الإمارات وألمانيا.. الثقافة لغة شراكة وجسر بين شعبين

ليست العلاقات الإماراتية - الألمانية قصة شراكة سياسية واقتصادية بدأت قبل أكثر من نصف قرن فحسب، بل هي أيضاً حكاية تقارب ثقافي ومعرفي أخذ يتشكل بهدوء، عبر المدارس والجامعات والمتاحف والمكتبات ومواقع الآثار والمعاهد والمهرجانات السينمائية، حتى أصبح اليوم أحد الأبعاد المهمة في العلاقة بين البلدين.

ومنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين دولة الإمارات وجمهورية ألمانيا الاتحادية، في 17 مايو 1972، اتسعت مساحات التعاون من الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة إلى التعليم والعلوم والثقافة، ومع مرور 54 عاماً على تأسيس العلاقات الدبلوماسية، لم يعد التبادل الثقافي مجرد سلسلة من الفعاليات والمناسبات، بل أصبح شبكة ممتدة من المؤسسات والمشروعات التي تتيح للمجتمعين الإماراتي والألماني التعرف إلى بعضهما بعضاً بصورة مباشرة

التجربة الإنسانية

تمنح الثقافة العلاقات الدولية بعداً لا تستطيع الاتفاقيات وحدها أن توفره، فحين يتعلم طالب في الإمارات اللغة الألمانية، أو يقرأ قارئ رواية ألمانية مترجمة، أو يعمل عالم آثار ألماني مع باحثين إماراتيين في موقع يعود إلى آلاف السنين، أو يشاهد طفل في أبوظبي أو دبي فيلماً ألمانياً، تنتقل العلاقة بين البلدين من مستوى المؤسسات إلى مستوى التجربة الإنسانية.

وفي أغسطس 2026، جاء التأكيد الإماراتي - الألماني على تعزيز الروابط بين الشعبين والتعاون الثقافي في سياق أوسع لتطوير الشراكة الاستراتيجية، بما يعكس المكانة التي بات يحتلها البعد الإنساني في العلاقات الثنائية.

وتظهر هذه الروابط على الأرض من خلال مؤسسات تعمل بصورة مستمرة، في مقدمتها معهد غوته، الذي يدير مكتباً إقليمياً في أبوظبي منذ 2006، ومركزاً لتعليم اللغة الألمانية في دبي منذ 2007، إلى جانب المدارس الألمانية الموجودة في أبوظبي والشارقة ودبي.

كما تشير وزارة الخارجية الألمانية إلى نحو 20 مشروع تعاون بين جامعات ومؤسسات أكاديمية في البلدين، وبذلك لا يبدأ الحوار الثقافي عند افتتاح معرض أو انطلاق مهرجان، بل يبدأ في المدرسة، ويتواصل في الجامعة، ويتوسع عبر الكتاب والفن والبحث العلمي.

بوابة إلى ثقافة كاملة

تأتي اللغة الألمانية في مقدمة الأدوات التي صنعت هذا التقارب، ويقدم معهد غوته في الإمارات برامج لتعليم اللغة والامتحانات والفعاليات الثقافية، ضمن دوره الأوسع في تعزيز التبادل الثقافي والحوار الدولي، ومع اتساع الحضور الرقمي لم يعد الوصول إلى الثقافة الألمانية مرتبطاً بالمكان.

وتتيح مكتبة «Onleihe» الرقمية التابعة لمعهد غوته نحو 20 ألف كتاب إلكتروني وصوتي، ومواد تعليمية ومجلات وصحفاً وأفلاماً باللغة الألمانية، بينما يوفر نادي القراءة الإقليمي مساحة للقاء الأدب العربي بالأدب الناطق بالألمانية، عبر الترجمات والنقاشات مع الكتاب والمترجمين.

وظل الكتاب إحدى أكثر الوسائل رسوخاً في الحوار بين الشعوب، وجاءت مشاركة ألمانيا ضيف شرف في معرض أبوظبي الدولي للكتاب لتمنح هذا الحوار مساحة واسعة.

ولم يقدم الجناح الألماني الأدب وحده، وإنما جمع الناشرين والمؤلفين والمترجمين والفنانين والمهنيين العاملين في صناعة الكتاب، إلى جانب برامج موجهة للأطفال والشباب وفعاليات ناقشت النشر والتعليم والاستدامة والتحول الرقمي.

وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها نقلت الحوار من علاقة بين الكاتب والقارئ إلى علاقة أوسع بين صناعتين ثقافيتين، فالناشر يلتقي بالناشر، والمترجم بالمترجم، والمصمم بالمصمم، والمؤسسة الثقافية بنظيرتها.

صورة تتحرك بين الثقافتين

إذا كان الكتاب ينقل الثقافة عبر اللغة، فإن السينما تفعل ذلك عبر الصورة، وقد أصبحت الأفلام الألمانية جزءاً من برامج ثقافية وسينمائية في الإمارات، من بينها مهرجان «SCHLiNGEL» المخصص لأفلام الأطفال والشباب، الذي انتقل من مدينة كيمنتس الألمانية إلى أبوظبي بالتعاون مع مؤسسات ثقافية محلية.

وعاد المهرجان في 2025 إلى أبوظبي بعد انطلاقته الأولى هناك، مقدماً أفلاماً ألمانية للأطفال والشباب وبرنامجاً للأفلام القصيرة بالتعاون مع مؤسسة أبوظبي الثقافية، كما شارك معهد غوته في 2026 في برنامج «NAAS» السينمائي في أبوظبي، ضمن تعاون بين مؤسسات ثقافية دولية في الدولة.

ولا تكمن أهمية هذه البرامج في عرض أفلام من بلد آخر فحسب، بل في جعل السينما مساحة للنقاش حول قضايا الإنسان والمجتمع، فالفيلم الألماني يصل إلى المشاهد الإماراتي من خلال قصة قد تدور في ألمانيا، لكنها تتناول في جوهرها موضوعات مشتركة: الحرب، والذاكرة، والحرية، والعائلة، والهوية، وتغير المجتمعات.

البحث عن الإنسان الأول

ربما لا توجد مساحة تختصر عمق التعاون المعرفي الإماراتي ـ الألماني مثل علم الآثار، ففي الشارقة، يمتد التعاون مع جامعة توبنغن الألمانية منذ عام 1995 في أعمال التنقيب والبحث في مواقع من بينها جبل الفاية وجبل البحيص، ضمن شراكات علمية طويلة الأمد، شاركت فيها مؤسسات ألمانية متخصصة.

وفي جبل الفاية، كشفت الأبحاث عن أدلة على استيطان بشري متواصل يمتد من العصر الحجري الأوسط قبل نحو 210 آلاف سنة إلى العصر الحجري الحديث قبل نحو 6000 سنة، بما يضيف إلى المعرفة العلمية حول حركة الإنسان القديم وقدرته على التكيف مع البيئات الصحراوية، واكتسب هذا العمل بعداً دولياً مع إدراج مشهد الفاية القديم على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو» عام 2025.

وفي 2026 أطلقت الشارقة برنامج منح أبحاث الفاية بقيمة إجمالية تصل إلى مليوني درهم، لدعم الدراسات المرتبطة بالاستيطان البشري القديم والهجرة والتغير البيئي والتكيف في شبه الجزيرة العربية.

ويضم البرنامج مساراً لتدريب علماء الآثار الإماراتيين الشباب بالتعاون مع جامعة توبنغن، مع إتاحة التدريب الدولي والعمل الميداني في مواقع أثرية بألمانيا، من بينها كهف هوهله فلس المدرج ضمن مواقع التراث العالمي، قبل نقل الخبرة إلى مواقع البحث في الفاية، وتستمر المنظومة ثلاث سنوات، وتشمل منحاً بحثية طويلة وقصيرة الأجل، إلى جانب الإرشاد والتدريب.

المعرفة بصورة مشتركة

تمثل جامعة توبنغن في هذه القصة نموذجاً للشراكة الأكاديمية طويلة الأمد، فمنذ عقود، يعمل باحثون ألمان وإماراتيون في دراسة المواقع الأثرية والبيئات القديمة وتاريخ الإنسان في المنطقة.

