معرض «نسير على الحكايات» في دبي.. الفن يعيد تخيّل الأمكنة

تتعدى الشوارع والمدن والخرائط مكانتها الجغرافية في أعمال الفنان السوري، خزيمة العايد، وتأخذ حيزاً عاطفياً، حيث يقوم بإعادة تخيل هذه الأمكنة وتشكيلها وفق توثيق حياتي، لتتقدم الذاكرة على فكرة المدينة، وعبر تقاطعات الخطوط، ووفق طبقات متعددة، يصمم الفنان المدن والشوارع، فيدخل على اللوحة ذات العمق الثلاثي الأبعاد بعض التفاصيل التي تمنحها خصوصيتها، بينما يوظف العديد من المواد والتقنيات لكسر الحدود التقليدية في التركيبات المعقدة التي يقدمها.

ويقدم العايد في معرضه «نحن نسير على الحكايات» الذي يحتضنه «فيريتي غاليري» بدبي، عملاً تفاعلياً شكّل حالة «تريند» على منصات التواصل الاجتماعي، وأثار الكثير من الجدل، إذ استحضر عبر عمله «أنت أعمق مما تظن»، إرث المرآة كأداة مفاهيمية في الفن المعاصر، لاسيما التي استخدمها مايكل أنجلو، عبر تقديم أداء فني يكسر فيه المرآة التي تتكشف خلفها الخطوط والشوارع التي طالما عمل عليها، ليطرح سؤالاً أعمق، وهو: ماذا يحدث عندما لا تعود المرآة سطحاً للانعكاس، بل موقعاً للتساؤل؟

خروج عن المألوف

وقال خزيمة العايد لـ«الإمارات اليوم» عن معرضه في دبي: «أعمل على الأرض، بكل ما تحمله من أشكال حياة، وحاولت الخروج عن المألوف منذ بدأت بهذا المشروع، لأننا اعتدنا الصورة النمطية للفنون الأساسية، لذا تعمدت الدمج بين الرسم والنحت، إلى أن خرجت من اللوحة التقليدية، واستبدلتها بمواد اصطناعية تالفة، ومنها الحديد والخشب والفايبر، وبعض البقايا التي أجدها في الشوارع».

وأضاف: «قدمت فكرة الأرض بأكثر من مشروع، ومنها الأعمال التي تناولت سورية، وكذلك التي تخيلت فيها سقوط الثقب الأسود على الأرض، وبالمجمل هي أعمال تعبر عن الانتماء، لأننا في الشرق الأوسط نشعر بالحاجة دائماً إلى توثيق أيامنا».

وأشار إلى أن أصوله تعود للجولان السوري المحتل، ولطالما كان بعيداً عن الأرض التي ينتمي إليها، فنشأ في الشام، ثم هاجر إلى ألمانيا، وبعدها استقر في دبي، ويرصد هذه الحالة من التشتت والانتماء في أعماله، لاسيما أنه يرى أن الأرض هي ذاكرة، فالشوارع تختزل لحظات وأحلاماً متعددة وتاريخاً قديماً، فيما تعكس الطبقات المتعددة في أعماله الزمن، بدءاً من الحاضر رجوعاً إلى الماضي، كنوع من إعادة التشكيل للذاكرة.

وحول الخرائط في أعماله، لفت إلى أن الشوارع دائماً تحمل علامات تحفظها الذاكرة، وهذه العلامات هي الخرائط الحقيقية التي يتعمد تقديمها، منوهاً ببيت نزار قباني: «أمشي على ورق الخريطة خائفاً، فعلى الخريطة كلنا أغراب»، الذي يمسه جداً، لاسيما أنه تنقل كثيراً، وفي كل مكان يذهب إليه، يسعى إلى العمل على بناء حالة انتماء جديدة لأماكن جديدة وأشخاص مختلفين، وهذا يحتاج إلى وقت وسنين، وهو ما يحاول توثيقه عبر الفن.

