«كش ملك».. الذكاء الاصطناعي يعيد رسم رقعة الشطرنج

منذ أن خرجت لعبة الشطرنج من الهند قبل قرون عدة، وهي تعيد تشكيل نفسها مع كل عصر، واليوم لم تعد هذه الرياضة العقلية عبارة عن العالم الذي تحكمه الرقعة الخشبية وساعات التفكير الطويلة فحسب، بل امتدت إلى الخوارزميات ومحركات الذكاء الاصطناعي التي أعادت رسم ملامحها، وبدلت أساليب التدريب والاحتراف، مطلقة صيحة مدوية بالعبارة الشهيرة في تلك اللعبة: «كش ملك»، وعلى الرغم من أن التقنيات الحديثة قد أسهمت في انتشار «لعبة الأذكياء» ووصولها إلى الملايين حول العالم، إلا أن جوهرها، وهو صراع العقول، بقي عصياً على التغيير، فلاتزال المعركة تحسم بما يملكه اللاعب من صبر، وقدرة على قراءة الاحتمالات والتخطيط الاستراتيجي، كما أن اللاعب البشري يظل الروح الحقيقية في هذه الرياضة الفكرية.

وقال المحكم الدولي ورئيس حكام بطولة الشطرنج التي نظمتها مكتبة محمد بن راشد، أخيراً، عبدالله علي، لـ«الإمارات اليوم» عن التغييرات التي طالت اللعبة: «أوجدت التطورات التقنية الحديثة تحولات حقيقية في الشطرنج، ففي أربعينات القرن الماضي، كان حصول مجتمع الشطرنج على نتائج أي بطولة يتطلب شهوراً، أما اليوم فتسمح تقنيات النقل الحديثة بمشاهدة البطولات بشكل مباشر، فضلاً عن إمكانية المشاركة بمنافسات في دول عدة على نحو واسع».

وأضاف أن التدريب على تحديات الشطرنج أخذ شكلاً جديداً، فمع قفزات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بات يمكن للمرء اللعب مع الحاسوب أو مع لاعب بشري عبر الإنترنت، وهذه التغييرات تعد جذرية، مع الإشارة إلى أن روح اللعبة مازالت على حالها، ورأى أنه في ظل التقنيات الحديثة لم يتبدل دور اللاعب «الإنسان»، وما تبدّل فقط هو سرعة ودقة التدريبات التي باتت متاحة للجميع، وما أحدث فرقاً هو أن الصغار بات يمكنهم الاحتراف في سن مبكرة، معتبراً أن اللاعب البشري لن يتمكن من التغلب على الحاسوب.

حل هجين

وعلى الرغم من ذلك رأى الحكم الدولي أن الإنسان سيظل محور اللعبة، وسيبقى الجانب الإبداعي حاضراً على الرغم من وجود الكثير من المنصات المنتشرة للعب، والتي بدورها أسهمت كثيراً في انتشار الشطرنج على نحو أكبر، خصوصاً بين أبناء الجيل الجديد. وأردف: «مازالت البطولات تنظم على شكل التحديات المباشرة، ولكن من الممكن الوصول إلى بطولات هجينة تجمع بين المنصات الإلكترونية، والمواجهة وجهاً لوجه».

وحول أبرز العوامل التي يحرص على تواجدها لدى الفائزين في تحديات الشطرنج، أفاد عبدالله علي بأنها تتمثل في الصلابة الذهنية، لأن هذه النوعية من اللاعبين يمكنها إيجاد الحلول، فضلاً عن اللياقة البدنية التي تعد أساسية؛ فهناك تحديات قد تطول مدتها إلى سبع ساعات. أما عن الأثر الذي تتركه تلك الرياضة في الشخصية، فهو التفكير الاستراتيجي والقدرة على اتخاذ القرارات، لأنها قائمة على دراسة الاحتمالات، وكل انتقال وقرار يتطلب التفكير بالخصم والوضع الراهن واتخاذ الخطوة المناسبة، حسب الحكم الدولي.

علاقة طويلة

وتجتذب رياضة الشطرنج الكثير من الشرائح والفئات العمرية، ومنهم من بدأها منذ سنوات طويلة بشكلها التقليدي كما هي حال المغربي مصطفى شاكر، الذي بنى علاقة طويلة مع اللعبة تزيد على 40 عاماً، وقال عن مسيرته مع الرقعة الخشبية: «كانت هوايتي منذ الصغر، وانتقلت مع الوقت إلى التحديات والبطولات، فهي رياضة مميزة، وتتيح الالتقاء بأشخاص هادئين، وعلى مستوى المنافسة ليست كالرياضات التي تحمل العنف».

