من «الثريا» إلى «النغال».. «الأضحى» يعلن بداية حرارة صيف الإمارات

يترقب المهتمون بعلم النجوم والطقس في دولة الإمارات هذا العام حدثاً فلكياً وتراثياً لافتاً، يتمثل في توافق أول أيام عيد الأضحى المبارك مع بداية طلوع نجم «الثريا»، وهي من الظواهر التي ارتبطت منذ القدم عند أهل الإمارات والخليج بتغيّر الأجواء المناخية ودخول مرحلة جديدة من القيظ والصيف.

دلالات واسعة

ويحمل ظهور «الثريا» في الموروث الشعبي دلالات واسعة، تتعلق بالحر والرياح والبحر والزراعة وحتى مواسم الرطب، إذ كان الأجداد يعتمدون على النجوم لمعرفة الفصول والتنبؤ بالتغيرات الجوية قبل وجود وسائل الرصد الحديثة، وبقيت هذه المعارف متوارثة حتى اليوم بين كبار السن والمهتمين بعلم الفلك والتراث.

ويقول الباحثون في التراث إن تزامن عيد الأضحى هذا العام مع بداية ظهور «الثريا» يعد من المشاهد الفلكية الجميلة، التي تجمع بين المناسبة الدينية والموروث الفلكي الشعبي، خصوصاً أن هذه الفترة تشهد أيضاً ظاهرة تعامد الشمس على الكعبة المشرفة، وهي الظاهرة التي يستفيد منها الناس قديماً وحديثاً في تحديد اتجاه القبلة بدقة متناهية.

وأوضح المواطن المهتم بالموروث الشعبي (أبومحمد) أن أول أيام عيد الأضحى سيوافق بداية طلوع نجم الثريا، مشيراً إلى أن هذا التوقيت يتزامن كذلك مع تعامد الشمس على الكعبة المشرفة وقت الزوال، حيث يصبح ظل الزوال صفراً داخل مكة المكرمة، ما يتيح تحديد اتجاه القبلة في مختلف مناطق العالم الإسلامي بطريقة دقيقة.

وأضاف أن سكان الإمارات يمكنهم الاستفادة من هذه الظاهرة وقت الظهر، إذ يتم تثبيت أي جسم قائم ومراقبة امتداد الظل، ومن ثم معرفة اتجاه القبلة بصورة مباشرة، وهي طريقة كان يستخدمها الناس قديماً في البر والبحر قبل توفر البوصلات والأجهزة الحديثة.

نجمة واحدة

ويُعد نجم «الثريا» من أشهر النجوم في الجزيرة العربية، ويتكون من مجموعة نجمية صغيرة تظهر في السماء بشكل متقارب، حتى يظن الناظر إليها أنها نجمة واحدة، بينما هي في الحقيقة مجموعة من النجوم اللامعة التي ارتبطت في الوعي الشعبي بمواسم الحر والزرع والأسفار.

وكان أهل الإمارات قديماً يراقبون طلوع «الثريا» مع ساعات الفجر الأولى، إذ يعتبرون ظهوره إعلاناً فعلياً لدخول موسم الصيف الحقيقي واشتداد الحرارة والرطوبة تدريجياً، خصوصاً في المناطق الساحلية، فيما ترتبط هذه الفترة أيضاً ببداية تغيرات البحر والرياح.

ويرى مختصون في الأرصاد الجوية أن دخول «الثريا» هذا العام يتزامن مع مؤشرات إلى صيف حار نسبياً في المنطقة، خصوصاً مع الارتفاعات المبكرة التي شهدتها درجات الحرارة خلال مايو الجاري، إضافة إلى ارتفاع نسب الرطوبة ليلاً في بعض المناطق الساحلية.

تباشير الرطب

ومع ظهور «الثريا» تبدأ أيضاً عند المزارعين تباشير بعض أنواع الرطب المبكر، وعلى رأسها «النغال»، الذي يعد أول رطب القيظ في الإمارات، حيث تتسابق الأسواق الشعبية والمزارع في عرض البواكير الأولى التي تلقى اهتماماً واسعاً من الأهالي والزوار.

