مشاري العفاسي يقرأ «المُعلَّقات».. بلغة العصر الرقمي

من صفحات الكتب ومناهج الدراسة إلى منصات الاستماع والمحتوى الرقمي، تخوض «المعلّقات» رحلة جديدة لاستعادة حضورها لدى الأجيال المعاصرة، عبر مشروع ثقافي وفني يقدّم بصوت المنشد والقارئ الكويتي مشاري راشد العفاسي، في معالجة تجمع بين النص العربي القديم والأداء الصوتي الملحّن والرؤية البصرية الحديثة.

وحتى الآن، قدّم العفاسي ثلاثاً من أشهر المعلقات العربية، بدأها بمعلقة عمرو بن كلثوم، ثم معلقة لبيد بن ربيعة، وصولاً إلى معلقة امرئ القيس، في مشروع يبدو أنه يسعى إلى إعادة تقديم هذا الإرث الشعري الرفيع بلغة فنية أقرب إلى ذائقة الجمهور الرقمي، من دون التفريط في النص الأصلي أو فصاحته.

وتكتسب التجربة خصوصيتها من اعتمادها على نصوص مضبوطة ومحققة، بالتوازي مع أداء صوتي يتعامل مع القصيدة بوصفها نصاً قابلاً للعيش من جديد، لا مجرد أبيات محفوظة في كتب التراث، إذ يوظف العفاسي طبقات صوته والإيقاع والمقامات بما ينسجم مع تحولات المعنى، وينقل المستمع بين الفخر والحماسة والحكمة والحنين ووصف الطبيعة.

صوت الحماسة

كانت البداية مع معلقة عمرو بن كلثوم، إحدى أشهر قصائد الفخر والحماسة في الشعر العربي، بما تتسم به من قوة اللغة واعتداد الشاعر بقبيلته وحضور النبرة العالية في أبياتها.

وقدّم العفاسي المعلقة استناداً إلى نص حققه الباحث اللغوي الدكتور فيصل المنصور، ليجمع المشروع بذلك بين الانتشار الواسع الذي توفره المنصات الرقمية والحرص على سلامة النص ودقته، بعيداً عن بعض النسخ غير الموثقة التي تنتشر عبر شبكة الإنترنت.

وفي الأداء، لا يكتفي العفاسي بتلاوة الأبيات، وإنما يعيد تشكيل أجوائها صوتياً، من خلال تنويع النبرات والإيقاعات بما يواكب انتقال القصيدة بين صورها ومعانيها، لتبدو المعلقة أقرب إلى عمل فني متكامل، مع الحفاظ على جزالة اللغة وفصاحتها.

حكمة الصحراء

في المحطة الثانية، انتقل المشروع إلى معلقة لبيد بن ربيعة، التي تُمثل نموذجاً مختلفاً في نبرة القصيدة ومزاجها، إذ تجمع بين الوقوف على الأطلال ووصف الطبيعة والتأمل في الإنسان والحياة وتقلباتها.

وهنا اتخذ الأداء منحى أكثر هدوءاً وتأملاً، بما ينسجم مع طبيعة أبيات لبيد وحضور الحكمة فيها. ويمنح هذا التحول المستمع تجربة مغايرة عن المعلقة الأولى، ويكشف في الوقت نفسه عن قدرة الأداء الصوتي على التعامل مع اختلاف الأغراض الشعرية، من الحماسة والفخر إلى التأمل والحكمة.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها لا تقدم القصيدة القديمة باعتبارها أثراً أدبياً بعيداً، بل تحاول استعادة حضورها بوصفها نصاً إنسانياً لايزال قادراً على مخاطبة المتلقي المعاصر، متى ما أعيد تقديمه في قالب مناسب.

امرؤ القيس.. محطة ثالثة

أما المحطة الثالثة، فجاءت مع معلقة امرئ القيس، أحد أبرز شعراء العصر الجاهلي، وصاحب واحدة من أشهر القصائد العربية التي ارتبطت بوصف الطلل والليل والرحلة والطبيعة. وأعلن العفاسي عن العمل بوصفه «المعلقة الثالثة» ضمن مشروعه، معتمداً كذلك على تحقيق الدكتور فيصل المنصور، في تأكيد على حضور الجانب التوثيقي إلى جانب المعالجة الفنية.

وتمنح طبيعة معلقة امرئ القيس مساحة واسعة للأداء، نظراً إلى تنوّع صورها وانتقالاتها بين الذكريات ووصف المكان والطبيعة ومشاهد الرحلة، وهو ما يتيح تحويل النص إلى تجربة سمعية تتجاوز القراءة التقليدية.

التراث بثوب معاصر

تكمن أهمية التجربة في أنها تضع واحداً من أبرز كنوز الشعر العربي أمام جمهور اعتاد المحتوى السريع، من دون اختزال النصوص أو تبسيط لغتها.

وبذلك، لا يقتصر المشروع على «إحياء» نصوص قديمة، بل يعيد اختبار قدرتها على الوصول إلى المتلقي الجديد. فالمعلقة التي ظلت قروناً حبيسة الكتب وحلقات الدرس، تجد اليوم طريقاً آخر إلى الجمهور، عبر الهاتف والمنصة الرقمية وسماعات الأذن، لتتحول من نص تراثي محفوظ إلى تجربة صوتية معاصرة.

. تكمن أهمية التجربة في أنها تقدّم واحداً من أبرز كنوز الشعر العربي لجمهور اعتاد المحتوى السريع.

الأكثر مشاركة