نباتات «خطرة» بفوائد علاجية كبيرة.. أهل الإمارات أدرى بـ «صيدلية صحرائها»
تزخر البيئة الإماراتية بعدد كبير من النباتات البرية التي ارتبطت قديماً بحياة الإنسان، إذ استخدمها الأهالي في التداوي الشعبي، وفي الزراعة، وحتى في تربية المواشي، وعلى الرغم من أن بعض هذه النباتات تُصنف بأنها «سامة» بسبب احتوائها على مواد قد تكون ضارة إذا استُخدمت بطريقة خاطئة، فإنها في المقابل تحمل فوائد طبية وزراعية كبيرة، جعلت الأجداد يطلقون عليها «صيدلية الصحراء».
وأكد مواطنون وخبراء بالبيئة الشعبية أن كثيراً من النباتات البرية الموجودة في دولة الإمارات لا يمكن وصفها بالخطرة فقط، لأنها كانت ومازالت تدخل في علاجات شعبية متعددة، فضلاً عن دورها في حماية المزروعات ومكافحة بعض الآفات الزراعية بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى المواد الكيميائية.
ومن أبرز النباتات التي لاتزال معروفة في البيئة الإماراتية: الأشخر، والحرمل، والحبن، والأصخبر، إضافة إلى نبات الخفج، وشجرة البثيمة، وتنتشر في مناطق مختلفة من الدولة، خصوصاً في البيئات الصحراوية والبرية.
وقال مواطنون لـ«الإمارات اليوم» إن النباتات البرية تمثل جزءاً مهماً من التراث البيئي للدولة، والحفاظ عليها يعد صوناً لإرث الآباء والأجداد، خصوصاً في ظل اهتمام الجهات المعنية بالحفاظ على البيئة والنباتات المحلية، مشيرين إلى أن كثيراً من النباتات الصحراوية تحتاج إلى دراسات علمية أوسع للكشف عن فوائدها الطبية والزراعية، خصوصاً أن بعض الدراسات الحديثة بدأت تتجه نحو الاستفادة من النباتات الطبيعية في صناعة الأدوية والمبيدات العضوية والمنتجات الصحية.
وأوضحوا أن البيئة الإماراتية ليست مجرد صحراء جافة كما يعتقد البعض، بل تحتوي على تنوع نباتي فريد استطاع التكيف مع درجات الحرارة العالية وشح المياه، وأصبح جزءاً من هوية المكان وثقافة المجتمع، لافتين إلى أن الأجداد كانوا يمتلكون معرفة واسعة بالنباتات البرية، ويعرفون النافع منها والضار، وكيفية استخدامها بطريقة آمنة، وهو ما يستدعي توثيق هذا الموروث الشعبي للأجيال المقبلة.
اعتماد كبير
وقال المواطن «أبوسلطان» إن الأجداد كانوا يعتمدون على النباتات البرية بشكل كبير في حياتهم اليومية، سواء في العلاج أو الزراعة أو حتى في حماية المواشي، مشيراً إلى أن كثيراً من هذه النباتات يتم تداول معلومات غير دقيقة عنها بوصفها سامة فقط، بينما لها فوائد عظيمة إذا استخدمت بالشكل الصحيح.
وأوضح أن «الأشخر» مثلاً يعد من أشهر النباتات البرية المعروفة في الإمارات، وهو نبات صحراوي ذو أزهار جميلة، وتستفيد منه البيئة بشكل كبير، إذ يتغذى النحل على أزهاره وينتج منه ما يعرف بـ«عسل الأشخر»، الذي يعد من الأنواع المعروفة. وأضاف أن أوراق الأشخر كانت تستخدم قديماً ككمادات طبية لعلاج بعض الآلام الموضعية، كما كان يتم وضعها أسفل أشجار النخيل لعلاج «العاقور»، وهو أحد الأمراض أو الآفات التي تصيب النخلة، حيث يعتقد المزارعون أن «الأشخر» يساعد في تقليل تأثير بعض الحشرات والآفات الزراعية.
وأشار «أبوسلطان» إلى أن الأهالي كانوا كذلك يستخدمون أجزاء من النبات داخل «الخرسة» الخاصة بسقي المزروعات، للاستفادة من خصائصه الطبيعية، لافتاً إلى أن خطورة النبات تكمن في سوء استخدامه، خصوصاً أن المادة اللبنية أو الماء الناتج منه إذا دخل إلى العين قد يسبب أضراراً خطرة قد تصل إلى العمى.
