دبي تحوّل الإبداع إلى اقتصاد مستدام..مبادرات استراتيجية متكاملة تربط المستقبل بالثقافة

لم تعد مكانة دبي تُقاس بناطحات السحاب والمشروعات العمرانية الكبرى وحدها، بل باتت الثقافة والفنون والتصميم والصناعات الإبداعية جزءاً متنامياً من هويتها الاقتصادية والتنموية، فبالتوازي مع ترسيخ حضورها مركزاً عالمياً للأعمال والسياحة والتجارة، تمضي الإمارة في بناء منظومة تجعل من الإبداع قطاعاً منتجاً، قادراً على استقطاب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، وتحويل المواهب والأفكار إلى قيمة اقتصادية وثقافية مستدامة.

ويكشف تتبّع هذا المسار عن رؤية تتجاوز دعم الأنشطة الثقافية إلى بناء اقتصاد متكامل للإبداع، تتكامل فيه الاستراتيجيات مع المناطق المتخصصة والبنية التحتية والفرص الاستثمارية، فمن استراتيجية دبي للاقتصاد الإبداعي، مروراً بمنطقة القوز الإبداعية وحي دبي للتصميم، وصولاً إلى استراتيجية دبي الثقافية 2033، تتشكل ملامح مشروع تنموي يضع الثقافة في قلب مستقبل المدينة، ويربط ازدهارها الإبداعي بقدرتها على إنتاج المعرفة واستقطاب الكفاءات وتعزيز مساهمة الصناعات الثقافية في الاقتصاد.

من الرؤية إلى المستهدفات

في 3 أبريل 2021، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، استراتيجية دبي للاقتصاد الإبداعي، واضعاً إطاراً طموحاً لترسيخ مكانة الإمارة عاصمة عالمية للاقتصاد الإبداعي، وتعزيز دور الصناعات الإبداعية في تنويع الاقتصاد وتوسيع آفاق النمو.

وعند إطلاق الاستراتيجية، كانت الصناعات الإبداعية تسهم بنحو 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي لدبي، فيما حددت الاستراتيجية مستهدفات لرفع مساهمتها إلى 5%، وزيادة عدد الشركات والمؤسسات الإبداعية من نحو 8300 إلى 15 ألفاً، ومضاعفة عدد المبدعين العاملين في القطاع من 70 ألفاً إلى 140 ألفاً.

ولم تقتصر أهمية هذه الخطوة على تحديد مؤشرات للنمو، بل تمثلت في وضع إطار يجمع بين تنمية المواهب، وتعزيز بيئة الأعمال، واستقطاب الشركات، وتوفير الظروف التي تسمح للصناعات الإبداعية بالتحول إلى أنشطة اقتصادية قادرة على التوسع والاستمرار.

وبعد ثلاثة أيام فقط، في 6 أبريل 2021، أطلق سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، منطقة القوز الإبداعية، في خطوة عكست التوجه نحو ترجمة الاستراتيجية إلى مشروعات ومبادرات ملموسة على أرض الواقع.

ووفق البيان الرسمي عند إطلاق المشروع، مثّلت المنطقة أول مجموعة من الخطط والمبادرات المنبثقة عن استراتيجية دبي للاقتصاد الإبداعي، بهدف إنشاء مجمع متكامل يتيح للمبدعين العيش والعمل والإنتاج، ويحفّز الاستثمار في الصناعات الإبداعية.

ومنذ ذلك الحين، بدأت القوز ترسّخ حضورها مساحةً تجمع الأنشطة الفنية والإبداعية، وتعيد توظيف الإمكانات القائمة في المنطقة ضمن رؤية أوسع للتطوير الحضري القائم على الإبداع، وبذلك لم يعد دورها مقتصراً على احتضان الاستوديوهات والمساحات الفنية، بل امتد ليشمل توفير بيئة تساعد المبدعين على تطوير أعمالهم، وتوسيع فرص التواصل بينهم وبين الجمهور والجهات الاستثمارية.

وحتى نهاية عام 2025، شهدت المنطقة تنفيذ أكثر من 30 مشروعاً ومبادرة، وإصدار 3527 رخصة تجارية جديدة، وتوفير أكثر من 6400 فرصة عمل إبداعية، إلى جانب حزم حوافز تجاوزت 68 مليون درهم. كما استضافت أكثر من 215 فعالية جذبت ما يزيد على 82 ألف مشارك، في مؤشرات تعكس اتساع النشاط الإبداعي في المنطقة وتنامي دورها ضمن المشهد الثقافي والاقتصادي للإمارة.

الإبداع قطاع أعمال

وفي مسار موازٍ، يقدم حي دبي للتصميم «d3» نموذجاً أكثر تخصصاً لربط الصناعات الإبداعية بقطاع الأعمال من خلال منظومة تجمع التصميم والأزياء والعمارة والفنون والأنشطة المرتبطة بها، وتتيح للشركات والمواهب العمل ضمن بيئة متكاملة تدعم الابتكار والتعاون والنمو.

