على مائدة تعتز بلمة كبار المواطنين.. برياني ولحم ناشف و65 عاماً من الحنين
في منطقة المريجة بالشارقة، حيث تختزن الأزقة القديمة حكايات المدينة وتحولاتها، لايزال مطعم «زمزم» يفتح أبوابه لرواده، بعد نحو 65 عاماً على تأسيسه، وبينما تغيرت ملامح المدينة، وانتقلت عائلات من الأحياء القديمة إلى مناطق جديدة، بقي محافظاً على حضوره، مستنداً إلى مزيج من الأكلات الشعبية، وعلاقة طويلة نشأت مع زبائنه جيلاً بعد آخر.
ولا ترتبط زيارة المكان بالطعام وحده، حسب زبائن «زمزم» الذين التقتهم «الإمارات اليوم»، وإنما بذاكرة شخصية واجتماعية بدأت منذ عقود، واستمرت مع الآباء والأبناء والأحفاد.
ومن بين رواد المطعم الذين يحملون في ذاكرتهم سنوات طويلة من الزيارات، عبدالحميد عبدالقادر الموزي، الذي يأتي إلى «زمزم» منذ نحو 30 عاماً، مؤكداً أن جودة الطعام والأسعار المناسبة من أبرز الأسباب التي جعلته مستمراً في زيارته. وأشار إلى أن من أكثر الأكلات التي يفضلها المرق والبراتا والكيما والدجاج المقلي وبرياني اللحم.
وكذلك من الوجوه التي ارتبطت بالمكان على مدى سنوات طويلة، سلطان كلباوي، الذي قال إن المطعم يمثل وجهة للمواطنين، خصوصاً سكان المريجة، الذين اعتادوا ارتياده منذ فترة طويلة، كاشفاً عن أن علاقته بالمطعم امتدت إلى أفراد أسرته، وتُعدٌّ جودة الأكل وحسن التعامل مع الزبائن من أبرز أسباب استمرار المكان.
وتابع: «تعودنا منذ صغرنا على الأكل الشعبي، ومازلنا نحب هذه الأطباق، ونرتاد المطعم من أجلها».
الحفاظ على الهوية
من جهته، قال مالك رخصة المطعم، جاسم حسن الزريف، إن «زمزم» بدأ بصورة بسيطة، ثم تطور تدريجياً مع مرور السنوات، حتى أصبح اليوم بالصورة التي يراها الزبائن، مع الحفاظ على هويته وتاريخه، مشيراً إلى أن المطعم يعد من بين الأقدم، ومن الوجهات التي تستقطب أبناء الشارقة وضواحيها.
وأضاف أن «زمزم» لا يمثل مكاناً لتقديم الطعام فحسب، وإنما يعكس جانباً من ماضي الإمارة، ويحافظ على ذاكرة ارتبطت بالمكان وأهله على مدى عقود.
من ناحيته، أكد مدير المطعم، شاكر عبدالكريم، أن الاستمرارية طوال هذه السنوات تعود إلى العلاقة التي نشأت مع الزبائن جيلاً بعد آخر «إذ أصبح المطعم جزءاً من حياة أسر كثيرة، وكان الآباء يأتون إليه، ثم اصطحبوا أبناءهم، واليوم نشاهد الأحفاد أيضاً بين رواده». وأوضح أن «زمزم» حافظ على طبيعة الأطباق التي اشتهر بها منذ سنوات، خصوصاً البرياني والكيما واللحم الناشف والروبيان والعدس والدجاج والسمك والبراتا، إلى جانب أكلات شعبية أخرى.
وتابع عبدالكريم: «نقدم الأكل الشعبي، ونحرص على أن تكون النكهات قريبة من ذوق المواطنين، وألا تكون الأطعمة حارة بصورة مبالغ فيها، لأن هذا ما اعتاده زبائننا طوال السنوات الماضية»، لافتاً إلى أن البرياني من أكثر الأطباق شهرة لديهم، خصوصاً برياني الروبيان والدجاج واللحم.
وأفاد بأن المواطنين يمثلون النسبة الأكبر من رواد المطعم، نحو 90%، وهو ما يعكس، بحسب وصفه، عمق العلاقة التي تربط «زمزم» بالمجتمع الإماراتي. وتابع: «يأتي إلينا المواطنون من مختلف مناطق الشارقة، وكذلك من دبي وأبوظبي والفجيرة ورأس الخيمة، وهناك من اعتادوا زيارتنا منذ سنوات طويلة، وبعضهم يأتي برفقة أبنائه وأحفاده».
