شريط الكاسيت يعود.. الحنين للزمن الجميل يتحوّل إلى سوق مزدهرة
بعد أن بدا أن عصر الكاسيت والأسطوانات قد انتهى إلى غير رجعة أمام هيمنة منصات الاستماع الرقمي، تعود هذه الوسائط القديمة اليوم إلى المشهد بقوة، مدفوعة بطلب متزايد لا يقتصر على جيل عاش زمنها، بل يمتد بصورة لافتة إلى المراهقين والشباب.
وفي الإمارات، لم يعد الكاسيت والأسطوانة مجرد بقايا من زمن مضى، بل عادا إلى واجهات محال الموسيقى بوصفهما مقتنيات يزداد الطلب عليها عاماً بعد آخر، حسب عاملين متخصصين في هذه السوق، أكدوا لـ«الإمارات اليوم» ارتفاع الطلب على الكاسيت والأسطوانات ومشغلاتها بنسب تصل إلى 20% خلال عام واحد، مشيرين إلى حضور لافت للشباب بين المشترين، إلى جانب جيل عاش هذه الوسائط ويعود إليها بحثاً عن ذاكرة مرتبطة بالأغنية والصوت والغلاف والجهاز.
وبينما تتسع سوق الإصدارات النادرة والمحدودة، تتحول عملية شراء الشريط أو الأسطوانة من مجرد وسيلة للاستماع إلى فعل اقتناء وتجربة ثقافية تستعيد شيئاً من العلاقة البطيئة والملموسة مع الموسيقى. وعلى المستوى العالمي، سجلت الصيغ الموسيقية المادية نمواً في إيراداتها بنسبة 8% خلال 2025، فيما ارتفعت إيرادات أسطوانات الفينيل 13.7%، محققة عامها الـ19 على التوالي من النمو، وفق أحدث تقرير للاتحاد الدولي لصناعة التسجيلات الموسيقية. وفي الولايات المتحدة، ارتفعت مبيعات الأسطوانات إلى 46.8 مليون وحدة خلال العام الماضي، بزيادة 7.9%، بينما قفزت إيراداتها بنسبة 9.3%، وتكرر المشهد في بريطانيا التي سجلت إيرادات الفينيل فيها نمواً بلغ 19.9%.
المفارقة أن هذه العودة تحدث في ذروة العصر الرقمي، ففي الوقت الذي تتيح فيه منصات البث ملايين الأغنيات فوراً، يبحث مستمعون جدد عن شيء لا توفره الشاشة بالسهولة نفسها: نسخة يمكن لمسها، وغلاف يمكن الاحتفاظ به، وإبرة توضع على أسطوانة، وشريط يُعاد تشغيله، ووقت يُمنح للألبوم بدلاً من الانتقال السريع بين الأغنيات. ومن هنا تبدو عودة الكاسيت والأسطوانة أقل ارتباطاً باستعادة تقنية قديمة، وأكثر تعبيراً عن ثقافة جديدة للاقتناء والحنين واكتشاف الموسيقى بوسيط حي يجمع بين ملمس المادة وأصالة الصوت وذكريات الزمن الجميل.
عصر ذهبي
وتشهد سوق الإمارات انتعاشاً ملحوظاً، مع تزايد الطلب على النسخ النادرة والإصدارات المحدودة، وفق أصحاب محال يراهنون على أن الحنين إلى الموسيقى لم يعد مجرد «تريند» عابر، بل ثقافة اقتناء تتسع يوماً بعد يوم.
وقال مؤسس «تسجيلات ساحل الجزيرة للصوتيات والمرئيات»، محمود اللحام، لـ«الإمارات اليوم»، عن صموده في السوق منطلقاً من مرحلة التأسيس: «افتتحت المحل في عام 2005، وكان في منطقة الكرامة ما يقارب 28 محلاً، وفي تلك الفترة كانت الأشرطة هي الخيار الأول لمشاهدة أحدث الأفلام، كما كانت تحظى تلك المحال بازدحام، خصوصاً يومي الأربعاء والخميس، أي قبل عطلة نهاية الأسبوع».
وأضاف: «كانت المحال تضع البوسترات للإعلان عن الأفلام الجديدة الصادرة في الأسواق، وكان الزبائن يدفعون اشتراكات شهرية لاستئجار الأفلام، ولكن غالبية المحال التي كانت تؤجر الأشرطة أغلقت أبوابها بسبب الواقع السريع التبدل في عالم الصورة والصوتيات».
