صناع دراما يطالبون باستمرارية الإنتاج طوال السنة.. ونجوم يرون «ضيف الشرف» عدم تقدير
المسلسلات الإماراتية.. صحوة رمضان لا تلبي الطموح والمواهب جاهزة للمنافسة
حالة من الجدل والتباين الملحوظ بين صناع الدراما في الإمارات، أثارها حصاد الموسم الرمضاني الماضي، ففي الوقت الذي يُبدي فنانون تفاؤلاً مبشراً بنجاح مسلسلات في كسر رتابة التكرار، وإتاحة فرص حقيقية للوجوه الجديدة، ترتفع وتيرة الانتقاد من قبل مخضرمين ونجوم يُشخّصون الواقع الدرامي المحلي بعبارات لم تخلُ من مرارة العتاب، مشيرين إلى أجواء غير إيجابية تتعلق بقلة الفرص للموهوبين الشباب، و«تهميش» للتاريخ الفني لـ«كبار» الوسط الفني المحلي، عبر أدوار لا تعكس الثقة بقدر ما تمثّل حالة «ترضية» عابرة، عبر إطلالة «ضيف الشرف» في مشاهد محدودة، مشيرين في السياق نفسه، إلى تراجُع نبض الكوميديا الهادفة لمصلحة نصوص سطحية لا تلامس نبض الشارع، ولا قضايا الناس والجمهور المتابع.
«الإمارات اليوم» في هذا الاستطلاع تُعيد فتح ملف الدراما الإماراتية عموماً، وتفاصيل الموسم الرمضاني الأخير خصوصاً، بعيون فنانين إماراتيين من أجيال مختلفة، يكادون يتفقون جميعاً على مطلب واحد وهو ديمومة الإنتاج على مدار العام، وعدم الارتباط بشهر رمضان، على الرغم من أنه الموسم الأبرز، والأكثر مشاهدة، إلا أن تشجيع حضور المسلسلات ينبغي أن يكون طوال العام، مؤكدين أن الساحة الفنية الإماراتية تمتلك الطاقات والمواهب التي تؤهلها للمنافسة في المشهد الدرامي العربي والخليجي، شريطة منحها الفرص العادلة والدعم المستمر.
الأفكار ذاتها
من ناحيته، يصف الدكتور حبيب غلوم الدراما الإماراتية بأنها لاتزال «متوعكة»، مضيفاً: «على الرغم من الوعود الدائمة من الجهات المعنية بتطوير شامل في الصورة والفكرة، فإن الواقع يؤكد أننا مازلنا مثلما يقال (محلك سر)، إذ لم نلمس تغييراً حقيقياً، بل تكرار مستمر للأفكار ذاتها».
ويرى أن «المشكلة تكمن في آليات التنفيذ، سواء كانت الميزانيات الممنوحة لبعض المنتجين ضخمة تفوق الخيال، أو حتى شحيحة، وهذا الجمود هو ما تسبب في عزوف الجمهور وابتعاده».
ويُحذّر الدكتور حبيب من توغل المنصات الرقمية اليوم، مشدداً على «الحاجة الماسة إلى ديمومة الإنتاج على مدار العام، وألا يقتصر الأمر على موسم رمضان، كما لابد من عقد اجتماعات موسّعة وشفافة لتقييم وتصنيف المنتجين بناء على جودة أعمالهم، فقد بتنا نشعر بالخجل أمام زملائنا في المنصات الأخرى التي تستقطب كبار الكتاب والمخرجين والفنيين، وتحصد أهم الجوائز الخليجية».
اعتبارات شخصية
من جهته، انتقد الفنان القدير، عبدالله صالح، حالة اكتفاء منتجين ومخرجين بأسماء محددة، قائلاً: «يكتفي المنتجون دائماً بمجموعات محددة ومغلقة لاعتبارات شخصية لا نعلمها، والمحطات لم تتدخل حتى هذه اللحظة لخلق مساحات عمل عادلة للجميع، إضافة إلى أن غياب الشفافية يجعل الدراما تفتقر إلى الجرأة، وتجتر الكوميديا بأفكار قديمة».
