نورة المزروعي: التشافي بالموسيقى علم قائم على الدراسات والتجارب

الإيمان بأن الموسيقى ليست مجرد فن، بل وسيلة إنسانية عميقة تؤثر بشكل مباشر في الجهاز العصبي، وتساعد على الاسترخاء وتهدئة العضلات، وتخفيف التوتر، إضافة إلى دورها في تحفيز هرمونات السعادة، وتحسين الحالة المعنوية للإنسان، قاد الدكتورة نورة المزروعي للسعي إلى جعل ما تقدمه من موسيقى وألحان، مساحات تمنح المتلقي شعوراً بالأمان والسلام الداخلي، وأن تحوّل هذه الألحان إلى وسيلة للعلاج من بعض الأمراض، داعية إلى تخصيص أقسام في المستشفيات لـ«التشافي بالموسيقى».

وأوضحت المزروعي لـ«الإمارات اليوم» أن رحلتها مع الموسيقى بدأت خلال دراستها في بريطانيا، حيث استوقفها أحد المراكز المتخصصة بما يُعرف بـ«العلاج بالموسيقى»، ما جعلها تنظر إلى الموسيقى من زاوية مختلفة تماماً، واكتشفت أنها ليست مجرد وسيلة للترفيه كما ينظر لها في المجتمعات العربية، بل يمكن أن تكون أداة فعّالة للمساعدة على تهدئة الجهاز العصبي، والاسترخاء، وتحفيز مشاعر الراحة والسعادة، مضيفة: «هذا الاكتشاف أثار فضولي بشكل كبير، فبدأت أقرأ وأبحث أكثر، لأدرك أن العلاقة بين الموسيقى والصحة النفسية والتشافي هي مجال قائم على دراسات وأبحاث علمية، وكانت تلك الزيارة القصيرة لذلك المركز نقطة تحوّل حقيقية بالنسبة لي، ودافعاً ألهمني لاحقاً لكتابة كتاب (التشافي بالموسيقى) من خلال مبادرة (رواق الأدب والكتاب) إحدى مبادرات دعم صناعة النشر الإماراتية من مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون»، وعن تجربتها في مجال التشافي بالموسيقى، أشارت المزروعي إلى أنها جاءت من خلال تعاونها مع مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، عبر برنامج المجموعة المجتمعي للعلاج بالفنون، ومبادرة «الموسيقى في المستشفيات»، حيث تقدّم سنوياً، بتكليف من المجموعة، إلى جانب مجموعة من الموسيقيين الإماراتيين، جلسات في عدد من المستشفيات في مدينتَي أبوظبي والعين، تجمع بين العزف على آلة القانون والحوار حول أثر الموسيقى في الصحة النفسية والإنسانية، وبين التفاعل المباشر مع الحضور من مختلف الفئات العمرية.

تفاعل واسع

وعن تفاعل الجمهور مع هذا النوع من الجلسات، قالت المزروعي: «تتضمن جلسات الموسيقى في المستشفيات عزفاً موسيقياً وحواراً وتفاعلاً مباشراً مع الحضور، خصوصاً فئة كبار المواطنين، لأنهم يتحدثون بكل أريحية وصدق، ومن أكثر اللحظات التي أثرت فيّ سيدة لم تستطع التعبير بالكلمات، فاكتفت بالبكاء وقالت (كل ما قيل وكل ما سمعته اليوم أثر في روحي، والكلمات لا تستطيع أن تعبّر)، كما أثرت فيّ أيضاً مداخلة أم متميزة ومتفرّدة، تحدثت عن تجربتها في تربية أبنائها على حب الموسيقى والفن وقراءة الكتب، وذكرت أنها كانت تحفّز أبناءها على الرسم والعزف على البيانو والأكورديون داخل المنزل، ثم قالت لي (لقد أرجعتِني إلى ذكريات جميلة حين كنت أدعم أبنائي وأوجّههم إلى عالم الفن)، مثل هذه اللحظات تجعلني أؤمن أكثر بأن الموسيقى ليست مجرد فن، بل وسيلة إنسانية عميقة للمواساة، واستحضار الذكريات، وبث الحياة».

