كنوز «لا تُقدر بثمن» في حديقة البيت.. علي بن درويش يجمع نوادر الماضي بقرية تراثية

لا يحتاج الزائر إلى شراء تذكرة أو الوقوف في طابور طويل ليعود عشرات السنين إلى الوراء، ففي أحد أحياء إمارة رأس الخيمة، يقوده باب منزل عادي إلى عالم استثنائي، حيث تتحوّل حديقة منزل إلى قرية تراثية نابضة بالحكايات، تضم آلاف القطع التي تختزل ذاكرة الإمارات والمنطقة، جمعها رجل واحد بدافع الشغف، حتى أصبحت رسالة وطنية.

هناك، نجح الهاوي المتخصص في الأعمال التراثية، علي عبدالرحمن بن درويش، في تأسيس متحف نادر يضم نحو 3000 قطعة أثرية وتراثية، قيمتها الحقيقية لا يمكن قياسها بالمال، لأنها تُمثل ذاكرة وطن وتراث أجيال.

اقتطع بن درويش جزءاً من حديقة منزله ليحتضن هذه الكنوز، التي تتصدرها نسخة من القرآن الكريم مخطوطة بخط اليد على جلد غزال أصلي، يعود تاريخها إلى عام 1370 للهجرة. كما يضم المتحف أرقام سيارات تعود إلى ستينات القرن الماضي، ووثائق تاريخية، ومعدات قديمة، وحاجات نفيسة، وأوراقاً نقدية، وطوابع، ومقتنيات أخرى لا توجد إلا في قريته التراثية، إضافة إلى مجسمات تجسد شخصيات ومهناً من الماضي، وصور نادرة، من بينها صور توثق الحركة الرياضية القديمة.

بداية الحكاية

يستعيد بن درويش بداية الحكاية، قائلاً لـ«الإمارات اليوم»: «تم تدشين القرية التراثية (المتحف) في الثاني من ديسمبر، يوم احتفال الدولة بعيد الاتحاد، عام 1999، واخترت ذلك اليوم عرفاناً بمكانة وقيمة دولة الإمارات العربية المتحدة».

ولم يكن اختيار الموعد وحده يحمل دلالة خاصة، بل إن الدافع وراء المشروع ارتبط بإحدى أكثر العبارات رسوخاً في الذاكرة الوطنية. ويقول: «الأمر الذي شجعني على إنشاء المتحف هو المقولة الخالدة للمغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، عندما قال في كثير من المناسبات، وهو يحث ويوجه إلى الحفاظ على تراث الإمارات: (من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر، ولا مستقبل)، لقد تأثرت بهذه المقولة وعملت بها».

ويؤكد بن درويش أن المشروع بدأ كهواية شخصية، قبل أن يتجاوز حدود الشغف الفردي ليصبح رسالة وطنية. ويضيف: «كانت فكرة إنشاء المتحف في البداية مجرد هواية، قبل أن تتحوّل إلى رسالة وطنية، عززتها فرحة الزوار من أبناء الإمارات، خصوصاً طلبة المدارس من مرحلة الروضة حتى الثانوية، إلى جانب المقيمين والمواطنين من سكان الدولة، فضلاً عن أعداد كبيرة من السياح من دول عدة، أتذكر منهم زواراً من فرنسا وألمانيا وقيرغيزستان، ودول أخرى كثيرة».

سفراء المتحف

يشير بن درويش إلى أن أبناء الإمارات أنفسهم أصبحوا مع الوقت سفراء لهذا المتحف، إذ يحرصون على التعريف به في مختلف المحافل، وإرشاد الزوار إلى موقعه، بل مرافقتهم إليه، وهو ما يمنحه شعوراً كبيراً بالفخر ويؤكد أن رسالته وصلت إلى المجتمع.

وعلى الرغم من أن آلاف القطع التي يضمها المتحف تساوي الكثير، فإنه لم يجلس يوماً لحساب قيمتها المالية، مؤكداً أن قيمتها المعنوية والتاريخية أكبر بكثير من أي رقم يمكن أن تحمله.

ومن أكثر المشاهد التي لا تغيب عن ذاكرته، زيارات طلبة المدارس الإنجليزية، الذين كانوا يأتون حاملين دفاترهم لتدوين المعلومات، ثم يعودون في اليوم التالي برفقة أولياء أمورهم ليشاركوهم ما شاهدوه داخل المتحف. ويقول: «على الرغم من أن الشرح والرد على الاستفسارات يستغرقان وقتاً وجهداً كبيرين، فإن رؤية الفرحة في عيون الزوار، ولاسيما الأطفال، كانت تسعدني كثيراً، وتشجعني على تقديم المزيد».

مقتنيات نادرة

بين مقتنيات المتحف قطعة صغيرة لها مكانة خاصة في قلب صاحبها، هي «المسحنة»، وهي مكحلة للعين تعود إلى جدته، التي ورثتها بدورها عن أقرانها في الماضي، ومازالت حتى اليوم محتفظة بحالتها الممتازة، لتروي بدورها جانباً من تفاصيل الحياة اليومية للأجيال السابقة.

كما يضم المتحف أيضاً أواني صُنعت قبل عشرات السنين في اليابان، وتُعد نادرة جداً، ووثائق يعود تاريخها إلى ما قبل قيام اتحاد دولة الإمارات، إضافة إلى أقدم تأشيرة سفر صادرة من دولة الكويت. وفي زاوية أخرى، يقف «دكان سدروه» شاهداً على تفاصيل الحياة القديمة، وهو واجهة تضم كل ما كان يحتاج إليه الناس قبل خروجهم إلى البحر، من الدهان، ومواد الغسيل، وقِرَب التمر، والفحم، واللومي اليابس، والحطب، إلى جانب صور لبعض الأكلات القديمة، والأدوية الشعبية التي كانت تستخدم قديماً.

حلم

لا يتوقف حلم علي عبدالرحمن بن درويش عند حدود ما أنجزه حتى اليوم، إذ يتطلع إلى الحصول على مساحة أو مكان مخصص ليقيم عليه متحفاً نظامياً مزوّداً بأحدث وسائل العرض والحفظ، ليستوعب مقتنيات جديدة، ويضمن الحفاظ عليها للأجيال المقبلة، إلى جانب إنشاء مركز وطني يسلط الضوء على هذه الكنوز التراثية، ويشرح تاريخها للزوار، آملاً أن يحظى هذا المشروع بالاهتمام والدعم، ليبقى الماضي حاضراً في ذاكرة المستقبل.

ليست للبيع

رغم القيمة الكبيرة للمقتنيات، يؤكد علي عبدالرحمن بن درويش أنه يرفض بيع أي قطعة منها، ويتمسك ببقائها في مكانها، مكتفياً بأن تكون زيارة المتحف، أو القرية التراثية كما يفضل تسميتها، مجانية للجميع، إيماناً منه بأن التراث ينبغي أن يبقى متاحاً لكل من يرغب في التعرف إليه.

 

الأكثر مشاركة