ويحظى «النغال» بمكانة خاصة لدى الإماراتيين، إذ يعتبره بعضهم «بشارة الصيف»، بينما يربطه آخرون بذكريات الطفولة والرحلات الزراعية القديمة، حين كان الأهالي ينتظرون أولى حبات الرطب بشغف كبير باعتبارها علامة على دخول موسم القيظ.

كما ارتبط نجم «الثريا» في التراث البحري الإماراتي بمواسم الغوص والسفر وصيد الأسماك، إذ كان البحارة يعتمدون على النجوم لمعرفة الاتجاهات ومواعيد تغير الرياح، وكانت «الثريا» من العلامات الفلكية المهمة التي يستدل بها النواخذة في رحلاتهم الطويلة.

ويؤكد باحثون في التراث أن الأجداد لم يكونوا ينظرون إلى النجوم كوسيلة لمعرفة الطقس فقط، بل كانت جزءاً من حياتهم اليومية وثقافتهم الشفهية، حيث ارتبطت بها الأمثال والأشعار والحكايات الشعبية، وانتقلت هذه المعارف عبر المجالس والرحلات البرية والبحرية.

وفي الإمارات والخليج، ارتبطت «الثريا» بعدد من الأمثال الشعبية التي تصف شدة الحر أو تغير الفصول، فيما كان كبار السن يربطون بين ظهورها وبداية الاستعداد لفترة الصيف الطويلة، سواء عبر تخزين المياه أو ترتيب الرحلات أو تجهيز البيوت القديمة لمواجهة ارتفاع الحرارة.

ويشير مختصون إلى أن توافق عيد الأضحى هذا العام مع ظهور «الثريا» يعيد إلى الأذهان العلاقة الوثيقة بين المناسبات الدينية والتقويم الفلكي لدى العرب قديماً، حيث كانت النجوم تستخدم لتحديد المواسم ومواعيد الأسفار والزراعة وحتى أوقات العبادة.

هواة التصوير

كما تشهد هذه الفترة من كل عام اهتماماً متزايداً من هواة التصوير الفلكي ورصد النجوم، خصوصاً في المناطق الصحراوية البعيدة عن التلوث الضوئي، حيث تبدو «الثريا» بشكل واضح في ساعات الفجر الأولى، وتمنح السماء مشهداً بصرياً لافتاً.

ويؤكد مهتمون بالفلك أن السماء في الإمارات خلال الصيف تزخر بعدد من النجوم والمشاهد الفلكية الجميلة، إلا أن «الثريا» تبقى الأكثر حضوراً في الذاكرة الشعبية، بسبب ارتباطها المباشر بحياة الناس ومواسمهم القديمة.

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدأ المجالس الشعبية في تداول الأحاديث المرتبطة بالنجوم والحر والقيظ والرطب، في مشهد يعكس استمرار حضور التراث الفلكي الإماراتي في الحياة اليومية رغم التطور التقني الكبير.

ويجمع كثيرون على أن هذه الموروثات ليست مجرد قصص قديمة، بل تمثل جزءاً مهماً من الهوية الثقافية المحلية، إذ تعكس قدرة الإنسان الإماراتي قديماً على قراءة الطبيعة والتكيف مع البيئة الصحراوية والبحرية باستخدام وسائل بسيطة، لكنها دقيقة.

ويبقى توافق أول أيام عيد الأضحى مع طلوع «الثريا» هذا العام مناسبة تجمع بين البعد الديني والموروث الشعبي والفلكي، وتعيد إحياء ذاكرة الأجداد الذين كانوا يربطون تفاصيل حياتهم بحركة النجوم وتعاقب المواسم، في صورة تعكس عمق العلاقة التاريخية بين الإنسان والسماء في بيئة الإمارات.

الأكثر مشاركة