إماراتي من أصحاب الهمم يكتب قصته بالأمل: العزيمة غيّرت مساري

«أنا من أصحاب الهمم، شُخّصت باضطراب التوحد، لكنني قررت الخروج من عنق الزجاجة، والانفتاح على المجتمع من حولي».. بهذه الكلمات يقدم الشاب الإماراتي، أحمد الملا، نفسه، مجسداً إرادة قوية عبرت الصعاب، متخذاً من التحدي جسراً للعبور نحو آفاق شغفه المتعدد، وذلك بعد أن نجح في كسر كل القوالب النمطية لأصحاب الهمم، ليُثبت لمن حوله قدرة هذه الفئة الخاصة على التميز، منطلقاً من رحلة ملهمة، تجمع بين صناعة المحتوى الرقمي والكوميديا الارتجالية والموسيقى، حاملاً رسالة عابرة للحدود تراهن على تحسين جودة حياة الفئة التي ينتمي إليها، وقدرة أصحابها على التميز في مختلف المجالات، وصناعة أثر فاعل وبناء حضور مثمر.

وفي بداية حواره مع «الإمارات اليوم»، فضّل أحمد الملا سرد حكايته الشخصية، مؤكداً بفخر هويته: «أنا شاب إماراتي من أصحاب الهمم، اكتشفت تشخيصي باضطراب التوحّد، واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، واضطراب القلق العام، وعسر القراءة وعسر الأداء الحركي منذ الصغر، لكنني وإن انغلقت على نفسي في البداية، فإنني قررت لاحقاً التعامل مع هذا الواقع بانفتاح، والخروج من عنق الزجاجة للارتقاء بنفسي، والانفتاح على المجتمع من حولي».

وأضاف: «إصراري على بلوغ أحلامي اليوم لا يتوقف عند قصتي الشخصية، بل يمتد لسعيي الحثيث إلى تحسين حياة الآخرين ممن يعانون هذه الاضطرابات، أو حتى ذوي الإعاقات الذهنية أو الحركية أو الحسية، خصوصاً أن الكثيرين في مجتمعنا وفي عالمنا العربي عموماً، يفضلون التكتم على هذه التحديات أو مجرد الإفصاح عنها خوفاً من نظرة الناس».

صعوبات

وأكمل أحمد: «لم يكن التعامل مع الناس بالنسبة لي سهلاً دائماً، فقليل منهم تفهّم وضعي، بينما واجهت صعوبات جمة مع كثيرين، وهذا ما دفعني اليوم لتقبّل الجميع، ليس لأنني سئمت الشروحات، بل لأنني لا أستطيع تغيير آراء الناس من حولي من جهة، وأسعى باجتهاد إلى إيجاد مساحة كافية للتواصل الفعال معهم من جهة أخرى، وهذا برأيي الأهم». لهذه الأسباب مجتمعة، وجد أحمد في الفضاء الرقمي متنفساً للتعبير عن طموحاته في مجالات متعددة حرص على اكتشافها خطوة بخطوة، موضحاً: «منذ صغري رغبت في القيام بنشاط اجتماعي مؤثر، لكن نقطة التحول جاءت في الثلاثينات من عمري، عندما حضرت ندوة والتقيت ناشطة في التواصل الاجتماعي، ساعدتني وشرحت لي كيفية تقديم محتوى رقمي مؤثر وناجح».

وتابع: «في البداية قدمت معلومات عامة عن اضطراب التوحد، لكن بالتعاون مع مديرة أعمالي، اخترنا عنوان: (imperfectlyahmad) لتكون واجهتي لتقديم محتواي عبر الفضاء الرقمي. وأحببت تقديم نموذج شخص يعيش حياته بطريقة مختلفة، شاركت بعض تفاصيلها ومحطاتها اليومية مع متابعي، فعرضت يومياتي وتجارب سفري إلى بلدان عدة حول العالم، بينما حرصت خلال هذه المحطات على وصف شعوري الحقيقي بشفافية وصدق، ولا أهدف أبداً إلى تقديم نفسي كمدوّن يعكس يومياته بشكل تقليدي متداول، بل أحاول دائماً صنع محتوى يركز على شخصيتي الحقيقية، وما مررت به لأجعل من يتابعني يشعر بالسعادة والأمل».

