواص يشدّ الحبل ليبلغ «السيب» باستعداده للصعود، فيسحبه الأخير إلى السطح، في عمل يتطلب الانتباه والتعاون والثقة بينهما. وأضاف أن الغواص كان يجمع المحار في حقيبة تُعرف بـ«الديين»، ويستخدم «الفطام» لإغلاق أنفه أثناء الغوص، وهي أدوات بسيطة اعتمد نجاح استخدامها على خبرة ممارسي المهنة.

مناطق

وأفاد بن شرباك الطنيجي بأن مناطق الغوص بحثاً عن اللؤلؤ توزّعت على امتداد السواحل الإماراتية، وبرزت سواحل أبوظبي في هذا، فجزيرة دلما كانت من بين أهم الوجهات التي يقصدها الغواصون، إلى جانب مناطق أخرى في دبي، ومنها مغاص الجبيل قرب جبل علي، وكذلك الشارقة، ومنطقة الرمس في رأس الخيمة. وذكر أن معرفة مواقع وجود المحار كانت من الخبرات الأساسية التي يستند إليها أهل البحر في رحلاتهم، إلى جانب مهارات الغوص التي تمكّنهم من الوصول إليه وجمعه.

وأشار إلى أهمية جزيرة دلما التي لم تقتصر على ارتباطها برحلات الغوص، بل كانت مركزاً مهماً لتجارة اللؤلؤ، واحتضن شاطئها الأسواق في ذروة هذه التجارة خلال ثمانينات وتسعينات القرن الـ19، إلى جانب شهرتها بآبار المياه العذبة، ما يعكس ارتباط المهنة بحياة تجارية واجتماعية واسعة.

توثيق

وشدد بن شرباك الطنيجي على أهمية ربط المعلومات والروايات الشفوية بالوثائق، لتعريف الأجيال الجديدة بالأماكن التي قصدها الغواصون، وعدم الاكتفاء بأسماء المدن وموانئ انطلاق السفن، مضيفاً أن تراجع الغوص التقليدي ارتبط بتحوّلات اقتصادية وتجارية، من بينها انتشار اللؤلؤ المستزرع، إلى جانب تغيّر سبل المعيشة وتوافر مصادر رزق أخرى.

ورأى أن المهنة فقدت مكانتها القديمة تدريجياً، لكن ذلك لا يعني اختفاء الصلة باللؤلؤ، الذي يستمر حضوره اليوم من خلال الاستزراع والأنشطة المختلفة.

وعن كيفية التمييز بين اللؤلؤ الطبيعي والمستزرع والمقلّد، أوضح أن الطبيعي يتكوّن داخل المحار من دون تدخل بشري لبدء تكوّنه، بينما ينمو المستزرع داخل محار حي أيضاً، لكن بعد تدخل الإنسان لبدء العملية؛ والتمييز بين الطبيعي والمستزرع لا يُحسم بالمظهر وحده، إذ تستعين المختبرات بالأشعة لفحص البنية الداخلية، فتقييم جودة اللؤلؤ يتجاوز حجمه إلى عوامل تشمل البريق والشكل واللون وحالة السطح وجودة طبقة عرق اللؤلؤ.

الحفاظ على التراث

دعا الخبير في شؤون الغوص واللؤلؤ، أحمد بن شرباك الطنيجي، الشباب إلى التعرّف إلى تاريخ الغوص ومهارات أهله، والمحافظة على حكايات الآباء والأجداد، بوصفها جزءاً من التراث، وشاهداً على الجهد الذي بذلته الأجيال السابقة في طلب الرزق.

• 75 عاماً عمر الخبير في شؤون الغوص واللؤلؤ ابن منطقة الرمس في رأس الخيمة.

أحمد بن شرباك الطنيجي:

• مناطق الغوص بحثاً عن اللؤلؤ توزّعت على امتداد السواحل الإماراتية.

• الغوص لم يكن مهنة يقوى عليها كل بحّار، لما يتطلّبه من مهارة وقدرة.

الأكثر مشاركة