أطفال الإمارات.. مواهب تصنع من الشغف قصص نجاح استثنائية
من الزراعة والقراءة إلى ريادة الأعمال والابتكار، وصولاً إلى سباقات السيارات العالمية، تكشف تجارب البراعم الإماراتية الواعدة عن ملامح جيل يبدأ مبكراً في رسم طريقه نحو المستقبل. جيل لا يكتفي باكتشاف هواياته، بل يجد في البيئة التعليمية والمجتمعية مناخاً يتيح له التجربة والتعلم والمنافسة، وتحويل الأفكار والشغف إلى مشاريع وإنجازات ملموسة.
وتتنوع هذه التجارب في مساراتها وتفاصيلها، لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة، تتمثل في أن الاستثمار في الطفل لا يبدأ عندما يكبر، بل منذ اللحظة التي يكتشف فيها موهبته. وفي الإمارات لم تعد الطفولة مجرد مرحلة انتظار لما سيأتي، بل أصبحت مساحة مبكرة لصناعة الموهبة وبناء الثقة وتعزيز روح المبادرة.
أفكار صغيرة
البداية مع الطفل الإماراتي علي سليمان الخطيبي الكعبي، الذي شارك في مسابقة «مبتكرون»، مقدماً نموذجاً يجمع بين الابتكار العلمي والمسؤولية المجتمعية. ونجح علي في تطوير وسيلة تعليمية لأصحاب الهمم من المكفوفين، تعتمد على أرقام بارزة بلغة «برايل» وتسجيل صوتي، في ابتكار يسعى إلى تسهيل عملية التعلم، وتعزيز استقلالية المستخدمين. كما سجل مشاركات في مسابقات علمية ومبادرات لمواجهة التنمر، في مسار يعكس اهتمامه بالبحث عن حلول عملية لقضايا تمس المجتمع.
ويؤكد: «نجاحي وفوزي بفئة أفضل تنفيذ فني لم يكن مجرد إنجاز شخصي، بل رسالة ملهمة بالنسبة لي بأن ما أقدمه يمكن أن يحدث فرقاً في بيئتي ومجتمعي عموماً. فيما أطمح مستقبلاً إلى مواصلة تحقيق الصدارة، والاستمرار في تطوير ابتكارات تخدم الناس، وتسهم في رفع اسم وطني عالياً».
بوابة التميز
وفي مسار ثقافي مختلف، صنعت الطفلة سجى الزيودي حضورها في مجالات متنوعة، انطلقت من القراءة، مروراً بالإلقاء الشعري والعمل التطوعي، وصولاً إلى المسابقات القرائية والثقافية التي حققت فيها مراكز متقدمة.
وإلى جانب اهتمامها بالقراءة، عملت سجى على تطوير موهبتها في إلقاء الشعر وتقديم الفعاليات، كما خاضت تجربة الكتابة مبكراً من خلال تأليف أول قصة قصيرة لها حملت عنوان «مسيرة الاتحاد»، لتضيف إلى تجربتها الثقافية مساحة جديدة تجمع بين القراءة والإلقاء والكتابة.
وتقول: «كنت سعيدة للغاية بقراءة كتابَي (قصتي) و(40 قصيدة من الصحراء) لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، فضلاً عن قراءة قصص الأنبياء والعديد من القصص الأخرى التي أهلتني للفوز بهذه المبادرة القرائية المهمة».
وتتابع: «كما شاركت في (تحدي القراءة العربي)، ونلت المركز الخامس، فيما أسعى جاهدة لتقوية مهاراتي في مجال القراءة للفوز بالمركز الأول لاحقاً، وتحقيق حلمي بأن أصبح شاعرة تمتلك ناصية القوافي والشعر مستقبلاً».
الاستدامة وروح المبادرة
ومن مدينة العين، انطلقت تجربة الطفل الإماراتي مصلح سعيد العرياني مع الزراعة، حيث توطدت علاقته بالأرض منذ سنواته الأولى، قبل أن تتحول مساحة صغيرة في منزل أسرته إلى حديقة تنتج نحو 15 نوعاً من الخضراوات من دون استخدام المبيدات أو الأسمدة الكيميائية.
ومع تطور هذه التجربة، لم تبقَ الزراعة نشاطاً منزلياً يمارسه بدافع الهواية، بل انتقلت خبرته إلى محيطه المدرسي، حيث شارك العرياني في مشروع زراعي، وأصبح قائداً لفريق يقدم ورشاً عملية للأطفال الأصغر سناً، ناقلاً ما تعلمه من تجربة شخصية إلى معرفة يمكن مشاركتها مع الآخرين.
