أكد أنها ليست مجرد مهنة لتأمين الرزق بل إرث يرتبط بالأجداد

41 عاماً بطعم العسل.. الظنحاني يلاحق النحل بين جبال الإمارات منذ 1985

صورة

أكد النحّال الإماراتي علي سالم الظنحاني أن ملاحقة النحل البري في أعالي الجبال والبحث عن خلاياه بين الصخور والكهوف ليست مجرد مهنة لتأمين الرزق، بل إرث ارتبط بحياة الإنسان الإماراتي وعلاقته بالطبيعة، مشيراً إلى أن خبرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود مكّنته من اكتساب مهارات خاصة في تتبع النحل والوصول إلى بيوته، على الرغم من المخاطر التي ترافق رحلات جمع العسل.

وقال الظنحاني (60 عاماً) لـ«الإمارات اليوم» إنه تعلّم أسرار المهنة على يد قريب له قبل أن يبدأ ممارستها بصورة مستمرة منذ 1985، ويواصل تطوير خبراته في جمع العسل الحر وتربية النحل في المناحل، معتبراً أن الأمانة والصبر والثقة وتحمل المسؤولية من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها العسّال.

وأضاف: «مهنة جمع العسل توفر العيش الكريم لمن يمارسها بجدية، لكنها تتطلب معرفة بطبيعة النحل ومواسم النباتات والظروف المناخية، إلى جانب القدرة على التعامل مع التضاريس الجبلية، وما تفرضه من تحديات قد تهدد حياة العاملين فيها».

وكشف عن امتلاكه مهارة خاصة في تحديد مواقع خلايا النحل البري، من خلال مراقبة حركة النحلة واتجاه طيرانها، والاستدلال على المسار الذي تسلكه وصولاً إلى بيتها، مستعيناً بخبرته الطويلة في سلوك النحل ومعرفة طبيعة الجبال، إذ لا يكتفي بالبحث عن الخلايا الموجودة في الكهوف وشقوق الصخور، بل يحرص سنوياً على تهيئة تجاويف وكهوف في الجبال بنفسه، وتجهيزها لتوفير بيئة مناسبة تستقطب أسراب النحل وتشجعها على الاستقرار وبناء خلاياها وإنتاج العسل.

وأوضح أن حصيلته السنوية تتراوح بين 100 و200 كيلوغرام من العسل الحر الذي يجمعه من الجبال، إلى جانب نحو 1000 كيلوغرام من العسل المنتج في المناحل، واصفاً هذه الكميات بأنها مرتفعة وتعكس حجم العمل والجهد المبذولين على مدار العام، كما أن الجمع بين العسل الحر وإنتاج المناحل يحتاج إلى خبرات مختلفة؛ إذ يعتمد الأول على المعرفة بمواقع النحل البري والقدرة على الوصول إليه، بينما تتطلب تربية النحل متابعة الخلايا، وتوفير الظروف المناسبة لاستقرارها.

مخاطر

وحذّر الظنحاني من المخاطر التي تواجه جامعي العسل في المناطق الجبلية، خصوصاً خلال فصل الصيف، بسبب ارتفاع الحرارة وخروج الأفاعي من أوكارها، فضلاً عن الدبابير الحمراء وصعوبة التنقل بين الصخور والمرتفعات، كما أن بعض الرحلات قد تستمر يومين أو أكثر، ما يجعل توفير المياه والاستعداد المسبق أمراً بالغ الأهمية، فنفادها في منطقة جبلية بعيدة قد يؤدي إلى وفاة العسّال.

ورأى أن مخاطر المهنة لا تقتصر على الصيف، إذ تمثل البرودة الشديدة في أعالي الجبال خلال الشتاء تحدياً آخر، إلى جانب احتمالات السقوط أثناء تسلق المرتفعات والوصول إلى الكهوف التي تستقر فيها خلايا النحل، داعياً إلى عدم الاستهانة بالعمل في الجبال، فالعسّال يحتاج إلى الصبر والقدرة على تحمل الظروف الصعبة، مع الاستعداد الجيد لكل رحلة، خصوصاً عندما تكون مواقع الخلايا بعيدة عن المناطق المأهولة.

وبيّن أن جمع العسل من المهن القديمة التي ارتبطت بسكان المناطق الجبلية والوديان في الإمارات، إذ استفاد الأهالي من وجود النحل البري في شقوق الصخور والكهوف والأشجار، واعتمدوا على خبراتهم في الوصول إلى خلاياه، والمعرفة المرتبطة بالمهنة كانت تنتقل من جيل لآخر بالممارسة، إذ يتعلم الأبناء من أصحاب الخبرة كيفية التعرف إلى مواقع النحل واختيار الأوقات المناسبة لجمع العسل، منوهاً بخصوصية تجربة النحّال الإماراتي التي ترتبط بطبيعة البيئة المحلية، وما تتطلبه من معرفة بمسارات النحل والأشجار ومواسم الإزهار، فضلاً عن القدرة على العمل في المناطق الجبلية والتكيف مع الظروف المناخية.

بصمات زايد

وأشاد الظنحاني بالدور الكبير الذي اضطلع به المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في تطوير مهنة تربية النحل وإنتاج العسل في الإمارات، إذ إن اهتمامه - طيب الله ثراه - بالتشجير والتوسع في زراعة الأشجار بمختلف إمارات الدولة أسهم في توفير بيئة أكثر ملاءمة للنحل وزيادة مصادر غذائه الطبيعية، فما يشهده قطاع العسل الإماراتي اليوم يرتبط، في جانب منه، بالإرث الزراعي والبيئي الذي أرسى دعائمه الشيخ زايد، وما وفره من مقومات ساعدت على استمرار المهنة وتطورها عبر الأجيال.