وفي موسم التنقيب الـ30 في جبل البحيص والفاية، اجتمع باحثون من هيئة الشارقة للآثار وجامعة توبنغن وجمعية زينكنبرغ للتاريخ الطبيعي لمناقشة علم آثار المناظر الطبيعية والبيئات القديمة وانتشار الإنسان وتكيفه في المنطقة العربية.

وتمثل المتاحف مجالاً آخر تتقاطع فيه التجربتان الإماراتية والألمانية، فألمانيا تمتلك تقاليد طويلة في إدارة المجموعات والمتاحف والأرشيفات والتعليم المتحفي، فيما شهدت الإمارات خلال العقود الأخيرة تطوراً كبيراً في المتاحف والمناطق الثقافية والمؤسسات الفنية.

ويفتح هذا التقاطع مجالات متعددة للتعلم المتبادل، من حفظ المقتنيات وترميمها وتوثيقها إلى التعليم المتحفي وإشراك الجمهور والرقمنة وإدارة المجموعات.

وبذلك لا يكون المتحف مجرد مكان لعرض الماضي، وإنما مؤسسة تنتج المعرفة حوله وتعيد تقديمها للجمهور، وهذه المساحة تحديداً تتيح حواراً مهماً بين تجربة ألمانية راسخة ومشهد ثقافي إماراتي سريع النمو.

الثقافة تبدأ من المدرسة

توجد في الإمارات مدارس ألمانية معترف بها في أبوظبي والشارقة ودبي، إلى جانب منظومة «المدارس: شركاء المستقبل» (PASCH) التي تدعم شبكة عالمية من المدارس المرتبطة بألمانيا، بالتعاون مع شركاء من بينهم معهد غوته.

وهذه البيئة التعليمية تمنح العلاقة الثقافية بعداً يومياً، فاللغة والتاريخ والأدب والموسيقى لا تظهر بوصفها موضوعات في مناسبة عابرة، وإنما تصبح جزءاً من تجربة الطالب التعليمية.

ومن هنا يمكن أن تتشكل علاقة طويلة الأمد، فالطالب الذي يتعرف إلى الثقافة الألمانية في المدرسة قد يحملها معه إلى الجامعة، ثم إلى سوق العمل، وربما يصبح لاحقاً حلقة وصل جديدة بين المجتمعين.

تمتد هذه العلاقة بصورة طبيعية إلى التعليم العالي والبحث العلمي، وتشير وزارة الخارجية الألمانية إلى نحو 20 مشروع تعاون بين جامعات ومؤسسات أكاديمية في البلدين، فيما يقدم جهاز التبادل الأكاديمي الألماني «DAAD» خدمات واستشارات للمؤسسات الألمانية الراغبة في تطوير التعاون العلمي مع الجامعات الإماراتية، وتكتسب هذه الشراكات أهمية خاصة في ظل تحول الإمارات إلى مركز إقليمي للبحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار.

وفي مارس 2026، ناقش الجانبان فرص توسيع التعاون في العلوم والتكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة والأمن الغذائي، إلى جانب المجالات الاقتصادية والصناعية.

شراكة تتجاوز تبادل الثقافة

بعد مرور أكثر من خمسة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية، تبدو العلاقة الإماراتية - الألمانية أمام مرحلة مختلفة من التعاون الثقافي.

المدرسة تبني المعرفة الأولى، واللغة تفتح الباب، والكتاب ينقل الأفكار، والسينما تقدم التجربة الإنسانية في صورة، والمتحف يحفظ الذاكرة، وعلم الآثار يعيد بناء تاريخ الإنسان، والجامعة تنتج المعرفة، والفنون تخلق اللقاء المباشر، فيما تمنح التكنولوجيا هذه المجالات جميعاً وسائل جديدة للوصول إلى الجمهور.

لهذا يصعب اختصار التعاون الثقافي بين الإمارات وألمانيا في قائمة من الفعاليات أو الاتفاقات، فالقيمة الحقيقية تكمن في شبكة العلاقات التي تتشكل حولها: طالب يتعلم لغة، وباحث يكتشف أثراً، ومترجم يعيد تقديم رواية، وفنان يعمل مع فنان آخر، وطفل يشاهد فيلماً من ثقافة مختلفة.

. منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وألمانيا عام 1972، اتسعت مساحات التعاون من الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة إلى التعليم والعلوم والثقافة.

الأكثر مشاركة