أحاديث يومية
ورأى عبدالكريم أن خصوصية «زمزم» لا ترتبط بالطعام وحده، إذ أصبح مكاناً للقاء والتواصل بين أبناء المجتمع، خصوصاً كبار المواطنين، فهناك زبائن يأتون لتناول الفطور، وبعد الانتهاء من الطعام يجلسون لبعض الوقت ويتبادلون الأحاديث ويتسامرون، ثم يتفرقون ويعود كل منهم إلى منزله.
واعتبر أن هذه العادة أصبحت جزءاً من المشهد اليومي للمطعم، إذ إن كثيراً من الرواد لا ينظرون إلى «زمزم» كمكان لتناول الطعام فقط، وإنما كمكان يلتقون فيه بأصدقاء ومعارف قدامى. وبذلك، تحولت بعض طاولات المطعم إلى ما يشبه مجلساً يومياً غير رسمي، يجتمع حوله الرواد لتناول الطعام واستعادة الأحاديث والذكريات.
أسعار في المتناول
وشدد عبدالكريم على أن «سر استمرار (زمزم) لا يرتبط بعامل واحد، وإنما بمجموعة من التفاصيل التي حافظ عليها المطعم طوال عقود، من جودة الأكل إلى الأسعار المناسبة، مروراً بعلاقة العاملين بالزبائن، والحرص على أن يبقى المطعم كما عرفه الناس، ونحاول التطوير عندما يكون ذلك ضرورياً، لكن من دون أن نفقد هويته أو الأكلات التي ارتبط بها الزبائن».
ولا تنفصل استمرارية المطعم عن سبب آخر، وهو الأسعار التي بقيت في متناول شريحة واسعة من المجتمع، حسب زبائن وموظفين بـ«زمزم»، إذ قال أحد العاملين، وهو محمد أنور، إن الإدارة حرصت على المحافظة على أسعار يستطيع مختلف أفراد المجتمع تحملها.
وأوضح أن سعر بعض الوجبات يبدأ من 12 درهماً مع الشاي والماء والخبز وبعض الإضافات، فيما يبلغ سعر برياني الدجاج نحو 15 درهماً، واللحم والروبيان والسمك نحو 22 درهماً، مشيراً إلى إمكانية تناول وجبة لشخصين بنحو 25 درهماً في خيارات عدة.
ونوه بأن المطعم يضم 16 موظفاً، ويبدأ العمل منذ السادسة والنصف صباحاً، ويستمر حتى ساعات متأخرة من الليل.
وبين موائد تجمع كبار السن بعد الفطور، وعائلات تعود إلى المكان جيلاً بعد آخر، وزبائن يقطعون مسافات من أحياء الشارقة الحديثة للوصول إليه، يواصل «زمزم» حضوره في المشهد، فالمطعم الذي بدأ في عام 1961 بصورة بسيطة، لم ينجح في البقاء لمجرد أنه حافظ على وصفات قديمة، بل لأنه حافظ أيضاً على علاقة إنسانية مع رواده. تغيرت المدينة، وتبدلت الأحياء، واتسعت المسافات، لكن رائحة الأطباق التي يعرفها الزبائن بقيت تقودهم إلى المريجة.
وهنا تكمن حكاية «زمزم» الذي لم يكتفِ بأن يعيش 65 عاماً، وإنما أصبح جزءاً من ذاكرة المكان، يحتفظ على موائده بحكايات الآباء والأبناء والأحفاد، ويجمع في يومه العادي بين الأكلات واللقاءات والحنين.
لا «توصيل»
من المفارقات التي حافظ عليها «زمزم» أنه لا يقدم خدمة توصيل الطلبات إلى المنازل، وهو ما لم يمنع زبائنه من الاستمرار في الإقبال عليه، بل أصبح حضورهم جزءاً من العادة التي تربطهم به، حسب مدير المطعم شاكر عبدالكريم الذي أضاف: «إذا كان لدى الزبون ضيوف في المنزل، نقوم بإعداد الوجبات التي يطلبها، ثم يأتي بنفسه لتسلمها، وهذه العادة مستمرة منذ سنوات».
وأكد أن ارتباط الزبائن بالمطعم تجاوز حدود المريجة، فعلى الرغم من أن عدداً منهم غادر مناطق وسط الشارقة وانتقل لأحياء حديثة، لكنه ظل حريصاً على العودة إلى «زمزم».
. 1961 العام الذي يعود إليه تأسيس المطعم.