وأكمل: «يتميز العسل الإماراتي بتنوع مصادر الرحيق المحلية، وفي مقدمتها أشجار السمر والسدر، التي توفر للنحل فرصاً لإنتاج أصناف مختلفة من العسل، تتباين في مذاقها وألوانها وخصائصها بحسب الموسم والمنطقة، فعسل السمر يُنتج من رحيق أزهار شجرة السمر المنتشرة في المناطق الجبلية والوديان، ويتميز عادة بلونه الكهرماني المائل إلى الحمرة ونكهته الخاصة، ويرتبط إنتاجه المحلي بموسم إزهار السمر خلال فصل الربيع، فيما عسل السدر يُنتج من رحيق أزهار شجرته، ويتميز بمذاقه ورائحته الخاصين، ويحظى بإقبال من المستهلكين، ويرتبط موسم إنتاجه المحلي بفصل الخريف».

وأوضح الظنحاني أن الإمارات تمتلك مصادر أخرى للرحيق، من بينها أشجار الغاف والقرم والنباتات البرية، التي تسهم في تنوع أنواع العسل المنتج محلياً، رغم الطبيعة الصحراوية وقلة الغابات والحقول الواسعة مقارنة ببعض الدول الأخرى. ووصف العسل الإماراتي بأنه يقع بين نخبة أنواع العسل الجيدة في العالم، فجودة كل منتج ترتبط بخصائصه ومدى المحافظة على نقائه وأصالته، لافتاً إلى أنه زار العديد من دول العالم، ولمس خلالها إقبالاً على العسل الإماراتي، وأحد أبرز أسباب هذا الإقبال يتمثل في الثقة التي اكتسبها العسّال الإماراتي لدى المستهلكين، وما يرتبط به من سمعة في الأمانة والالتزام وعدم الغش، والمحافظة على هذه الثقة تمثل مسؤولية كبيرة على العاملين في المهنة.

العسل الإماراتي

وأشار إلى أن العسل المحلي استطاع تعزيز حضوره في الأسواق والمسابقات الدولية؛ وحصد جوائز عن أصناف عدة، وهذه النجاحات الدولية تعزز سمعة العسل الإماراتي. وحذّر من ممارسات تضر بسمعة العسل الإماراتي: «هناك مشكلة تحتاج إلى حلول حقيقية، وهي وجود عسل يأتي مستورداً من الخارج، ثم يُعبأ ويُباع للمستهلك على أنه إماراتي. وهذه الممارسة تضر بسمعة المنتج المحلي وبثقة المستهلك، ولابد من إيجاد حلول لها». وأكد أن المشكلة لا تتعلق باستيراد العسل في حد ذاته، وإنما بتقديم معلومات غير صحيحة عن منشئه، مشدداً على ضرورة المحافظة على مصداقية المنتج المحلي وحماية حقوق النحّالين والمستهلكين.

وأضاف أن حماية سمعة العسل الإماراتي تتطلب الوضوح في بيانات المنتجات ومصادرها، وتعزيز الرقابة على عمليات التعبئة والتسويق، بما يضمن عدم تضليل المستهلك ويحافظ على الثقة التي اكتسبها العسّال الإماراتي.

وذكر أن المستهلك العادي لا يمتلك طريقة بسيطة ومضمونة للتمييز بين العسل الطبيعي والمغشوش، فيما تساعد الخبرة الطويلة النحّال على التعرف إلى خصائص المنتج، ولذا يجب الاعتماد على الفحوص المختبرية المتخصصة للتحقق من مؤشرات الجودة والأصالة، مطالباً باستمرار العمل على تطوير تربية النحل في الإمارات، بما يساعد على مواجهة التحديات المرتبطة بالمناخ ومحدودية مصادر الرحيق في بعض المواسم، والمحافظة على استدامة الإنتاج المحلي.

واختتم بأن مهنة جمع العسل ستبقى بالنسبة إليه ثقافة وإرثاً ومصدراً للرزق الكريم، مشيراً إلى أن مستقبل المهنة يعتمد على الأمانة في الإنتاج والتسويق، والاستفادة من الخبرات المتوارثة، ونقل المعرفة إلى الأجيال المقبلة، بما يحافظ على مكانة العسل الإماراتي.

نقل الخبرات

قال النحّال الإماراتي علي سالم الظنحاني إنه يحرص على نقل خبراته إلى الآخرين، إذ يقدم ورشاً تتناول العسل وكل ما يتعلق بمهنة العسّال، كما ألّف كتاباً عن العسل الحر مستنداً إلى خبراته وتجاربه الميدانية، بهدف توثيق المعرفة المرتبطة بالعسل وإتاحتها للباحثين والمهتمين بالتراث، مشيراً إلى إيمانه بالفوائد الغذائية والعلاجية للعسل، وأهمية نشر المعرفة المتعلقة به والمحافظة على الممارسات السليمة في إنتاجه وتداوله.

• 200 كيلوغرام من العسل الحر يجمعه الظنحاني من الجبال سنوياً، إلى جانب نحو 1000 من المنتج في مناحله.

علي الظنحاني:

• أمتلك مهارة خاصة في تحديد مواقع خلايا النحل البري، من خلال مراقبة حركة النحلة واتجاه طيرانها.

• مستقبل المهنة يعتمد على الأمانة في الإنتاج والتسويق، والاستفادة من الخبرات المتوارثة، ونقلها للأجيال.

تويتر