هل نتحدث مع الحيوانات في 2030؟ الذكاء الاصطناعي يقترب من فك شيفرتها
لم تعد فكرة أن يتمكن الإنسان من فهم ما تقوله الحيوانات مجرد خيال علمي، إذ تدفع التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي الباحثين إلى الاقتراب من تحليل أنماط التواصل لدى أنواع مختلفة من الكائنات، وصولاً إلى احتمال تطوير أدوات تتيح للبشر التفاعل معها بصورة أكثر مباشرة خلال السنوات المقبلة. غير أن هذا التقدم يفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً من الأسئلة الأخلاقية حول حدود التدخل في حياة الحيوانات وحقها في الخصوصية.
وأوردت صحيفة «نيويورك بوست» أن سباقاً علمياً وتقنياً يجري لتطوير أنظمة قادرة على تحليل أصوات الحيوانات وحركاتها، وسط تقديرات بإمكانية تحقيق اختراق كبير في هذا المجال بحلول عام 2030. وتستند هذه الجهود إلى قدرة نماذج التعلم الآلي على التعامل مع كميات هائلة من التسجيلات الصوتية والسلوكية، واكتشاف أنماط يصعب على البشر رصدها بالوسائل التقليدية.
وتتمثل الفكرة الأساسية في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على ربط الأصوات المختلفة بالسياقات التي تصدر فيها، ثم تحديد ما إذا كانت تلك الإشارات تحمل معاني أو رسائل محددة. وقد بدأ باحثون بالفعل باستخدام هذه الأدوات لتصنيف نداءات الحيوانات والكشف عن أنماط متكررة في سلوكها الاجتماعي، ما قد يمثل خطوة أولى نحو بناء نوع جديد من «الترجمة» بين الأنواع.
ومن بين الأمثلة اللافتة أبحاث عالم الأحياء فيتوريو باغليوني، الذي أمضى سنوات في تسجيل وفهرسة نداءات الغربان السوداء. وساعده الذكاء الاصطناعي في معالجة التسجيلات والبحث عن أنماط متكررة، بينها نداءات تستخدمها الغربان لاستدعاء أفراد أخرى عند وجود خطر يهدد العش.
لكن القدرة على فك هذه الإشارات قد تتحول من أداة لفهم الحيوانات إلى وسيلة للتأثير فيها. فبمجرد معرفة النداءات التي تستجيب لها مجموعة معينة من الحيوانات، يمكن إعادة بث هذه الأصوات في بيئتها الطبيعية بهدف جذبها أو دفعها إلى اتخاذ سلوك محدد، وهي ممارسة تعرف باسم «إعادة البث».
ويحذر خبراء من أن استخدام هذه التقنية من دون ضوابط قد يعرّض الحيوانات للإجهاد أو يربك أنظمتها الاجتماعية. وفي حالة الغربان، على سبيل المثال، يمكن لاستغلال نداءات الاستغاثة جذب الطيور إلى أماكن خطرة أو التأثير في علاقاتها داخل المجموعة، فيما قد تجد تقنيات مماثلة تطبيقات أكثر إثارة للقلق لدى أنواع أخرى.
وتتجاوز المخاوف مسألة التلاعب بالسلوك إلى مفهوم أكثر حداثة هو «خصوصية الحيوانات». فالحيوانات التي تعيش ضمن جماعات منظمة قد تمتلك أنظمة اجتماعية معقدة، وقد يكون لبعض إشاراتها وظائف مرتبطة بالعلاقات أو المكانة أو التحذير من الأخطار. ويخشى باحثون من أن جمع هذه البيانات وتحليلها على نطاق واسع قد يحرم الحيوانات من أي قدرة على التحكم في كيفية استخدام معلوماتها والتعامل معها.
ويشير سيزار رودريغيز-غارافيتو، مدير برنامج «الحياة الأكثر من بشرية» في جامعة نيويورك، إلى أن إعادة بث أصوات الحيوانات تثير إشكالات أخلاقية، لأنها تستند إلى ثقة الحيوان في الإشارة الصوتية وتستخدمها للتأثير في سلوكه.
وليس القلق من هذه التدخلات افتراضاً نظرياً بالكامل. فقد أشارت أبحاث وتجارب سابقة إلى أن تشغيل تسجيلات لأصوات حيوانات مألوفة قد يؤدي إلى استجابات قوية وغير متوقعة. واعترفت عالمة الحيوان كاتي باين، في واقعة تعود إلى عام 2007، بأنها تسببت في ضائقة لفيل بعدما شغلت له تسجيلاً لصوت جده الذي كان قد نفق.
وفي المقابل، يرى مؤيدو هذا المسار العلمي أن القدرة على فهم الحيوانات يمكن أن تفتح آفاقاً مهمة في حماية الأنواع ودراسة سلوكها، خصوصاً الحيوانات المهددة بالانقراض. وقد تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي في مراقبة الأنواع في البرية، واكتشاف علامات الخطر، وفهم العلاقات داخل الجماعات الحيوانية، من دون الحاجة إلى التدخل المباشر في بيئتها.
ويأخذ السباق العلمي بعداً مالياً أيضاً، إذ رُصدت جائزة تبلغ 10 ملايين دولار لمشروع يتمكن من إقامة اتصال ذي معنى مع أحد الحيوانات من دون أن يكون الحيوان مدركاً أن الطرف الآخر هو الإنسان. ويعتقد الملياردير جيريمي كولر، ممول تحدي «كولر-دوليتل»، أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يجعل الوصول إلى هذا الهدف خلال العقد الحالي أمراً ممكناً، مع توقعات بتحقيق اختراق بحلول عام 2030.
وبين الحلم بفك شيفرة الطبيعة والخوف من إساءة استخدامها، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرة الآلة على فهم ما تقوله الحيوانات، وإنما بما سيفعله الإنسان بهذه المعرفة. فحين يصبح من الممكن الاقتراب من «لغة» الكائنات، ستظهر ضرورة وضع قواعد تحدد متى يكون التواصل وسيلة للفهم والحماية، ومتى يتحول إلى شكل جديد من السيطرة على العالم الطبيعي.