مهرة البلوشي: أحببت عالم الرياضة منذ الطفولة. تصوير: أشوك فيرما

مهرة البلوشي.. ترفع راية الوطن من مقاعد التحكيم الدولي

من خطوات الطفولة المتعثرة، والمرح في ممرات حديقة الصفا بدبي، مروراً بحصد الميداليات الملونة في منافسات التايكواندو ومضامير ألعاب القوى، إلى الوقوف في النهاية وبكل ثقة وحزم، في قلب الملاعب الدولية، صاغت الشابة الإماراتية مهرة البلوشي، ابنة الـ22 عاماً، قصة نجاحها الفريدة، لتصبح اليوم أصغر إماراتية تنال شارة التحكيم الدولي في رياضة «الريشة الطائرة»، مكرّسة طموحاتها غير المتناهية لرفع اسم الإمارات عالياً في المحافل الرياضية العالمية، وعكس تجربة نجاح ملهمة لجيل الشباب في تحدي الذات وتحقيق الطموحات الكبيرة.

لم يكن الطريق الذي سلكته الشابة الإماراتية مهرة البلوشي سهلاً، بل بدأ بخطوات صغيرة، وتواصل عبر سنوات من المثابرة والتنقل بين رياضات مختلفة، قبل أن يقودها الشغف والإصرار إلى واحدة من أدق المهام الرياضية وأكثرها مسؤولية. وبين الميداليات التي حققتها لاعبةً، والقرارات الحاسمة التي تتخذها اليوم حكماً دولياً، نجحت ابنة الـ22 عاماً في كتابة قصة استثنائية، مؤكدة أن الطموح الحقيقي لا تحده السن، وأن الإصرار قادر على تحويل التحديات إلى إنجازات ترفع اسم الإمارات في أكبر المحافل الرياضية، وتقدم نموذجاً ملهماً للشباب في السعي نحو تحقيق الأحلام.

مقاعد التحكيم

استعادت مهرة البلوشي، في مستهل حوارها مع «الإمارات اليوم»، بدايات علاقتها بالرياضة، مؤكدة أن شغفها الحقيقي بدأ وهي في السادسة من عمرها، عندما كانت ترافق والدها يومياً للركض في حديقة الصفا بدبي، وهي التجربة التي غرست فيها حب النشاط البدني والانضباط منذ الصغر.

وقالت: «مع دخول المرحلة المدرسية، تنقلت بين رياضات عدة، بدءاً من السباحة مع شقيقتي، ثم ألعاب القوى والماراثونات، مروراً بالكونغ فو والكاراتيه، وصولاً إلى رياضة التايكواندو التي مارستها لأربع سنوات، وحصدت فيها العديد من الميداليات، ما رشحني في عمر 13 عاماً لتمثيل الدولة في إسبانيا سفيرةً للتميز الرياضي في عام 2018».

وحول نقطة التحول المفصلية التي قادتها إلى رياضة «الريشة الطائرة»، قالت البلوشي: «بعد انتهاء جائحة كورونا، اتجهت إلى المشاركة في ماراثونات المشي، قبل أن يقرر إخوتي دخول مجال الريشة الطائرة، ولأنني كنت توّاقة لاختبار نفسي في تحدٍ جديد وإيجاد مساحة لشغل وقتي، قررت في عام 2022 مرافقتهم، وبدأت التدرب واللعب بشغف لمدة ثمانية أشهر».

وتابعت: «نظراً لأن مستويات اللاعبين الذين كنت أواجههم كانت أعلى من مستواي آنذاك، بادرت مدربتي، بعد ملاحظة صمودي وقوة شخصيتي، بترشيحي لدورة تأهيل حكام، مؤكدة أنني سأنجح حتماً في هذا المجال. وهذا ما حصل فعلياً، فقد اجتزت الدورة التدريبية وتفوقت في الامتحان العملي، لأنتقل مباشرة إلى تحكيم أول مباراة، وأبدأ رسمياً مسيرتي حكماً رياضياً دولياً في هذه الرياضة».

قرارات حازمة

توقفت الحكم الدولي مهرة البلوشي عند طبيعة المسؤولية التي يفرضها هذا المجال، والصعوبات التي واجهتها وهي تدخل عالم التحكيم في سن مبكرة، مؤكدة أن الثقة بالنفس والإلمام الكامل بالقوانين هما أساس النجاح.