ولم يتوقف شغفه عند الزراعة، بل امتد إلى الطهي باستخدام محاصيل حديقته، وإلى مشروع تراثي بيئي مكّنه من الحصول على رخصة تجارية، والمشاركة بمنتجاته في المعارض. وهكذا، اتسعت التجربة لتجمع، في سن مبكرة، بين الاهتمام بالاستدامة، واكتساب مهارات متنوعة وروح المبادرة، في نموذج يربط بين الهواية والعمل والإنتاج.
العطاء المجتمعي
أما ماجد عمر، المعروف بلقب «شيخ السعادة»، فاختار أن يركز موهبته على «صناعة الفرح»، ليجوب إمارات الدولة بسيارته الصغيرة، موزعاً الورود والهدايا الرمزية من دون مقابل، في مبادرة مجتمعية لافتة، اتسعت من فعالية محلية إلى زيارات لمؤسسات ومراكز تجارية ومستشفيات.
واختار ماجد أن يجعل من المبادرات البسيطة وسيلة للتواصل مع الناس، ورسم الابتسامة على وجوههم، منطلقاً من قناعة بأن الأثر الإيجابي لا يرتبط دائماً بضخامة المبادرة، بل بما تتركه من مشاعر لدى الآخرين.
ويقول: «قررت المشاركة بطريقة مختلفة، لا لبيع أو عرض منتجات، بل لنشر السعادة في قلوب الناس، عبر توزيع الورود والهدايا على الناس دون أي مقابل.»
ويضيف: «نحن أبناء زايد، تعودنا على العطاء، لأن السعادة الحقيقية هي أن ترى الفرح في عيون الناس، وهذا ما يجعلني لا أقيس إنجازي بعدد الورود أو المسافات التي أقطعها، بل بعدد الابتسامات التي أراها كل يوم على الوجوه».
التاجر الصغير
ومن صناعة الفرح إلى عالم ريادة الأعمال، نجح غيث الرميثي في تحويل شغفه بتصميم زينة وإكسسوارات الأحذية إلى مشروع تجاري يحمل اسم «TheGeeClub»، قبل أن يوسع نطاق منتجاته ليشمل الحقائب وأغطية الهواتف والميداليات وحوامل البطاقات. واستند غيث في تطوير منتجاته إلى تصاميم مستوحاة من الثقافة والتراث الإماراتي، جامعاً بين اهتمامه بالتصميم ورغبته في تقديم منتجات تحمل ملامح من الهوية المحلية. ومع اتساع مشاركاته، بدأ يواجه تحديات مرتبطة بطبيعة السوق وتكاليف عرض المنتجات، الأمر الذي دفعه إلى البحث عن حلول جديدة تتيح له تطوير مشروعه.
ويؤكد لـ«الإمارات اليوم»: «حين رغبت في توسيع نشاطي والمشاركة في المعارض الكبيرة، واجهت تحدي ارتفاع تكاليف المعارض مقارنة بسعر منتجاتي البسيطة، لذلك فكرت في حل مبتكر، وأنتجت حامل بطاقات الهاتف، ووضعت عليها تصاميم مستوحاة من أبرز معالم الإمارات والشخصيات البارزة وتراث الصقور».
ويضيف: «حققت مبيعات بقيمة 50 ألف درهم خلال مشاركتي الأولى في معرض الصيد والفروسية بأبوظبي، وأفكر جدياً في توسيع مشروعي ليتضمن تصميم وبيع نوعية خاصة من القمصان والملابس الخاصة، كما أطمح للتعاون مع أطفال من عمري لنتشارك معاً أفكارنا في التصميم، نكبر معاً وتكبر معنا مشاريعنا الطموحة التي تخدم مجال الريادة في الإمارات».
عين على «الفورمولا 1»
من عالم التجارة وريادة الأعمال إلى حلبات السرعة، يشق يوسف نواف الخياط طريقه في سباقات «الكارتينغ»، مدفوعاً بحلم الوصول يوماً إلى سباقات «الفورمولا 1»، في رحلة بدأت بشغف مبكر بالسيارات والسباقات، وتحولت تدريجياً إلى طموح يسعى إلى تطويره بالتدريب والمشاركة المستمرة.
ويقول بفخر واضح: «منذ الصغر وأنا أحب السيارات والسباقات، وكنت دائماً أتابعها مع والدي بكل شغف. ثم انطلقت لتطوير مهاراتي في هذا المجال، في محاولة للتدريب بشكل مستمر، ومع كل تدريب وكل سباق أخوضه، كان شغفي يزداد وحلمي يكبر بتحقيق إنجازات أكبر، وتمثيل الإمارات في أكبر بطولات العالم، ورفع علم بلادي عالياً على منصات التتويج الأبرز».