وحول التوقيت الذي بدأت تشهد فيه هذه المحال تراجعاً في الطلب، أفاد اللحام بأنها كانت في بداية 2016 تقريباً، معتبراً أن رؤيته هي التي دفعته للإبقاء على هذه المهنة، والاحتفاظ بكل ما يمتلك من أشرطة، ليتبين له الآن أنها تعيش عصرها الذهبي بعد تزايد الطلب على اقتنائها في الوقت الراهن. وشدّد على أن الصمود في وجه التكنولوجيا سريعة التبدل طوال الفترة التي عاشت فيها المهنة تراجعاً كبيراً، لم يكن سهلاً، فقد واجه صعوبات في تأمين الإيجار السنوي للمحل، كما أنه كان يتلقى الدعم من بعض الزبائن الذين وصفهم بالأوفياء، لأنهم واظبوا على شراء الأشرطة والفيديوهات، وكانت العائدات تساعده في الحفاظ على المحل. أما اليوم فنوه اللحام إلى أن هذه الأشرطة تعيش مرحلة مهمة، إذ يبحث عنها المقتنون من مختلف الفئات العمرية، وليس الكبار فحسب. وأكمل: «هذا الاهتمام تحكمه المواسم أيضاً، فقد ارتفع سعر أشرطة مايكل جاكسون بعد صدور الفيلم الخاص به، فضلاً عن أن حالة (التريند) على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، التي تستعيد إبداعات (الزمن الجميل)، تؤثر في بيع بعض المقتنيات». ورأى أن عمله مرتبط بالنوستالجيا والحنين، فهناك من يأتي باحثاً عن ذكريات الطفولة، وبعض الزبائن يشترون أكثر من نسخة للعمل نفسه، بسبب ارتباطهم العاطفي بالأغنيات أو الأفلام التي كانوا يشاهدونها.
ويمتلك اللحام في محله آلاف أشرطة الكاسيت الغنائية والأفلام، ويصل عددها إلى 8000 كاسيت، والفيديو (في إتش إس) إلى نحو 1000، بينما الـ«دي في دي» 3500، وهي كلها نسخ أصلية، وموضوعة بطريقة منظمة. واستطرد: «أبيع قطعاً نادرة، لذا أحرص على أن تكون أصلية، وإن كانت هناك تالفة فيتم بيعها كقطع ديكور، والحصول على نسخ أشرطة الأفلام أو الكاسيت الأصلية يتم من خلال المورد الأساسي». أما المصادر التي مازالت تتوافر للحصول على الأشرطة والفيديوهات، فأكد أنها تقتصر على أصحاب المكتبات الراغبين في بيعها، إذ إن بعض شركات الإنتاج لم يعد لديها نسخ من إصداراتها أيضاً.
ولا يبيع اللحام الأشرطة في الإمارات فحسب، بل يصدّرها إلى الخارج، لاسيما إلى الكويت وقطر والسعودية، فضلاً عن وجود زبائن له من العالم العربي، يقصدون المحل لشراء هذه المقتنيات.
تجارب مختلفة
من جهته، قال مؤسس «ميديل إيست ريكوردس» الخاص ببيع الأسطوانات القديمة وأشرطة الكاسيت، معتصم قباني: «بدأت ببيع أسطوانات فينيل، وكذلك مشغل الأسطوانات، ومع الوقت بدأت بإضافة الكاسيت والأقراص الصلبة، ومنذ ثلاث سنوات إلى اليوم، تشهد السوق توسعاً في الطلب عليها». وأضاف: «الزبائن الذين يتوجهون لشراء هذه الأسطوانات والكاسيت أو حتى المشغلات، هم من مختلف الأعمار والجنسيات، كما أن الجيل الجديد، خصوصاً المراهقين، هم الذين دفعوا بتوسع هذه السوق».
واعتبر أن الاستماع للموسيقى من خلال تلك المشغلات يقدم تجربة مختلفة، وهي مغايرة الأدوات المعاصرة والراهنة، واصفاً التجربة بأنها أصيلة وتشبه التأمل، وتختلف إلى حد بعيد عن استخدام «سبوتفاي» أو المنصات الأخرى الحديثة.
وحول كيفية حصوله على النسخ القديمة من الكاسيت أو الأسطوانات، ذكر قباني أنها سهلة بالنسبة له، إذ يمتلك خبرة طويلة في السوق، ولديه نسخة واحدة من شرائط الكاسيت المتوافرة عنده، ويمتلك الكثير من النسخ من الأسطوانات التي تتسم بأنها إصدارات متجددة، فضلاً عن بعض النسخ القديمة والمستعملة التي تعد نادرة جداً. وتتنوع الإصدارات لديه، بين ما هو قديم وما هو جديد، وبعض القطع تتسم بالندرة، وتكون مرتفعة السعر قليلاً عن غيرها.