وقالت: «لاشك في أن رياضة الريشة الطائرة بدأت تحظى منذ نحو خمس سنوات باهتمام محلي ملحوظ، وذلك لاعتمادها بشكل كبير على السرعة الفائقة، خصوصاً في مباريات الرجال التي تتطلب تركيزاً عالياً لحساب 21 نقطة في شوطين من أصل ثلاثة أشواط أساسية».

وأضافت: «للشخصية القيادية في هذه الرياضة دور حاسم في المجال، فعندما أقف في الملعب، رغم صغر سني الواضح للعيان، واثقة بقراراتي ومعرفتي الدقيقة بالقوانين، لا يمكن لأحد أن يؤثر فيّ ولا في أي قرارات أتخذها حتى وأنا في هذا العمر الصغير».

وتابعت: «من هذا المنطلق، يبدأ اللاعبون بتقدير مكانتك واحترامك والاستجابة لقراراتك. كما أن وجود حكام الخط المساعدين يسهل علينا فعلياً اتخاذ القرارات الأدق في مختلف المباريات العالمية ذات المستويات العالية التي نشرف على تحكيمها».

راية الإمارات

تفخر البلوشي بانتمائها إلى اتحاد الإمارات للريشة الطائرة، معتبرة أن مشاركاتها الخارجية تمثل محطة مهمة في بناء مسيرتها الاحترافية، وتسهم في تعزيز حضور الكفاءات الإماراتية في ساحات التحكيم الدولية.

وتابعت: «قمت بتحكيم مباريات في بطولتين لكأس العالم لأصحاب الهمم في البحرين 2026، إضافة إلى مشاركتي في البطولة العالمية الشاطئية في خورفكان 2025. وهذه المشاركات ذات المستوى العالمي العالي تسهم في بناء مسيرتي الاحترافية، وتشعرني بالفخر الكبير لكوني أصغر إماراتية تنال شارة (حكم دولي) في رياضة الريشة الطائرة، نجحت في رفع اسم الإمارات في المحافل الدولية باقتدار، لتثبت للعالم أن أبناء هذا الوطن قادرون على التميز، والوصول إلى أعلى المراتب في العديد من المجالات الرياضية».

رسالة ملهمة

تؤكد مهرة البلوشي أن الرياضة كانت المدرسة التي صنعت شخصيتها، ومنحتها القدرة على تجاوز العقبات ومواجهة التحديات بثقة وإصرار.

وقالت: «علمتني الرياضة الصبر، وصقلت شخصيتي، ففي كثير من الأحيان كانت تمر عليّ أوقات أتكاسل فيها، وأقول إنه قد لا يؤثر إن لم أذهب للتدريب في ذلك اليوم، لكنني اليوم أندم على كل يوم لم أمارس فيه أي نوع من أنواع الرياضة، خصوصاً أن مثل هذه الأوقات لا تعوض أبداً. لهذا، أرغب اليوم في توجيه رسالة للفتيات المنغمسات في عالم وسائل التواصل الاجتماعي لأحدثهن عن فوائد ومكاسب الرياضة التي لا تحافظ على صحتنا فحسب، بل تمنحنا أيضاً رؤية أكثر وعياً للحياة، من خلال الموازنة بين قوة الجسد وصفاء العقل».

مناصب قيادية

لم تُخفِ مهرة طموحها لمتابعة دراستها الأكاديمية، بالتوازي مع عملها الوظيفي، واستكمال مشوارها المتألق في رياضة الريشة الطائرة، قائلة: «أدرس بجد، وأعمل بتفانٍ، وأمارس الرياضة بانتظام يومياً، أما عيني فسأبقيها دوماً على أهدافي للوصول إلى مناصب رياضية وقيادية عليا، كأن أصبح وزيرة للشباب مستقبلاً، لأكون مصدر فخر لبلادي، وقدوة قادرة على مساعدة الأجيال الأصغر، وتحفيزهم على الإبداع، العطاء والتميز».

مهرة البلوشي:

. للشخصية القيادية في هذه الرياضة دور حاسم، فلا يمكن لأحد أن يؤثر فيّ ولا في أي قرارات أتخذها حتى وأنا في هذا العمر الصغير.

. الرياضة لا تحافظ على صحتنا فحسب، بل تمنحنا رؤية أكثر وعياً للحياة، من خلال الموازنة بين قوة الجسد وصفاء العقل.

الأكثر مشاركة