فنانة إماراتية تهزم السرطان في وقت قياسي: الطين منحني القوة
لم يكن المرض في حياة الفنانة الإماراتية، هدى الريس، مجرد مرحلة عابرة من الألم، بل شكّل منعطفاً أعاد تشكيل مسارات حياتها، فمن قلب التجربة القاسية وخلال رحلة العلاج، فتحت أبواب الأحلام المؤجلة، لتكتشف في مادة الطين عالماً صاغ توازنها النفسي وأعادها إلى الحياة، إذ حولت الصلصال إلى رفيق للعلاج، وصاغت حكاية شغف طويلة، ولدت منها أعمالها المتباينة، ثم شرعت في تعلم فن «الراكو»، وعملت على إعادة صياغته بروح محلية، فمزجت بين تقنياته المعقدة وعناصر من التراث الإماراتي، لتمنح أعمالها بصمة خاصة تتجاوز حدود الشكل إلى عمق الهوية والإرث المحلي.
درست هدى الريس استراتيجيات إدارة المشاريع، وعملت في مجالها في أكثر من وظيفة، ولكن المرض قادها إلى فن الخزف، مستعيدة في مستهل حوارها مع «الإمارات اليوم» مرحلة البدايات، قائلة: «بدأت علاقتي مع الصلصال بطريقة مختلفة، وتحديداً بعد أن أصبت بمرض السرطان، وطلب مني الطبيب عدم التركيز على فكرة المرض خلال فترة العلاج التي كانت متعبة جداً، فرحت أبحث عما يخرجني من الإحساس بالمعاناة، وعدت إلى قائمة أحلامي المدونة في الصغر، وكان من بينها تعلم الصلصال، فقررت دخول هذا العالم».
وأضافت: «بحثت كثيراً عن فنانين لأتعلم منهم أساسيات هذا الفن، ومررت بلحظات لم أكن أملك فيها القدرة على الإمساك بالطين، إلى أن بدأ يمدني بالقوة، فالإنسان مخلوق منه، وهناك رابط قوي يجمعه بهذه المادة التي راحت مع الوقت تمنحني السلام والهدوء والإجابات، حتى إنني تعافيت في وقت قياسي مقارنة بغيري».
تقنيات مرتبطة
بعد أن أنهت هدى الريس مرحلة العلاج، وأتقنت مختلف التقنيات المرتبطة بالطين، بدأت بالبحث عن تحديات جديدة في مجال الخزف، فتوصلت إلى فن «الراكو» الذي تعمل فيه اليوم، والذي يعتمد على حرق الصلصال بشكل مختلف، موضحة أنها بحثت أشهراً عدة عن مكان يمكنها الالتحاق به لدراسته، إلى أن وصلها الرد من أكاديمية في إيطاليا، وأنهت دراسة تقنياته في عام 2024.
وأشارت إلى أنها مازالت إلى اليوم تشتري مكونات ومواد هذا الفن من إيطاليا، لأن مواده مختلفة عن الخزف التقليدي، فهو يحتوي على الفخار المنعم الذي يتحمل الصدمات، فضلاً عن وجود مواد تجعله متماسكاً أكثر من الطين العادي، أما من ناحية التقنيات، فلفتت إلى أن قطع «الراكو» يمكن أن تصمم بالعديد من التقنيات، فضلاً عن إدخال المواد العضوية، ومنها قشر الموز والليمون والذرة، والنحاس وبعض المعادن الأخرى، علاوة على وجود تقنيات مختلفة في الرسم، ومنها الرسم بالدخان، أو الرسم بماء المطر، أو حتى التشكيل بمواد العجينة، وجميعها تؤثر في الألوان التي تظهر على القطع.