ومنذ افتتاحه في عام 2015، تطور الحي ليصبح وجهة للشركات والمصممين والمتخصصين في المجالات الإبداعية، ويضم اليوم أكثر من 1100 شركة إبداعية ونحو 20 ألف متخصص. ويعكس هذا الحضور اتساع قاعدة الأعمال المرتبطة بالتصميم، وتنامي أهمية توفير مساحات مهنية تستجيب لاحتياجات الشركات والمواهب وتدعم توسع أنشطتها.

وفي إطار المرحلة المقبلة، يستعد الحي لتوسّع جديد يشمل ستة مبانٍ مكتبية، تضيف أكثر من 500 ألف قدم مربعة من المساحات القابلة للتأجير، باستثمار يبلغ 825 مليون درهم، على أن يكتمل المشروع في النصف الأول من عام 2028.

ويعكس هذا التوسع توجهاً نحو تعزيز البنية التحتية اللازمة لنمو الشركات الإبداعية، وتوفير مساحات تستوعب الطلب المتزايد على بيئات العمل المتخصصة، كما يبرز أهمية التصميم بوصفه نشاطاً اقتصادياً يتجاوز إنتاج الأفكار والأعمال الفنية إلى تطوير المنتجات والخدمات، وخلق فرص جديدة للتعاون والاستثمار.

وبين القوز الإبداعية وحي دبي للتصميم، تتضح أدوار متكاملة في منظومة الاقتصاد الإبداعي؛ إذ توفر الأولى مساحة لاحتضان التجارب والممارسات الإبداعية وتنميتها، فيما يقدم الثاني بيئة أعمال متخصصة تساعد الشركات والمواهب على تطوير أنشطتها وتوسيع نطاق حضورها.

استراتيجية لمرحلة جديدة

تأتي استراتيجية دبي الثقافية 2033 لتمنح هذه التحولات إطاراً أوسع، يربط تنمية المشهد الثقافي بأهداف الإمارة المستقبلية، ويضع تطوير المواهب والأصول الثقافية وتعزيز الشراكات في صلب التوجهات المقبلة.

واعتمد المجلس التنفيذي الاستراتيجية برئاسة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم في 1 يوليو 2026، متضمنة 40 مبادرة تستهدف تطوير أكثر من 6000 موهبة محلية، واستقطاب أكثر من 6000 مبدع ومتخصص عالمي، وزيادة مساحة الأصول الثقافية بأكثر من 200%، ورفع مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية في الناتج المحلي الإجمالي لدبي إلى 5.4%، إلى جانب بناء محفظة شراكات بين القطاعين الحكومي والخاص بقيمة 2.75 مليار درهم.

وتكشف هذه المستهدفات عن توجه يضع الثقافة ضمن منظومة التنمية طويلة الأمد، فلا تقتصر الأولوية على زيادة عدد الفعاليات أو توسيع نطاق المشاركة الثقافية، بل تشمل أيضاً تطوير الكفاءات المحلية، واستقطاب الخبرات العالمية، وتنمية الأصول الثقافية، وتعزيز مساهمة القطاع في الاقتصاد.

كما تبرز الشراكات بين القطاعين الحكومي والخاص باعتبارها أحد المسارات الداعمة لهذا التوجه، لما تتيحه من فرص لتوسيع قاعدة الاستثمار في الثقافة، وتطوير المبادرات والمشروعات، وتعزيز استدامة المؤسسات والأنشطة الإبداعية.

وفي هذا السياق، تلتقي الاستراتيجية الثقافية مع مسار الاقتصاد الإبداعي في هدف أوسع يتمثل في بناء بيئة قادرة على إنتاج الإبداع واستدامته، عبر الجمع بين المواهب والبنية التحتية وفرص العمل والتمويل والشراكات، بما يعزز حضور الثقافة في الحياة اليومية وفي النشاط الاقتصادي للإمارة.

صورة جديدة لدبي

لا تستبدل دبي صورتها مدينةً لناطحات السحاب بصورة ثقافية جديدة، بل تضيف إلى هويتها العمرانية والاقتصادية بُعداً آخر، يتشكل من الأفكار والمواهب والمساحات التي تحتضن الإبداع وتحوله إلى إنتاج ومعرفة وفرص عمل.

ومن هذا المنظور لا تبدو القوز الإبداعية وحي دبي للتصميم مشروعين منفصلين، بل حلقتين متكاملتين ضمن مسار أوسع: استراتيجية تحدد الاتجاه، ومساحات تحتضن التجارب وتوفر بيئة الإنتاج، وشركات تحول الأفكار إلى أنشطة اقتصادية، ومواهب تمنح المنظومة قدرتها على التجدد والاستمرار. ومع استراتيجية دبي الثقافية 2033، تتسع هذه الرؤية لتؤكد أن الثقافة ليست مجرد واجهة جمالية للمدينة، بل أحد مكونات مستقبلها التنموي، وأداة لتعزيز تنافسيتها، وبناء اقتصاد أكثر تنوعاً، يجعل من الإبداع مورداً مستداماً تتكامل فيه الهوية الثقافية مع فرص النمو.

• 1100 شركة إبداعية في «d3».

• 6400 فرصة عمل توفرها منطقة القوز الإبداعية.

الأكثر مشاركة