وتطرقت المزروعي إلى كيفية اختيار المقطوعات المناسبة للجلسات التي تُقام داخل المستشفيات، واختلاف تأثير أنواع الموسيقى، موضحة أن هناك أنواعاً وأساليب موسيقية يُنظر إليها على أنها أكثر تأثيراً في خلق مشاعر الراحة والهدوء والتواصل الإنساني، ووفقاً للعديد من الدراسات الغربية فإن الموسيقى الكلاسيكية، خصوصاً أعمال موزارت وباخ، تستخدم بشكل واسع في المستشفيات والمراكز العلاجية، لما لها من أثر مهدئ في الجهاز العصبي والحالة النفسية، إلى جانب ما يُعرف باسم «الموسيقى الخضراء»، وهي موسيقى تعتمد على مزج الألحان الهادئة بأصوات الطبيعة، مثل صوت البحر، والشلالات، والعصافير، إلى جانب عزف البيانو بإيقاعات هادئة جداً، لافتة إلى أن هذا النوع من الموسيقى يُستخدم بكثرة في المستشفيات الغربية، لأنه يساعد الإنسان على الاسترخاء، والشعور بالسكينة، والتوازن النفسي والجسدي، وأشارت إلى أن الموسيقى تؤثر في الإنسان بمختلف مراحله العمرية من دون ارتباط بفئة عمرية معينة، ومن خلال الجلسات التي تقدّمها، تلاحظ دائماً أن التفاعل يشمل جميع الأعمار، من الأطفال إلى كبار المواطنين، لأن الموسيقى لغة إنسانية تصل إلى الجميع بطريقة مختلفة وعميقة، والإنسان يمتلك حساً فنياً فطرياً منذ الطفولة.

دعوة وأمنية

ودعت المزروعي إلى تخصيص أقسام في المستشفيات تُعنى بـ«التشافي بالفنون»، بحيث يشمل مختلف أنواع الفنون وليس الموسيقى فقط، وهو ما يمكن أن يسهم بشكل واسع وعميق في دعم الصحة النفسية والرفاهية المجتمعية، موضحة أن هذا القسم يمكن أن يضمّ أنشطة متنوعة، مثل الرسم، والعزف الموسيقي، والغناء الجماعي، وحتى الأنشطة الحركية والرياضات الخفيفة التي تساعد الإنسان على التعبير عن مشاعره، واستعادة توازنه النفسي والجسدي، فهذه الفنون تترك أثراً كبيراً في الحالة النفسية للمريض، وقد تسهم في تسهيل رحلة التعافي، وتحسين جودة الحياة داخل البيئة العلاجية، لأن الأدوية في الأغلب تتعامل مع الجانب الجسدي، بينما يبقى الجانب النفسي والروحي بحاجة إلى عناية واحتواء، وهنا يأتي دور الفنون، بوصفها مساحة للراحة والتعبير والتخفيف عن الإنسان، مضيفة: «أتمنى أن يكون هناك حضور دائم للفنون داخل المستشفيات، سواء من خلال إنشاء أقسام متخصصة، أو عبر استضافة فنانين على مدار العام تحت مسميات، مثل العلاج بالفن والعلاج بالموسيقى، إلى جانب جلسات الرسم، والعزف، والغناء الجماعي، والأنشطة الحركية الخفيفة، بحيث يختار كل شخص ما يلامس روحه ويمنحه شعوراً بالراحة»، وتابعت المزروعي: «أتمنى أن يكون هناك تعاون مستمر بين الجهات الصحية ووزارة الثقافة، وكذلك مع مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، من خلال اتفاقات واضحة ومستمرة، تهدف إلى استقطاب الفنانين من مختلف المجالات الفنية للعمل داخل المستشفيات على مدار السنة وفي جميع إمارات الدولة»، مشيرة إلى أن هذا التنوع الفني يمنح المرضى مساحات مختلفة للتعبير والتخفيف النفسي، بحيث لا يقتصر الأمر على الموسيقى فقط، بل يشمل الرسم، والنحت، وصياغة المجوهرات، والكروشيه، ونسج الخيوط، والغناء الجماعي، والحركة، وغيرها من الفنون التي يمكن أن تصنع فرقاً حقيقياً في الحالة النفسية للمريض.

جلسات استشفائية

أشار مدير المحتوى والبرنامج العربي بمجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، سامح كعوش، إلى أن مبادرة «الموسيقى في المستشفيات»، التي أطلقتها المجموعة قبل 17 عاماً، وتماشياً مع مبادئ عام الأسرة، ضمن البرنامج المجتمعي من المجموعة، أسهمت هذا العام بمشاركة موسيقيي الإمارات المبدعين، الدكتورة نورة المزروعي، ودانة الكثيري، وشمسة الجسمي، وطلبة الموسيقى في المدرسة البريطانية، في تحسين الظروف الاستشفائية لأكثر من 300 من المرضى وذويهم والكوادر الطبية خلال خمس جلسات بالتعاون مع «صحة»، في كلّ من «مركز سلمى لإعادة التأهيل»، ومدينة الشيخ طحنون بن محمد الطبية، ومستشفى توام في العين، ومدينة الشيخ خليفة الطبية، ومستشفى كليفلاند في أبوظبي.

• جلسات الموسيقى في المستشفيات تتضمن عزفاً موسيقياً وحواراً وتفاعلاً مباشراً مع الحضور.

• أؤمن بأن الموسيقى ليست مجرد فن، بل وسيلة إنسانية عميقة للمواساة، واستحضار الذكريات، وبث الحياة.

• الموسيقى أداة فعّالة للمساعدة على تهدئة الجهاز العصبي، والاسترخاء، وتحفيز مشاعر الراحة والسعادة.

الأكثر مشاركة