الصناعات الإبداعية في دبي.. منظومة تجسّد روح المدينة
لم تعد الصناعات الإبداعية، التي تحظى بدعم شديد الخصوصية في دبي، مجرد مساحة لإنتاج الأفكار أو الأعمال الفنية، بل أصبحت منظومة متكاملة تتقاطع فيها الفنون مع التصميم والتصنيع والعمارة وصناعة الأماكن، لتشكل ملامح المدينة وتمنحها هويتها، وتحول الإبداع من فكرة فردية إلى قيمة اقتصادية وثقافية واجتماعية.
ومن العمل اليدوي وتصميم المنتجات إلى الأعمال الفنية التركيبية وتصميم الأماكن، يلتقي المبدعون في دبي حول مفهوم واحد، وهو أن ما ينتجونه لا يقتصر على الأشياء ذاتها، بل يمتد إلى القصص التي تحملها والأماكن التي تحتضنها، والتجارب التي تتركها لدى الجمهور، لتسهم بمجملها في بناء اقتصاد إبداعي متنوع ويعكس هوية المدينة.
وأكدت مديرة إدارة التصميم في «دبي للثقافة»، خلود خوري لـ«الإمارات اليوم»، أن الهيئة تدعم الصناعات الإبداعية من خلال العديد من الفعاليات، ومنها «أيام الصنّاع» التي نظمت في منطقة القوز أخيراً، والتي تهدف إلى تشجيع المجتمع الإبداعي، مشيرة إلى أن التصنيع يعتبر جزءاً مهماً من المشهد والحركة الإبداعية.
وأوضحت أن «القوز» منطقة إبداعية وصناعية في الوقت عينه، إذ تتضمن العديد من المشاغل والمصانع، وكل ما يحتاج إليه الاقتصاد الإبداعي، لافتة إلى أن هذا التنوع يحفز المبدعين على إنتاج أعمالهم في الإمارة.
تواصل
وأضافت خوري: «البرامج المتعددة التي تنظمها الهيئة توجد نوعاً من التواصل وشبكة علاقات وحوارات تنعكس على المنتجات الإبداعية، و(أيام الصناع) تعد من الفعاليات التي تخدم هذا الهدف، فضلاً عن استراتيجية الهيئة التي تقوم على تطوير المواهب وتمكين المبدعين، ودعم رواد الأعمال في بناء أعمالهم وشركاتهم».
وشددت على أن التصنيع من القطاعات المهمة في مجال الاقتصاد الإبداعي، منوهة بالعديد من المبادرات القائمة على تصدير المنتجات من الإمارات، وهي بمجملها تدخل في جانب التجزئة، وتنمي الاقتصاد في دبي بشكل خاص والدولة بشكل عام. وأشادت بالمواهب المحلية في التصنيع التي غالباً ما تعود إلى جذورها، وإذ تعتمد في إبداعاتها على مواد أولية من البيئة المحلية، عبر منتجات تقدم الهوية الإماراتية وتخدم التراث والثقافة.
ملامح البيئة
من ناحيته، قال الفنان الإماراتي راشد الملا، الذي يعمل على تقديم أعمال فنية تنطوي على الكثير من الجانب التصنيعي، لاسيما في مجال الأعمال التركيبية: «تدور أعمالي حول القصص السردية، وتحمل الكثير من ملامح البيئة المحلية في الإمارات، والتركيب يعتبر جزءاً مهماً من عملي، وقد بدأت في الآونة الأخيرة أدخل بعض العناصر المفاجئة وغير المدروسة، والتي تمنح العمل التوازن»، مشيراً إلى أنه بدأ يعمل على التناظر لأنه يمنح العمل وزناً.
وأضاف أن الفن يتضمن جانباً صناعياً، لاسيما في الأعمال التركيبية التي تتطلب مهارات لا ترتبط بالإبداع فقط، كما أن خلفيته الدراسية في مجال الهندسة ساعدته في الأعمال الممتدة، خصوصاً أن هذا النوع من بات مطلوباً أكثر من اللوحات.