طبقات متعددة

تتكون الأعمال التركيبية عند العايد من طبقات متعددة، وهذه الطبقات والرموز انطلق بها من سؤال وجّهه للناس حول أول ذكرى تخطر ببالهم عند ذكر الأماكن، وكانت الإجابات متنوعة جداً، ومن خلالها عمل على توثيق ذاكرة الناس، وليس ذاكرته هو فقط. واعتبر أن هذا توثيق لذاكرة المدن، وداخل الأبنية التي توضع في أعماله، لاسيما أنه أوجد نسيجاً من الأبراج والشوارع القديمة، فكانت مزيجاً من الحاضر والماضي، وهذا يجعل التوثيق يتناسب مع ذاكرة الناس.

ورأى العايد - الذي يدمج بين مواد مختلفة - أن أعماله عبارة عن سلسلة تنوعت فيها المواد، فقد تعلّم كيفية استخدام الحديد إلى أن فهم آلية العمل على الحديد، وكيف يمكن أن تكون سماكته، وما يتناسب معه، فضلاً عن دمج الذاكرة التراكمية، ومحاولة جمعها بهذه الطريقة، فيما كان لون الصدأ مقصوداً للتعبير عن الأثر ومرور الزمن.

على خطى أنجلو

كما قدم العايد عملاً ينتمي إلى الفن الأدائي، إذ جسّد من خلاله كسر المرآة في صياغة مفاهيمية جديدة، والذي أحدث جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، موضحاً أن العمل التفاعلي عبارة عن تجربة، وأنه سعى إلى تقديمه كجزء من مشروع كامل. وأشار إلى أنه سعى إلى طرح عمل سريع، وتجربة تفاعلية. ولفت إلى أن مايكل أنجلو عمل على موضوع المرايا والتكسير، وقد انجذب إلى أعماله كثيراً، إذ طرح أنجلو السؤال حول كيف يمكن أن يرى الإنسان في انعكاس المرآة، ولكنه في المقابل طوّر هذا، وسعى إلى تقديم رؤية ما هو خلف المرآة، معتبراً أن ما هو خلف المرآة هو المفهوم نفسه من الخرائط والشوارع والذاكرة وبعض القطع الصغيرة من المرآة المكسورة، وكيف نرى أنفسنا فيها. وأكد أن التفاعل كان كبيراً مع العمل ولم يتوقعه، مشدداً على حاجتنا في المجتمعات العربية إلى فهم الفن بشكل عام، والفن الأدائي بشكل خاص، الذي يوجد حوله انقسام حتى في الدول الغربية، إذ إنه جديد، وبرؤية الجمهور قد يكون غير واضح.

وأضاف: «الفكرة حين تضيء تختار الوسيط الفني الذي ستقدم فيه، والفن الأدائي يتطلب الشرح، والذي يشاهده يحتاج إلى قراءة ما هو مكتوب عن العمل لفهمه»، داعياً إلى العمل أكثر على تشكيل الثقافة حول الفنون والموسيقى والنحت منذ الصغر.

عملان خاصان

 

يقدم خزيمة العايد عملين خاصين في المعرض، الأول عبارة عن لوحات تجسد الإمارات، والثاني يرصد الوجه العمراني والأبراج في دبي، إذ قدم من خلال اللوحات السبع تاريخ الدولة، والبحر واللؤلؤ، والمرأة التي تقوم بالنسج من خلال الصنارة، والأطفال الذين يركضون، وأبواب الخشب، ورسومات الأبنية، وغيرها الكثير من التفاصيل، منوهاً بأن اللوحة الخاصة بالأبراج من أكثر الأعمال التي تعبّر عن دبي، فهي ترمز إلى المدينة وحالة الصعود المستمر الذي تعيشه.

خزيمة العايد:

• تنقلتُ كثيراً، وفي كل مكان أذهب إليه، أسعى إلى العمل على بناء حالة انتماء جديدة.

• خرجت من اللوحة التقليدية، واستبدلتها بمواد اصطناعية تالفة، ومنها الحديد.

الأكثر مشاركة