وبخصوص الزبائن الذين يتوجهون إلى شراء الشرائط والأسطوانات، كشف قباني عن أن بعضهم من المقتنين الذين يمتلكون مجموعات كبيرة، فيما هناك فئة جديدة تتجه إلى شراء هذه النسخ، ويتحولون مع الوقت إلى مقتنين. وتتنوع الإصدارات التي يبيعها، فهناك طلب على مختلف أنواع الموسيقى سواء الغربية أو العربية وكذلك الخليجية، لاسيما أن العصر يشهد إصدارات موسيقية بالذكاء الاصطناعي، معتبراً أنها لا تحمل إحساس الموسيقى التي هي من تأليف بشري.
أما فيما يتعلق بالأجهزة الخاصة بالأسطوانات، فلفت إلى وجود مستويات منها، فبعضها يكون للمبتدئين في عالم مشغل الأسطوانات، وتكون الأجهزة بسيطة لجهة الصوت أو حتى الجودة في الإبرة التي تحمي الأسطوانات، فيما الذين يريدون عيش تجربة مميزة يتوجهون إلى أجهزة عالية الجودة. ولفت إلى أنهم صنعوا أجهزة «ووكمان» تتيح الاستماع إلى الكاسيت، والطلب عليها كبير، إذ عرضوا أكثر من 1000 قطعة، ولم يتبق لديه سوى ثمانٍ فقط خلال عام واحد.
علامة خاصة
من جانبه، قال مؤسس «كافو»، أندرياس كونستنتينيديس، الذي يبيع مشغل الأسطوانات و«سي دي» و«الكاسيت»، إنه بدأ المسيرة منذ خمس سنوات ببيع «مشغل الكاسيت»، ووجد الطلب عليه كبيراً، فتوجّه منذ ثلاث سنوات للبيع للعديد من الدول الخليجية، وبناء على هذا الطلب راح يبحث عن أشرطة الكاسيت لبيعها للزبائن، وإن كانت نسخاً قديمة، مشيراً إلى أن الطلب المتزايد على مشغل الكاسيت دفعهم إلى ابتكار العلامة الخاصة بهم، وطوروا خطاً كاملاً للإنتاج، ومن ضمنها أجهزة «ووكمان» و«مشغل أسطوانات».
وعزا سبب العودة إلى هذه المشغلات والكاسيت إلى الحنين بشكل أساسي، لاسيما من جيلي الثمانينات والتسعينات ممن عايشوا مرحلة إصدار الكاسيت، فهم الأكثر رغبة في العودة إليها، فضلاً عن وجود إصدارات من قبل الفنانين الذين ينفذون إنتاجاتهم على شكل «سي دي» و«كاسيت»، وبنسخ محدودة، وهو ما دفع الجيل الجديد إلى الإقبال على شراء هذه النسخ. وأفاد بأن فئة صغار السن من الأكثر إقبالاً على الكاسيت، لافتاً إلى أن إعادة إصدار الكثير من الإصدارات القديمة ينعكس على المبيعات بشكل كبير.
واعتبر أندرياس أن تجربة الاستماع للموسيقى من هذه المشغلات مختلفة عن المنصات الرقمية، لأن هناك تواصلاً مع الفنان من خلالها، فضلاً عن أن الصوت يحمل سمة الأصالة، وهذا ما يعزز فكرة أن الجمهور يتوجه إلى شراء التجربة عبر أكثر من الجهاز. واعتبر أن هذا التوجه في السوق سيشهد إقبالاً أكبر في المرحلة المقبلة، إذ إن مشغلات الأسطوانات تشهد حالياً نشاطاً أيضاً، واصفاً زبائن اليوم بأنهم يختلفون عن عملاء الأمس، لأنهم أكثر اطلاعاً في مجال الموسيقى، وحينما يشترون يأتون بدافع الحب والشغف للموسيقى بشكل أساسي، لذا فالزبون يكون مقتنياً أكثر من كونه مجرد عميل عابر. وحول بيع مشغلات الكاسيت وأجهزة الووكمان، ذكر أنهم يبيعون ما يقارب 5000 قطعة سنوياً في المنطقة.
إطلالة تاريخية
يعود تاريخ الكاسيت إلى عام 1963، حيث تم تصنيع أول جهاز لتشغيل الكاسيت المدمج في معرض الإذاعة بمدينة برلين، وفي 1966 بدأت الألبومات الموسيقية بالصدور على أشرطة الكاسيت، حتى تحول في السبعينات والثمانينات إلى أحد أكثر أشكال الموسيقى شعبية إلى جانب أسطوانات «إل بي»، ما أسهم في ظهور «الووكمان» في عام 1980. أما في الثمانينات فبدأ «السي دي» يشكل منافساً للكاسيت، حتى بداية الألفية الثانية التي أصبح معها الكاسيت وسيطاً هامشياً أمام الأقراص المدمجة والملفات الرقمية ومشغلات الموسيقى المحمولة.
• %20 ارتفاعاً في الطلب على الكاسيت والأسطوانات ومشغلاتها خلال عام واحد.