جزء أصيل من المشهد الصيفي في الإمارات

من ذاكرة «زمن لوّل».. «الصرناخ» رفيق القيظ والرطب

صورة

ترتبط ذاكرة الآباء والأجداد بالعديد من القصص والتفاصيل التي شكلت ملامح الحياة القديمة في دولة الإمارات، وظلت حاضرة في وجدانهم رغم مرور السنين، ومن بين تلك الذكريات التي تتجدد مع دخول فصل الصيف وبداية موسم «القيظ»، يبرز صوت «الصرناخ»، تلك الحشرة الصغيرة التي تعلن بصوتها العالي قدوم أيام الحر، ونضج الرطب والهمبا واللومي، لتصبح جزءاً أصيلاً من المشهد الصيفي في الإمارات.

ومع ارتفاع درجات الحرارة وبدء موسم جني الثمار، يعود صوت الصرناخ ليتردد في المزارع والواحات وبين الأشجار الكثيفة، تماماً كما كان يسمعه الأجداد منذ عقود طويلة. وبينما يراه بعضهم صوتاً مزعجاً لا يتوقف، يعتبره آخرون أحد الرموز الطبيعية التي ارتبطت بحياة الناس قديماً، حتى أصبح مؤشراً شعبياً على دخول موسم القيظ.

ويُعرف «الصرناخ» بأسماء متعددة تختلف من منطقة لأخرى، إذ يسميه بعضهم «الصرّاخ» أو «الصياح»، فيما يطلق عليه آخرون «زير الحصاد» أو «السراح» أو «الزرنيخ». وعلى الرغم من اختلاف الأسماء، فإن الكل يجمع على أنه صاحب الصوت الأشهر في أيام الصيف.

وتتميز هذه الحشرة بصوتها الحاد والقوي الذي يمكن سماعه من مسافات بعيدة، خصوصاً خلال ساعات النهار. وتعيش لفترة قصيرة نسبياً، إذ تشير الروايات الشعبية المتوارثة إلى أن عمرها يمتد لنحو 40 يوماً فقط، تخصص معظمها للتزاوج قبل أن تنتهي دورة حياتها.

إعلان رسمي

من ناحيته، قال المواطن (أبومحمد)، من مدينة العين، إن ظهور الصرناخ كان بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن بمثابة إعلان رسمي لدخول فصل الصيف، مضيفاً: «في الماضي لم تكن هناك نشرات جوية أو تطبيقات للهواتف تخبرنا بتغير الفصول، لكننا كنا نعرف أن القيظ قد بدأ بمجرد سماع صوت الصرناخ بين أشجار النخيل».

ويتذكر: «كنا نستيقظ في الصباح الباكر فنسمع صوته يملأ المكان، وكان يرافقنا طوال النهار تقريباً، حتى أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في المزارع والواحات. ومع بداية موسمه كنا نعرف أن وقت الرطب قد اقترب، وأن موسم الخير والإنتاج الزراعي قد بدأ».

من جانبه، قال المواطن (أبوعلي)، من مدينة العين أيضاً، إن الصرناخ ارتبط في ذاكرة أبناء جيله بمواسم العمل الزراعي وجني المحاصيل، مشيراً إلى أن كبار السن كانوا يستبشرون بسماع صوته، لأنه يتزامن مع نضج كثير من الثمار الصيفية. وأضاف: «كان الناس قديماً يربطون بين صوت الصرناخ وموسم الرطب والمانجو والليمون. وعندما يبدأ صوته بالانتشار في المزارع، يدرك الجميع أن أيام القيظ قد حلت، وأن الأشجار بدأت تمنح ثمارها».

وأشار إلى أن الأطفال كانوا يحاولون البحث عن الحشرة بين الأشجار لمعرفة مصدر الصوت المرتفع، إلا أنهم غالباً ما يفشلون في العثور عليها بسهولة بسبب تمويه ألوانها وقدرتها على الاختباء بين الأغصان.

حضور طبيعي

ويرى كثير من كبار السن أن الصرناخ يمثل جزءاً من التراث البيئي المحلي، وأن حضوره السنوي يعيد إلى الأذهان صور الحياة البسيطة التي عاشها الآباء والأجداد قبل عقود طويلة، حين كانت علاقة الإنسان بالطبيعة أكثر قرباً وتفصيلاً.

ووصف (أبوعلي) حشرة الصرناخ بأنها «طريفة»، كما أن صوتها المزعج أصبح مع مرور الزمن جزءاً من الذكريات الجميلة المرتبطة بالطفولة والصيف. وأوضح: «هي حشرة غريبة الأطوار وقبيحة الشكل بالنسبة لكثيرين، لكننا اعتدناها حتى أصبحت رمزاً من رموز القيظ. فلا نسمع صفيرها إلا مع بداية فصل الصيف، ولهذا ارتبطت في أذهان الناس بهذا الموسم».

وعلى الرغم من أن بعضهم ينزعجون من صوتها المرتفع والمتواصل، فإن علماء الحشرات يشيرون إلى أن هذه الأصوات تعد جزءاً من سلوكها الطبيعي، إذ يستخدم الذكور هذا الصفير لجذب الإناث خلال موسم التزاوج. ويصدر الصوت من خلال أعضاء خاصة في جسم الحشرة تعمل بطريقة فريدة تجعلها من أكثر الحشرات إصداراً للأصوات في الطبيعة.

حضور مستمر

ومع التوسع العمراني وتغير أنماط الحياة، مازال الصرناخ حاضراً في كثير من المناطق الزراعية والواحات، خصوصاً في مدينة العين وبعض المناطق التي تنتشر فيها الأشجار والنخيل على مستوى الدولة. ويحرص كبار السن على تعريف أبنائهم وأحفادهم بهذه الحشرة وقصصها المرتبطة بالماضي، حتى تبقى جزءاً من الذاكرة الشعبية للأجيال الجديدة.

واليوم، وبينما تتطور وسائل الحياة وتتغير أساليب المعيشة، يبقى صوت الصرناخ شاهداً على مرحلة مهمة، وصورة حية من صور التراث البيئي التي مازالت تتردد بين أشجار النخيل كل صيف، لتعيد إلى الأذهان حكايات «زمن لوّل» بكل ما يحمله من بساطة ودفء وارتباط وثيق بالطبيعة.


علامة زمنية

يرى مهتمون بالتراث الشعبي أن مثل هذه الكائنات الصغيرة من الصرناخ تحمل قيمة ثقافية تتجاوز حجمها الطبيعي، لأنها ارتبطت بمواسم الزراعة والحصاد والحياة اليومية للناس في الماضي. فصوت الصرناخ لم يكن مجرد ضجيج يملأ الأجواء، بل كان علامة زمنية يستدل بها الأهالي على تغير الفصول ودخول موسم الرزق والخير.

أبومحمد:

. في زمن لم تكن فيه نشرات جوية تخبرنا بتغير الفصول، كنا نعرف أن القيظ قد بدأ بمجرد سماع صوت الصرناخ بين النخيل.

أبوعلي:

. كبار السن كانوا يستبشرون بسماع صوته، لأنه يتزامن مع نضج كثير من الثمار الصيفية، وأن الأشجار بدأت تمنح ثمارها.

تويتر