لماذا يشعر بعض الموظفين بالذنب إذا أخذوا استراحة أو غادروا مبكرين ؟
تتحول الراحة بالنسبة إلى كثير من الموظفين من حاجة طبيعية للجسم والعقل إلى أمر يثير الشعور بالذنب، في ظل بيئات عمل تربط الالتزام بعدد الساعات التي يقضيها الشخص أمام شاشة الكمبيوتر، أكثر مما تربطه بما ينجزه فعليًا.
والمفارقة أن الموظف قد يصل إلى مرحلة الإنهاك، وينام ساعات قليلة ويعتمد على الكافيين لمواصلة يومه، لكنه يظل مترددًا في التوقف، خشية أن يُفسر ذلك باعتباره تراجعًا في الالتزام أو القدرة على تحمل ضغوط العمل.
وترى المعالجة النفسية ومدربة الحياة الدكتورة تشاندني توغنايت أن هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بقدرة الأفراد على تنظيم وقتهم، بل بثقافة مهنية جعلت الوجود الدائم في العمل دليلًا على الجدية، حتى لو جاء ذلك على حساب الصحة والحياة الشخصية.
وفي حديثها لمجلة "إتش تي لايف ستايل"، حددت توغنايت مجموعة من الأسباب التي تفسر لماذا أصبحت الراحة صعبة على كثير من العاملين، ولماذا يستمر البعض في العمل حتى عندما تظهر عليهم علامات الإرهاق.
إحدى المشكلات، وفق توغنايت، تكمن في الطريقة التي تقيس بها بعض المؤسسات التزام موظفيها. فبدلًا من التركيز على حجم العمل المنجز وجودته، أصبح البقاء متاحًا لأطول فترة ممكنة معيارًا غير معلن للحكم على الموظف.
وقد يُنظر إلى شخص يظل متصلًا بالعمل حتى التاسعة مساءً باعتباره أكثر التزامًا، بينما قد يثير موظف آخر أنهى المهام المطلوبة منه خلال ست ساعات من العمل المركز ثم غادر انطباعًا بأنه أقل تفانيًا. وترى توغنايت أن هذه الثقافة تدفع الموظفين إلى محاولة الظهور باعتبارهم أشخاصًا لا يمكن الاستغناء عنهم، بدلًا من التركيز على الكفاءة نفسها، خصوصًا عندما يشعرون بأن استقرارهم الوظيفي مرتبط بحضورهم المستمر.
وزاد انتشار العمل عن بُعد من صعوبة الفصل بين الوقت المهني والحياة الخاصة. ففي السابق، كان الخروج من المكتب والعودة إلى المنزل يرسمان حدًا واضحًا لنهاية يوم العمل، ويمنحان العقل فرصة للانتقال إلى مساحة مختلفة.
أما اليوم، فقد أصبح المكتب موجودًا داخل المنزل بالنسبة إلى ملايين الأشخاص، وأصبحت رسائل البريد الإلكتروني والمكالمات وإشعارات العمل قادرة على الوصول إليهم في أي وقت.
وقد يجد الموظف نفسه يتابع بريده الإلكتروني أثناء تناول العشاء، أو يجيب عن مكالمة مرتبطة بالعمل خلال عطلة نهاية الأسبوع أو حتى أثناء إجازته. وبذلك، لم تعد الحدود بين العمل والراحة أكثر ضبابية فحسب، وإنما اختفت لدى بعض الموظفين بصورة شبه كاملة.
كما يلعب انعدام الشعور بالأمان الوظيفي دورًا آخر في دفع الموظفين إلى مواصلة العمل حتى في أوقات الراحة. فالعقود قصيرة الأجل، وعمليات التسريح المفاجئة، والمنافسة على الترقيات، قد تخلق شعورًا بأن على الموظف إثبات قيمته باستمرار. وفي مثل هذه البيئة، يمكن أن تتحول الإجازة أو حتى ساعات قليلة بعيدًا عن العمل إلى مصدر للقلق.
وتوضح توغنايت أن الشعور بالذنب لا ينشأ بالضرورة لأن الشخص يعتقد أن الراحة خطأ، وإنما بسبب خوف داخلي من أن يكون هناك شخص آخر يواصل العمل في اللحظة نفسها، وقد يصبح نتيجة لذلك أكثر قدرة على الاحتفاظ بوظيفته أو الحصول على فرصة أفضل.
والأكثر لفتًا أن التعب نفسه بدأ يتحول في بعض بيئات العمل إلى علامة على النجاح.
فعبارات من قبيل "لم أنم سوى أربع ساعات" أو "لم أحصل على إجازة منذ أشهر" قد تُقال أحيانًا بنبرة تحمل قدرًا من التفاخر، وكأن قلة النوم والانشغال المستمر دليلان على أهمية الشخص ومكانته المهنية. وبهذه الطريقة، يتحول الإرهاق من إشارة تحذيرية تستدعي التوقف إلى وسيلة لإثبات الالتزام والقدرة على تحمل الضغوط.
وترى توغنايت أن المشكلة تصبح أعمق عندما يبدأ الموظف في النظر إلى اعترافه بالتعب باعتباره نوعًا من الضعف أو إشارة إلى إمكانية الاستغناء عنه. ولا تعتقد المعالجة النفسية أن الحل يكمن فقط في زيادة قوة الإرادة أو استخدام تطبيق جديد لتنظيم الوقت والمهام. فالمشكلة، بحسب رؤيتها، ترتبط أيضًا بالطريقة التي تكافئ بها المؤسسات موظفيها والمعايير المستخدمة لتقييم أدائهم. وترى أن التغيير الحقيقي يبدأ عندما تتوقف بيئات العمل عن مكافأة الموظف على مظهر الانشغال والإرهاق، وتنتقل إلى قياس ما أنجزه بالفعل.
وفي ظل ثقافة تجعل ساعات العمل الطويلة مقياسًا للالتزام، قد يصبح التوقف للحصول على الراحة أصعب من مواصلة العمل نفسه، حتى عندما يكون الجسد والعقل في أمسّ الحاجة إليها.