خبيرة زمرد وياقوت: أرض الإمارات الطيبة تزخر بكنوز فاخرة
تحت شعار «أساطير الأحجار.. من باطن الأرض للمجوهرات»، تخوض خبيرة الأحجار الميدانية والمصممة الإماراتية، فاطمة المهيري، رحلة تتجاوز حدود تصميم قِطَع الزينة، إلى البحث في أصل الحجر وقصته وتكوينه الجيولوجي، وصولاً إلى تحويل ما تختزنه الأرض من كنوز وخامات طبيعية فريدة، إلى أجمل قطع مجوهرات فاخرة تحمل هوية المكان وذاكرته، في الوقت الذي تكتسب تجربتها المغايرة في المجال، بُعداً إماراتياً خاصاً، مع انتقالها من نطاق مختبرات التصميم إلى مساحات استكشاف ودراسة الأحجار الطبيعية الموجودة في أرض الدولة، والعمل على فحصها وصقلها وإدخالها في تصاميم استثنائية، تستلهم البيئة والتراث المحليين، في مسار تطمح من خلاله فاطمة إلى الإسهام في تأسيس حضور محلي أكثر تخصصاً في عالم الأحجار الكريمة، وتحويل الذاكرة الوطنية والهوية والانتماء إلى حكايات تروى من خلال المجوهرات.
واستهلت فاطمة حوارها مع «الإمارات اليوم» من بدايات علاقتها بعالم المجوهرات والأحجار الكريمة، وبالتحديد قبل 17 عاماً، مضيفة: «تخصصي في هذا العالم لم يكن قراراً مفاجئاً، بل كان امتداداً لشغف فطري بالجمال والمهابة التي تحملها هذه الكنوز الطبيعية، حيث بدأ الأمر كملاحظة وتأمل، قبل أن تبدأ رحلتي العملية في تصميم المجوهرات منذ عام 2009، ثم تعمقت أكثر في التصاميم التراثية المستوحاة من هويتنا وجذورنا في 2012، لكن التحول الحقيقي من الشغف والهواية إلى الاختيار المهني، جاء حين أدركت أن تصميم المجوهرات بالنسبة لي، ليس مجرد تركيب قطع زينة، بل لغة للتعبير عن الهوية، وأن التعامل مع الحجر يستلزم فهم سره أولاً قبل صياغته».
عين الخبرة
وأكدت الخبيرة والمصممة الإماراتية أن رحلتها في هذا العالم المملوء بالتفاصيل مرت بمراحل متدرجة، بدأت بالانجذاب البصري إلى المجوهرات، ثم تحويل هذا الاهتمام إلى رسومات وتصاميم تجمع اللمسة العصرية بسحر الأصالة، قبل أن تنتقل إلى تدريب وتدريس تصميم المجوهرات منذ عام 2013.
وتابعت: «أدركت أن عين المصمم وحدها لا تكفي، بل يجب أن أمتلك عين الخبير الميداني والمخبري، لتقييم النقاء والقطع والشوائب الداخلية ومصدر الحجر. وبناء الخبرة في هذا المجال، يقوم على الجمع بين الدراسة الأكاديمية الصارمة والخبرة العملية المباشرة، بدءاً من استخدام الأدوات المخبرية وفحص الخصائص البصرية والفيزيائية للحجر، وصولاً إلى قراءة الشوائب الداخلية التي تُمثّل بصمته الوراثية الخاصة».
لهذه الأسباب مجتمعة، بدأت فاطمة رحلاتها الميدانية من إثيوبيا، قبل أن تنتقل إلى عدد من مواقع التعدين في شرق إفريقيا، من بينها تنزانيا، ثم شرق آسيا لتتبع مصادر أحجار مختلفة، مثل الزمرد والياقوت و«البادبرادشا» و«السبينيل»، مؤكدة أن «رؤية الحجر عند نقطة استخراجه الأولى، تمنح الخبير فهماً لا توفره الكتب وحدها، لأن الميدان يعلمك تقدير القيمة الإنسانية والجهد الجبار خلف كل قيراط يستخرج من أعماق الأرض، كما يعلمك فراسة التقييم السريع للحجر الخام تحت ضوء الشمس الطبيعي، وفهم خفايا التداول والبيع عند مصادر التعدين الأصلية».