متنفس كوميدي

وكشف أحمد عن مواهبه التي امتدت إلى خشبة المسرح، واكتشافه قدرته على رسم الابتسامة على وجوه الآخرين. وقال: «بدأت بتقديم الكوميديا في عام 2016 بعد تجربة إقامتي في كندا، وبحثي عبر محركات البحث، عن أفضل أماكن تعليم الكوميديا في دبي، وحصلت على فرصة فريدة مع فنان الستاند آب كوميدي الإماراتي علي السيد والكوميديانة مينا ليتشيوني تعلمت خلالها آداب وفنون كتابة النصوص الكوميدية، والأداء المسرحي الناجح. وأعترف بأن تجربتي الأولى في الكوميديا لم تكن مكتملة وناجحة، لكنها ساعدتني كثيراً في تطوير أدواتي الفنية، لأنجح من بمعية (دوبوميدي) في تقديم ما يزيد على 20 عرض ستاند آب كوميدي، خصوصاً أنها تعد أول وأبرز منصة ومدرسة للكوميديا والارتجال في الإمارات ومنطقة الخليج العربي».

شغف

وحول موهبته الموسيقية، أشار أحمد إلى حرصه على تعلم تنسيق الموسيقى (دي جي) بمفرده في مرحلة مبكرة من العمر، مضيفاً: «أحب سماع الموسيقى التي ساعدتني في بداياتي، ورتبت أفكاري، رغم معاناتي تشتت التركيز، بينما أواصل مساعي الشخصية لتعلم المزيد في هذا المجال، والاعتماد على تفاعل الناس لمساعدتي في تقديم الأفضل مستقبلاً. لكن يبقى حلمي الأكبر متصلاً بالسفر والرحلات الاستكشافية حول العالم».

ولخص أحمد الملا رؤيته الحياتية ورسالته الإنسانية للمجتمع: «الخروج من منطقة الراحة لم يكن سهلاً أبداً بالنسبة لي، إذ واجهت تغيرات ومشكلات عدة، لكن دعم عائلتي في البداية، ومناجاتي المستمرة لله بأنني لا أريد البقاء حبيس المنزل، غيّرت مساري كاملاً، وانتزعتني من ظلمة الانغلاق، وأنا اليوم سعيد للغاية بما وصلت إليه، فالحياة هي أفضل مدرسة للإنسان. وأعتقد أن أهم خطوة لأصحاب الهمم هي تقبّل أنفسهم، حتى وإن شعروا بأنهم ليسوا بخير، فالعالم قد لا يعرف دائماً كيفية التعامل معهم، لهذا السبب أريد مساعدة الناس، وأطمح لأن أكون أول إماراتي يفتتح مساحات مجهزة محلياً وعالمياً لمنح هذه الفئة فرصة عظيمة لإبراز مواهبهم، واكتشاف الحياة بكل جمالياتها».

أساس أكاديمي

إلى جانب حضوره اللافت في الفضاء الرقمي وعلى خشبة المسرح، يستند الشاب أحمد الملا في مسيرته الإبداعية إلى أساس أكاديمي، إذ يحمل البكالوريوس في تخصص الإعلام، وقال: «أميل أكثر إلى الجانب الإبداعي وابتكار الأفكار، وأسعى إلى توظيف مهاراتي كصانع ومبدع محتوى من خلال العمل مع إحدى شركات الأزياء المعاصرة والملابس المعروفة في الإمارات، لأعكس بذلك نموذجاً للإماراتي الطموح الذي استطاع المواءمة بين دراسته الأكاديمية، وشغفه الشخصي، ومتطلبات سوق العمل المؤسسية».

أحمد الملا:

• أطمح إلى أن أكون أول إماراتي يفتتح مساحات مجهزة لمنح أصحاب الهمم فرصة لإبراز مواهبهم، واكتشاف الحياة بكل جمالياتها.

• أهم خطوة لفئة أصحاب الهمم هي تقبّل أنفسهم، حتى وإن شعروا بأنهم ليسوا بخير، فالعالم قد لا يعرف دائماً كيفية التعامل معهم.

• إصابة أحمد شُخّصت منذ الصغر باضطراب التوحّد، واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وعسر الأداء الحركي.

الأكثر مشاركة