واعتبر شاكر أن المنافسة تحكم التحديات، ولكن الاستمتاع بها لا يضاهيه شيء، خصوصاً في العصر الراهن، فهي أشبه بالاستراحة، منوهاً بأن التحدي البشري أفضل بكثير من اللعب «أونلاين» الذي قد ينطوي على نوع من الغش. أما الفيديوهات التي تغزو الفضاءات والعوالم الافتراضية، فرأى أنها أسهمت في انتشار اللعبة، إذ إن تعلمها في السابق كان بالاعتماد على الكتب ومن خلال دراسة استراتيجيات التحدي على الورق، لكن الأمر تغير اليوم.

 

غير متكافئة

من جهته، قال المصري خالد الزغبي الذي بدأت حكايته مع الشطرنج منذ ثماني سنوات، إن هذه الرياضة انتشرت على نحو كبير في ظل التقنيات الحديثة التي أتاحت الدخول في اللعب في أي وقت، فمن الممكن التنافس عبر الهاتف مع آخرين من دول ومستويات متعددة، ما ينعكس على مستوى الفرد، مستدركاً بأن التحدي الواقعي (وجهاً لوجه) يحمل إحساساً من نوع آخر.

ووصف المنافسة بين البشر و«AI» في لعبته المفضلة بأنها غير متكافئة «لأن الذكاء الاصطناعي يتفوق، لكنه يسهم في تطوير مستوى اللاعب، خصوصاً أنه يمكن التحكم بوقت التدريب»، مشيراً إلى أن البطولات المباشرة تعيد الناس إلى أصل اللعبة، لاسيما أن المشاركين يكونون من أعمار ومستويات مختلفة، كما أن روح المنافسة تمنح المرء إحساساً جميلاً، لأن الهدف المبارزة وليس الربح، وهي رياضة فكرية تعلم الصبر والتخطيط الاستراتيجي.

سنة واحدة

أما السوداني عصام محمد فدخل عالم الشطرنج منذ ما يقارب السنة، لكنها كانت كافية للاحتراف مع وجود الكثير من المنصات الإلكترونية للتدريب، موضحاً: «اللعب (أونلاين) أسهل بسبب وجود البيانات التي تسهل تعلم الاحتمالات المتعددة لكل خطوة، كما أن المنصات أسهمت في وصول شريحة أكبر من الناس لها، ما انعكس على التحديات».

ولفت إلى أن محرك البحث الخاص بالشطرنج والذي يستخدم الذكاء الاصطناعي يتفوق على العقل البشري، ففي الثانية الواحدة يمكنه احتساب احتمالات كبيرة لاستراتيجيات جاهزة تساعد في تطوير المهارات، مؤكداً أنه يطمح للوصول إلى البطولات العالمية وتحقيق المركز الأول.

في المقابل، تعلّم الواعد آدم الداش الشطرنج منذ الصغر، لتوفر له الرياضة مساحة للتسلية، على حد تعبيره، خصوصاً أن المواجهات تكون مع لاعب بشري وواقعية، بخلاف أجهزة اللعب العصرية كالبلايستيشن، والتي تكون عبارة عن مواجهات مع أشخاص غرباء. وأشار إلى أنه تعلم من هذه الرياضة الصبر والتفكير كثيراً قبل اتخاذ أي خطوة أو نقل أي حجر، موضحاً أن ممارسة اللعبة بشكل واقعي تتيح التعلم من الأخطاء على نحو أكبر، خصوصاً أن من الممكن الاستفادة من الخبرة البشرية، بينما الذكاء الاصطناعي يضع الحلول دون شروحات للاستراتيجية الخاصة بذلك.

«سلمى» لا تفضّل «الأونلاين»

قالت الفتاة المصرية، سلمى أحمد، التي تلعب الشطرنج منذ ثلاث سنوات، إن تلك الرياضة اجتذبتها لأنها تساعد على التركيز، لاسيما أنها تمارس رياضة الجودو أيضاً، مشيرة إلى أنها ليست منقطعة عن الشاشات وألعاب العصر، لكنها وجدت في الشطرنج فرصة لممارسة رياضة مسلية ومختلفة.

وحول اللعب الواقعي و«الأونلاين»، تفضل سلمى الأول على نحو أكبر، ولذا تشارك في البطولات، وتتحضر من خلال التدريب الكثير، وبعد كل خسارة تعيد المحاولة مجدداً، لأنها تتعامل مع الرياضة على أنها مصدر للمتعة.

• لاتزال المعركة تُحسم بما يملكه اللاعب من صبر، وقدرة على قراءة الاحتمالات والتخطيط الاستراتيجي.

الأكثر مشاركة