وحول حضورها كامرأة إماراتية في بيئات تعدين يهيمن عليها الرجال تقليدياً، اعتبرت فاطمة أن التحدي الأكبر كان إثبات أن وجودها يستند إلى معرفة علمية ومهنية «عندما تطرحين الأسئلة العلمية الدقيقة، وتفحصين الحجر بأدواتك بثقة، وتفاوضين بناء على تقييم صحيح، يتلاشى الاستغراب ويحل محله التقدير والاحترافية».
«روح»
ووصفت فاطمة تجربة العمل على الأحجار الطبيعية الموجودة في الإمارات بأنها من أقرب المحطات إلى قلبها، لارتباطها بالأرض والجذور، مشيرة إلى أن التجربة جاءت في إطار تعاون مثمر مع مؤسسة الفجيرة للموارد الطبيعية لاستكشاف ودراسة الخامات والأحجار الطبيعية في أرض الفجيرة.
وأوضحت: «لم يكن دوري منذ اللحظة الأولى مجرد متلقية، بل شاركت في صياغة وتقييم واستخلاص هذه الأحجار الطبيعية، وقمت بفحص الخصائص الميكانيكية والبصرية، ومتابعة عمليات الصقل والقطع، لمعرفة مدى ملاءمتها لتتحول إلى أحجار كريمة وشبه كريمة صالحة لصياغة المجوهرات الفاخرة، واخترت أن أضع الحجر الإماراتي في مجموعة تعبر عن روح المكان، مثل تشكيلة (روح الإمارات) التي تم إطلاقها برعاية غرفة تجارة وصناعة الشارقة، ضمن مبادرة (صاغة الإمارات)، واعتمدت على أسلوب يبسط الفخامة بلمسات راقية تبرز الحجر مركزاً للقطعة، وذلك، بعد أن استوحيت الخطوط والأشكال من العناصر الطبيعية الإماراتية والتراث الجغرافي، وركزت أهدافي على ألّا ترتدي المرأة مجرد قطعة ذهب وحجر، بل أن تحمل معها قصة هوية وقطعة حقيقية أصيلة من قلب جبال الإمارات وأرضها الطيبة».
حلم كبير
ولفتت فاطمة إلى أن إدخال حجر من أرض الإمارات إلى عالم المجوهرات يُمثّل بداية لمسار أوسع، معربة عن فخرها بوضع بصمتها على أول تصميم لقطع مجوهرات فاخرة من حجر «الجاسبر» الإماراتي، بمناسبة إطلاقه للمرة الأولى في معرض الشرق الأوسط للساعات والمجوهرات هذا العام.
وأكملت: «استخراج وصقل أحجار من أرض الإمارات لصياغتها في قطع مجوهرات فاخرة هو تحقيق لحلم كبير، كما أراه بداية لمسار استراتيجي واعد، يفتح الباب لتأسيس صناعة وهوية وتخصص إماراتي أصيل في علم الأحجار والتصميم، ويُعزّز حضور الإمارات كدولة ليست فقط مستهلكة للمجوهرات الفاخرة، بل كممر ومصدر ومبتكر لها من رحم طبيعتها الزاخرة بالكنوز».
هوية موثقة
رأت الخبيرة ومصممة المجوهرات فاطمة المهيري أن التوثيق بالنسبة لخبيرة الأحجار هو الأساس الذي يمنح القطعة قيمتها الاستثمارية والتاريخية. وقالت: «لقد قمت بإصدار شهادات وفحوص مخبرية تحدد الهوية الجيولوجية للحجر، وتثبت خصائصه الفيزيائية ومصدره الجغرافي من أرض الإمارات. أما في خطوة التوثيق السردي، فقد بادرت إلى دمج الجانب العلمي بالقصة التراثية، لتأتي كل قطعة، مع شفرة تاريخية توضح المنطقة التي استخرج منها الحجر، ودوره في التشكيل الجيولوجي للمنطقة، ما يجعل القطعة سنداً تاريخياً تحمله الأجيال، وليس مجرد مقتنى جمالي فحسب».
فاطمة المهيري:
تجربة العمل على الأحجار الطبيعية في الإمارات، أقرب المحطات إلى قلبي لارتباطها بالجذور.
الميدان يعلمك تقدير القيمة الإنسانية، والجهد الجبار خلف كل قيراط يستخرج من أعماق الأرض.
• 2009 بدأت رحلة «فاطمة»العملية في تصميم المجوهرات.