ويؤمن الملا بأنه من الضروري أن يدخل الجمهور في قصة العمل، ولذا يقدم ما يجعل الجمهور يختبر فكرة أن يكون جزءاً من سيرة العمل، لافتاً إلى أن الاقتصاد الإبداعي بشكل عام يقوم على تصميم القطع المستخدمة في الحياة اليومية على نحو كبير، والجمهور بات يعي أهمية التصميم، ولكن البعض عندما يسمع الأسعار الخاصة بهذه الأعمال لا يقدرها كما يجب أن تقدر القطع المحدودة الإصدار والنادرة.
هندسة الأماكن
أما المهندس المعماري والمصمم الحضري ومؤسس شركة «بليس ميكينغ إميريتس» محمد عزيز، فتحدث عن الجانب الإبداعي الذي يعمل من خلاله على تصميم الأماكن، مشيراً إلى أنها عملية متعددة الجوانب، فهي لا تقتصر على الهندسة المعمارية أو التخطيط الحضري، بل تأتي من خلفيات متعددة، فحتى الأشخاص يشكّلون جزءاً من عملية صناعة المكان، لأنهم يستخدمون المساحات.
وحول الصعوبات التي تواجه هذا النوع من العمل، أشار إلى الجوانب التقنية التي تشكل تحدياً، لاسيما أنه يحتاج إلى العمل مع العديد من التخصصات والتنسيق مع الجهات، وأحياناً يتعارض الطموح أو التطلعات بشأن المكان الذي يريد إنشاؤه أو تطويره مع متطلبات الآخرين. ورأى أن الفعاليات التي تنظم لخدمة الصناع تساعد على تثقيف الناس بطريقة ما حول أهمية النهج التشاركي في صناعة الأماكن، فضلاً عن أن هذه الفعاليات تساعد في الوصول إلى جمهور ليس على دراية بماهية صناعة الأماكن، بشكل خاص.
تفاصيل تعكس الانتماء
من ناحيتها، قالت زهراء طلبي التي تعمل في تصميم الأماكن أيضاً، إنها تسعى من خلال ذلك إلى رواية القصص، فلكل مكان حكاية خاصة به، فعندما تصمم تبدأ بطرح العديد من الأسئلة، مثل: من هم المستخدمون؟ وما الهدف من المكان؟ لتنسج حكاية المكان وتضع التفاصيل التي تصبح جزءاً أساسياً منه. وأوضحت أنها كمصممة تفكر كثيراً في مستخدمي المكان، وإن كان يوافق رغباتهم، فضلاً عن مدى عكسه للثقافة المحلية، لأنه من المهم أن تكون هوية الدولة واضحة، والتفاصيل تعكس الانتماء.
ورأت زهراء أن الفعاليات التي تنظمها «دبي للثقافة»، ومن بينها «أيام الصناع» تدعم كل العاملين في المجال الإبداعي، إذ إن المدينة تضم الكثير من الثقافات والجنسيات والمبدعين من حول العالم، وتوفر لهم الفرص لتبادل الأفكار، ما ينعكس على القطاعات الإبداعية بمجملها.
إثراء خبرات
نظمت هيئة الثقافة والفنون في دبي فعالية «أيام الصناع» أخيراً في منطقة القوز الإبداعية، بهدف تعزيز منظومة التصنيع الإبداعي في دبي، وتوفير منصة تجمع أصحاب المواهب ورواد الأعمال، بما يمكّنهم من تنمية قدراتهم وإثراء خبراتهم، وبناء شبكات مهنية فاعلة، والتعرف إلى فرص الإنتاج المحلي، والاستفادة من الإمكانات التي توفرها منظومة الصناعات الثقافية والإبداعية.
وشهد الحدث تنظيم أكثر من 13 ورشة عمل وجلسة حوارية ونقاشية، استضافت نخبة من الخبراء والمتحدثين من رواد القطاع الإبداعي، لتسليط الضوء على أحدث الاتجاهات في مجالات التصنيع الإبداعي وآفاق التعاون مع المصنّعين والمورّدين في الدولة.