وأكد أن هذه النباتات ليست للعبث أو الاستخدام العشوائي، بل تحتاج إلى معرفة دقيقة بطريقة التعامل معها، وهو ما كان يمتلكه كبار السن قديماً.
أغراض متعددة
من جانبه، قال المواطن «أبومحمد» إن «الحرمل» من النباتات التي تعرضت لكثير من المفاهيم الخاطئة، إذ يعتقد البعض أنه سام بشكل كامل، بينما يستخدمه الأهالي منذ سنوات طويلة في أغراض متعددة، أبرزها التبخير وطرد الحشرات والبعوض.
وأوضح أنه يُستخدم كبخور شعبي في كثير من البيوت، خصوصاً خلال فصل الصيف، حيث يساعد دخانه في إبعاد الحشرات، كما يعتقد البعض أنه يسهم في تنقية الأجواء داخل المنازل.
وأضاف أن أزهار الحرمل أيضاً يتغذى عليها النحل، كما أن بعض الأهالي كانوا يستخدمونه قديماً أثناء الإصابة بالحمى، حيث تتم إضافته إلى ماء الاستحمام في بعض الممارسات الشعبية المتوارثة.
ولفت إلى أن الاستخدام الشعبي للنباتات كان قائماً على الخبرة المتوارثة، وأن كثيراً من النباتات الصحراوية التي تبدو قاسية أو خطرة تحمل في داخلها فوائد كبيرة للإنسان والحيوان والبيئة.
أما عن نبات «الحبن»، فأوضح «أبومحمد» أنه من النباتات المهمة بيئياً، إذ يتميز بقدرته على امتصاص الكربون من الجو، ولذلك تتم زراعته أحياناً على أطراف الطرق وفي بعض المناطق المفتوحة للمساهمة في تحسين البيئة، منوهاً بأن بعض مكونات النبات تستخدم كذلك في المجال الزراعي، حيث تدخل في مكافحة بعض المشكلات الزراعية والآفات، لافتاً إلى أن البيئة الإماراتية تحتوي على كنوز نباتية كبيرة لا يعرف كثير من الناس قيمتها الحقيقية.
مشروب شعبي
وفيما يخص نبات «الأصخبر»، ذكر «أبوسلطان» أنه من النباتات التي عرفها الأهالي قديماً، وكان يستخدم كمشروب شعبي في بعض الحالات، إضافة إلى وضعه تحت أشجار النخيل بهدف الحماية من الآفات الزراعية.
وأضاف أن الأهالي كانوا يضعونه كذلك حول حظائر المواشي خلال موسم الأمطار، إذ يساعد، بحسب الموروث الشعبي، في الحد من تكاثر الديدان والحشرات داخل الحظائر نتيجة الرطوبة والمياه.
واعتبر أن كثيراً من تلك الاستخدامات جاءت نتيجة تجارب متراكمة عاشها الأجداد مع البيئة الصحراوية، حيث لم تكن تتوفر الأدوية الحديثة أو المبيدات الكيميائية كما هو الحال اليوم.
أما نبات «الخفج» أو «الخفجي»، فمن النباتات الصحراوية المعروفة في الإمارات، ويتميز بقدرته على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، فضلاً عن أهميته البيئية في تثبيت التربة، وتقليل زحف الرمال في بعض المناطق.
جزء من التراث
قال المواطن «أبومحمد» إن بعض النباتات التي كانت تعد خطرة أو غير مفيدة، بدأت اليوم تدخل في أبحاث علمية حديثة للاستفادة من خصائصها العلاجية أو الزراعية، مضيفاً أن الطبيعة الإماراتية مازالت تخفي الكثير من الأسرار والفوائد التي لم تكتشف بالكامل حتى الآن.
وأشار إلى أن النباتات البرية في الدولة ليست مجرد أعشاب تنمو في الصحراء، بل هي جزء من تاريخ الإنسان الإماراتي، ومرتبطة بأسلوب حياته القديم، لافتاً إلى أن هذه النباتات «طبية ونافعة أكثر من كونها سامة»، شرط استخدامها بالشكل الصحيح وتحت معرفة وخبرة.
المواطن «أبوسلطان»:
. أوراق الأشخر كانت تستخدم ككمادات طبية لعلاج الآلام، وكانت توضع أسفل أشجار النخيل لعلاج آفات تصيبها.
المواطن «أبومحمد»:
. كثير من النباتات الصحراوية التي تبدو قاسية أو خطرة تحمل في داخلها فوائد كبيرة للإنسان والحيوان والبيئة.