«كاره البشر» لموليير.. سخرية عُمرها قرون تعود إلى خشبة سالزبورغ
استقبلت مدينة سالزبورغ النمساوية عرضاً جديداً لمسرحية «كاره البشر» (Der Menschenfeind)، إحدى أشهر كوميديات الكاتب الفرنسي موليير، ضمن فعاليات مهرجان سالزبورغ للفنون، الذي يجمع سنوياً بين المسرح والأوبرا والحفلات الموسيقية.
وقدم العرض الأول للمسرحية في المهرجان بعدما شهد مسرح ولاية سالزبورغ بروفة بالملابس استعداداً لانطلاق العروض أمام الجمهور، وخلال البروفة، ظهر الممثل الألماني أولي لاغربوش في دور «أورونت»، في مشهد يعكس الاستعدادات النهائية للعمل قبل افتتاحه الرسمي.
وتعود مسرحية «كاره البشر»، المعروفة أيضاً بعنوان «المتذمر» أو «عدو البشر» في بعض الترجمات العربية، إلى الكاتب الفرنسي جان باتيست بوكلان، المعروف باسم موليير، وتُعدّ من أبرز أعماله التي مزجت بين الكوميديا والنقد الاجتماعي، وتتناول المسرحية شخصية «ألكست»، الرجل الذي يرفض النفاق والمجاملات التي تحكم العلاقات الاجتماعية، ويصر على الصراحة المطلقة حتى عندما تتحوّل صراحته إلى مصدر للصدام مع المحيطين به.
ومن خلال شخصية ألكست، يضع موليير المجتمع أمام مرآة ساخرة تكشف التناقض بين القِيَم المعلنة والسلوك الفعلي، لاسيما في العلاقات الاجتماعية التي تقوم على المجاملة والمصلحة والمراوغة. وتتحول الكوميديا في العمل إلى وسيلة لطرح أسئلة تتجاوز زمن كتابتها، حول الصدق والنفاق والحب والسمعة والصورة التي يقدمها الإنسان عن نفسه أمام الآخرين.
ويأتي اختيار «كاره البشر» ضمن برنامج مهرجان سالزبورغ ليعيد تقديم نص كلاسيكي لايزال يحتفظ بقدرته على مخاطبة الجمهور المعاصر، فالقضايا التي تناولها موليير قبل قرون لاتزال حاضرة في الحياة الاجتماعية الحديثة، وإن تغيّرت أشكالها، ما يمنح النص قابلية مستمرة لإعادة القراءة والتفسير على الخشبة.
وتبرز شخصية «أورونت»، التي يؤديها أولي لاغربوش، ضمن شبكة العلاقات التي يبنيها موليير حول بطله الرئيس، إذ تتداخل الرغبات الشخصية مع قواعد المجتمع ومجاملاته، ويصبح الصراع بين الصراحة واللياقة الاجتماعية أحد المحاور الأساسية للحكاية.
وتُشكّل بروفة الملابس محطة مهمة في التحضير للعرض، إذ ينتقل فريق العمل خلالها إلى أجواء أقرب إلى العرض النهائي، من حيث الأزياء والإضاءة والحركة والأداء المسرحي، بما يسمح بضبط التفاصيل الفنية قبل استقبال الجمهور.
ويأتي العرض في إطار مهرجان سالزبورغ، الذي يُعدّ من أبرز المهرجانات الفنية الأوروبية، ويمنح الأعمال المسرحية الكلاسيكية والمعاصرة مساحة للقاء جمهور دولي، إلى جانب عروض الأوبرا والموسيقى التي تُشكّل ركائز أساسية في برنامجه.
ومن خلال إعادة تقديم «كاره البشر»، يواصل المهرجان تقليداً يقوم على إبقاء النصوص الكلاسيكية حاضرة في المشهد المسرحي، ليس باعتبارها أعمالاً محفوظة في التاريخ، وإنما كنصوص قابلة لإعادة التفسير بما يتلاءم مع الأسئلة الفنية والاجتماعية في كل مرحلة.
وهكذا تعود كوميديا موليير إلى سالزبورغ في قراءة مسرحية جديدة، حاملة معها سخرية الكاتب الفرنسي من عالم تحكمه الأقنعة والمجاملات، ومؤكدة قدرة المسرح الكلاسيكي على الاحتفاظ بحضوره حين يجد مخرجوه وممثلوه لغة جديدة للتواصل مع الجمهور المعاصر.
• مهرجان سالزبورغ من أبرز المهرجانات الفنية الأوروبية، ويمنح الأعمال المسرحية الكلاسيكية والمعاصرة مساحة للقاء جمهور دولي.