هل يفهم الذكاء الاصطناعي حقاً ما تقوله الحيوانات لبعضها ؟
لا أحد كان يتوقع من قبل أن يساعدنا الذكاء الاصطناعي في فهم لغة الحيوانات، بل يمكننا من التواصل معها، وهو الأمر الذي توقعه الخبراء بالمستقبل القريب بناءً على استخدام «الصوتيات الحيوية الرقمية»، وهي عبارة عن مسجلات رقمية صغيرة ومحمولة، لتسجيل الأصوات والحركات والسلوكيات الدقيقة للحيوانات، وحتى تلك التي تكون هادئة جدًا أو دقيقة لدرجة عدم قدرة البشر على رصدها.
فقد يتيح لنا الذكاء الاصطناعي في المستقبل التواصل مع الحيوانات الأليفة وحتى الحيوانات البرية. عبر قواعد البيانات الناجمة عن تسجيلات الصوتيات الحيوية الرقمية في تدريب الذكاء الاصطناعي لفهم لغة التواصل الحيوانية وترجمتها إلى لغة يمكن للإنسان فهمها. ويتوقع الخبراء أن تحقق مشاريع مثل «مشروع أنواع الأرض» تقدمًا كبيرًا خلال الـ12 إلى 36 شهرا المقبلة.
وتشمل التجارب الحالية في «مشروع أنواع الأرض» محاولات لرسم خريطة للمخزون الصوتي للغربان، بالإضافة إلى تجربة تهدف إلى إنشاء أصوات جديدة يمكن للطيور فهمها.
ويستخدم باحثو جامعة لينكولن الذكاء الاصطناعي أيضا لتصنيف وفهم تعبيرات القطط. كما يهدف نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد إلى ترجمة تعابير الوجه ونباح الكلاب.
وتحدث الخبراء أيضا عن الخفافيش التي تمتلك لغة معقدة جدا، خاصة أنها تتجادل حول الطعام مع بعضها البعض، وتستخدم الخفافيش الأم «لغة الطفل» عند التواصل مع صغارها.
كما أوضحوا أن «التعلم العميق» قادر على فك رموز لغة الخفافيش (التي تعتمد إلى حد كبير على الموجات فوق الصوتية).
وتحاول الميكروفونات الموجودة على العوامات والأسماك الآلية كشف «أصوات» حيتان العنبر، التي تعد أكبر الحيوانات المفترسة في العالم، وتحدد موقع طعامها باستخدام النقرات، ولكنها تستخدم أيضا سلسلة أقصر من النقرات تسمى «الكودا» للتواصل مع بعضها البعض.
ويهدف الخبراء إلى غرس ميكروفونات على أجساد الحيتان لالتقاط كميات هائلة من البيانات، بهدف استخدام التعلم الآلي لكشف ما تقوله الحيوانات الضخمة.
وبات الذكاء الاصطناعي قادرا على التقاط أنماط دقيقة داخل أصوات الدلافين والفيلة والحيتان، لكنه لم يتحول بعد إلى مترجم يكشف ما تفكر فيه الحيوانات أو ينقل حديثها إلى لغة البشر.
وتكمن المشكلة في فجوة علمية كبيرة بين التعرف إلى الصوت وفهم معناه. فقد يكتشف النموذج أن نداء معينا يتكرر عندما يقترب حيوان أو يظهر خطر، لكن ذلك لا يكفي لإثبات أن النداء يعني "اقترب" أو "خطر" بالمعنى الذي يفهمه الإنسان.
فهل يقترب الذكاء الاصطناعي فعلا من فهم الحيوانات، أم أنه يقدم أنماطا مقنعة قد نخطئ نحن في تفسيرها؟.
من أبرز المشروعات في هذا المجال هو "دولفين جيما"، الذي طورته غوغل بالتعاون مع مشروع الدلافين البرية ومعهد جورجيا للتكنولوجيا.
وتدرب النموذج على قاعدة واسعة من تسجيلات الدلافين، ويستطيع تحليل الأصوات واكتشاف التسلسلات المتكررة والتنبؤ بالصوت الذي قد يأتي لاحقا، إلى جانب توليد أصوات تشبه نداءاتها.
لكن هذه القدرات لا تعني أنه يعرف المقصود من تلك الأصوات. فالتنبؤ بالصوت التالي يشبه قدرة النماذج اللغوية على توقع الكلمة التالية داخل جملة، من دون أن يشكل ذلك وحده دليلا على فهم تجربة الحيوان أو ما يريد التعبير عنه.
وتأمل الفرق العلمية أن تساعد هذه الأدوات في ربط الأصوات بالسلوك والسياق، تمهيدا لبناء مفردات مشتركة محدودة بين البشر والدلافين. إلا أن المشروع لا يدعي امتلاك مترجم فوري للغة الدلافين.
وأظهرت دراسة منشورة في دورية "نيتشر إيكولوجي أند إيفولوشن" أن فيلة السافانا الإفريقية قد تستخدم نداءات فردية شبيهة بالأسماء عند مخاطبة أفراد محددين.
واستخدم الباحثون التعلم الآلي لتحليل النداءات، ثم أجروا تجارب شغلوا خلالها تسجيلات للفيلة. وأظهرت النتائج أن الفيل كان يستجيب بقوة أكبر للنداء الموجه إليه مقارنة بنداءات موجهة إلى أفراد آخرين.
وتقدم النتائج دليلا لافتا على وجود معلومات تحدد هوية المتلقي داخل بعض النداءات، لكنها لا تعني أن العلماء أصبحوا قادرين على ترجمة الحديث الكامل بين الفيلة أو تحديد جميع الرسائل الموجودة داخله.