وذكرت هدى الريس أنها عملت على إضافة بعض المواد المرتبطة بالبيئة المحلية، ومن بينها نوى التمر، التي تمنح القطع اللون الأسود، فضلاً عن حرق القهوة والسكر، وشعر الخيل، وريش الصقور الذي نوهت بأن الحصول عليه ليس سهلاً على الإطلاق، إذ يجمع المتساقط لاستخدامه في ترميم أجنحتها عند تعرضها للكسر، لذا ما تحصل عليه منه يكون من ريش الصقور النافقة، وهذه المواد تتحلل وتتحول إلى ألوان.
وإلى جانب تلك المواد المتنوعة، حرصت الفنانة على الدمج بين «الراكو» والتراث الإماراتي، فبعد شعورها بالروتين في العمل، قررت أن تدخل ملامح من تراث وطنها على هذا الفن، فراحت تستخدم الحبال في بعض القطع لمنحها هوية محلية، كما قررت تعلم حرفة الخوص من أجل إدخاله على هذا الفن في مرحلة لاحقة، إذ بات الخزف يعيدها إلى الحرف التراثية.
وبينت أن الصلصال من المواد التقليدية التي تدخل في الإرث المحلي، إذ كانت النساء يعملن في مجالات متنوعة، ومنها الخوص والبراقع والصلصال الذي يعود إلى فترات قديمة وتطور على مر الزمن.
قائمة الأمنيات
ويحمل العمل على فن «الراكو» العديد من التحديات، ولكن أبرزها النار، حسب هدى الريس التي اعترفت بأنها عندما بدأت رحلتها في إيطاليا شعرت بالخوف من النار، لاسيما أنها تضع القطع داخلها، وتحتاج إلى التعامل مع ارتفاع حرارتها، أو حتى تحركها مع الهواء، وهذا يتطلب السرعة في كيفية التعاطي معها، لكنها تغلبت على هذا التحدي مع الوقت، وشددت على أن هذه النار تتطلب الالتزام ببعض الإجراءات المرتبطة بالسلامة، ومنها وضع النظارات الخاصة والمريول وكذلك الكفوف المضادة للحرارة، إذ إن درجة الحرارة تكون مرتفعة كثيراً مقارنة بالصلصال العادي، وتتباين بحسب طبيعة المواد، ورأت أن هذا الفن يحمل الكثير من الجمال إلى جانب التحديات، فهو الذي أعادها إلى الحياة، على حد تعبيرها، وتتمنى لو أنها عادت إلى قائمة الأمنيات المؤجلة منذ فترة طويلة، فهذا كان سيغير حياتها على نحو كبير.
أحلام وبصمة خاصة
اعتبرت هدى الريس أن بصمتها في الفن، حتى الآن، غير محددة، إذ ترفض مبدأ التخصص، وتسعى إلى استكشاف أنواع فنون الطين كافة، كما ترغب في تعليم فنون الطين، كي تتيح الفرصة لمن يريد معرفة هذا المجال بأن يستكشفه، مشيرة إلى أنها تطمح إلى أن يتم إنشاء مكان يجمع العاملين في مجال الصلصال، لأن هناك حاجة إلى مظلة تضم الفنانين في مكان واحد، خصوصاً أن كلاً منهم يعمل على نحو فردي، والجميع في مرحلة تحدٍّ، ورأت أن خطوة كهذه ستشكل دعماً للفنان الإماراتي في مجال الخزف، لاسيما أن هناك حاجة كبيرة لتسويق أعمالهم.
• 2024 العام الذي أنهت فيه هدى الريس دراسة تقنيات فن «الراكو» في إيطاليا.
هدى الريس:
• علاقتي مع الخزف بدأت بعد أن أُصبتُ بالسرطان، وطلب مني الطبيب عدم التركيز على فكرة المرض خلال فترة العلاج التي كانت متعبة جداً.
• بحثت عما يخرجني من الإحساس بالمعاناة، وعدتُ إلى قائمة أحلامي المدونة في الصغر، وكان من بينها تعلم الصلصال، وقررت دخول هذا العالم.