«طفل بلجيكا» وملابسه التاريخية إلى مستودعات متحف الأزياء
في قلب العاصمة البلجيكية بروكسل، وبين الأزقة التاريخية والساحات العريقة، يستعد أحد أشهر الرموز الثقافية في بلجيكا (الطفل) لمرحلة جديدة في تاريخه الطويل، مع بدء نقل مجموعته الضخمة من الأزياء التاريخية إلى مقر حفظ جديد أكثر تخصصاً، ويأتي هذا الحدث الثقافي اللافت تزامناً مع أعمال تطوير وتجديد للمرافق السابقة التابعة لمتحف مدينة بروكسل.
ويُعدّ تمثال الطفل من أكثر المعالم شهرة في أوروبا، وتحوّل عبر القرون إلى رمز شعبي وثقافي يعكس روح الدعابة والهوية المحلية البلجيكية، ومنذ القرن الـ17 أصبح إلباس التمثال أزياء مختلفة، تقليداً احتفالياً متجذّراً في الحياة الثقافية للعاصمة البلجيكية، حيث يُغيَّر لباسه في مناسبات وطنية ودبلوماسية وثقافية متنوعة على مدار العام.
الحدث الحالي يتمثّل في نقل نحو 1200 زي تاريخي من مستودعات متحف مدينة بروكسل (برودهاوس) إلى مستودعات متحف الأزياء والدانتيل، في خطوة تهدف إلى تحسين ظروف الحفظ والصيانة، وضمان استمرارية عرض هذه القطع التراثية النادرة للأجيال المقبلة.
وتحمل المجموعة قيمة تاريخية استثنائية، إذ تضم أزياء أهداها ملوك ورؤساء دول وشخصيات عالمية عبر مئات السنين، ومن أبرز هذه القطع الملابس التي تبرع بها لويس الـ15 عام 1747، والتي لا تزال محفوظة حتى اليوم باعتبارها جزءاً من الإرث الملكي والثقافي الأوروبي.
وتتنوع الأزياء بين الملابس العسكرية التقليدية، والملابس الوطنية لشعوب مختلفة، وأزياء المناسبات الرسمية، إضافة إلى تصميمات مستوحاة من شخصيات فنية ورياضية وتراثية. ويعكس هذا التنوع المكانة العالمية التي اكتسبها التمثال بوصفه سفيراً رمزياً لمدينة بروكسل.
ورغم نقل المجموعة، حرصت الجهات الثقافية في بروكسل على إبقاء الأزياء قرب موقع النافورة، لضمان استمرار مراسم «إلباس التمثال»، وهي طقوس تقام نحو 200 مرة سنوياً، وتجذب أعداداً كبيرة من الزوار والسياح.
وتتم عمليات الإلباس وفق جدول احتفالي معلن، غالباً ما يتزامن مع أعياد وطنية أو مهرجانات ثقافية أو زيارات رسمية، حيث يرتدي التمثال زياً جديداً وسط عروض موسيقية واحتفالات شعبية في الساحة المحيطة، وتعكس مجموعة الأزياء مفهوم «الدبلوماسية الثقافية»، إذ تستخدم العديد من الدول والمؤسسات تقديم أزياء تقليدية للتمثال كرسالة صداقة ورمز للتبادل الثقافي مع بلجيكا.
ويأتي مشروع النقل الحالي ضمن خطة أوسع لتحديث وسائل حفظ التراث الثقافي في بروكسل، خصوصاً مع تزايد أهمية تقنيات الحفظ الحديثة في حماية الأقمشة التاريخية من التلف والرطوبة وتقادم الزمن.
ويرى مختصون في التراث أن هذه الخطوة ستوفر بيئة أكثر أماناً للأزياء النادرة، مع إمكانية تطوير طرق عرض مستقبلية أكثر تفاعلية، تسمح للزوار بالتعرّف إلى تاريخ كل زي وقصته، والدولة أو المناسبة التي يمثلها.
وبين الماضي والحاضر، يواصل التمثال الحفاظ على مكانته كأحد أكثر الرموز الأوروبية فرادة، جامعاً بين الطرافة الشعبية والتاريخ العريق، في قصة ثقافية لا تزال تتجدد منذ قرون.