ولم يُخفِ استياءه من تهميش الفنانين الإماراتيين المخضرمين من ذوي الخبرات الفنية الطويلة، معتبراً أن «هناك تغييباً غير مبرر لأدوار الأب والجد، وكأن قدراتنا لا تكفي لتقديم مسلسل كامل، ليتم استدعاؤنا ضيوف شرف في مشاهد معدودة بأجور لا تغطي كلفة وقود سياراتنا، وهو ما دفعني إلى الاعتذار، باستثناء وقوفي، تقديراً لمسيرة الفنان أحمد الجسمي، ضيف شرف في ستة مشاهد بمسلسل لحظات مسروقة»، مشيراً في الوقت نفسه إلى رفض قنوات عملاً تراثياً كان سيجمعه في دور شبه بطولة مع الفنان عبدالله زيد، من دون توضيح الأسباب.
تقدير المسيرة
بدوره، ينتقد الفنان منصور الفيلي آلية التعامل مع النجوم المخضرمين، مضيفاً: «عودة الكبار يجب أن تتم من خلال أدوار تكتب لهم خصيصاً وتُقدّر مسيرتهم، وليس عبر توزيع أدوار ظالم أحياناً لا يناسب تاريخهم، كما أننا بحاجة إلى إنتاج ضخم ومؤثر على غرار مسلسل (البوم) الذي حقق انتشاراً عربياً واسعاً، وكان من المفترض الاستثمار في الوجوه الواعدة التي برزت فيه».
ويوضح: «يمكن اختصار المشكلة في عدم الدراية الحقيقية بالممثلين والكوادر من مخرجين وكتاب، لأن هذا الأمر يتطلب وقتاً طويلاً وتماساً دائماً، ومعرفة معمقة بالوسط الفني».
ويُرجع الفيلي افتقار الساحة في الإمارات إلى النصوص الدرامية الهادفة، ويضيف: «ونحن نتحدث عن أزمة الكوميديا ومصاعب التأليف الدرامي، يمكن النظر بجدية اليوم إلى الغياب المؤثر للكاتب جمال سالم الذي كسبته الدراما الكويتية»، لافتاً إلى أن النصوص المطروحة لا تزال تدور في فلك الزواج والطلاق والمال، بعيداً عن نبض الشارع وقضايا الناس فيه.
جودة الصورة والنصوص
وفي المقابل، تشيد الممثلة هيفاء العلي بالتطور الملحوظ جداً في جودة الأعمال الدرامية، أخيراً، سواء من ناحية الصورة أو اختيار النصوص، مبدية إعجابها بالتنوع الفني الذي شهدته مسلسلات «ترند»، و«دارا»، و«وديمة وحليمة»، مؤكدة أن أعمالاً إماراتية مثل مسلسل 33، عكست بشجاعة واقتدار، موضوعات عامة مهمة وحيوية، مثل تجارب البث المباشر عبر المنصات الرقمية.
وترى أن نقص الكوميديا يعود إلى قلة كتاب الدراما على مستوى الإمارات، مضيفة: «هذا واقع أليم تفرضه معايير صارمة لا تمنح الكاتب مساحة في التأليف».
وتتابع هيفاء العلي: «نحتاج اليوم إلى دعم لأن لدينا طاقات تنتظر الفرص، كما أن لدينا كوادر وطاقات واعدة لا تنتظر إلا الفرص بدلاً من جلب كوادر وطاقات من الخارج، ومن المهم التوقف عن استقطاب فنانات غير إماراتيات وقعن أكثر من مرة في أخطاء لهجة (تؤذي السمع)، لهذا السبب أطالب دائماً بالتشديد على موضوع الجودة».
قرار حكيم
من جهتها، تُبدي الممثلة صوغة تفاؤلاً كبيراً بالمستوى الذي وصلت إليه الدراما الإماراتية في الموسم الرمضاني الماضي، مؤكدة: «الأعمال تتطور بشكل مدروس، وهناك إنجاز حقيقي هذا الموسم، ولا يوجد جلب عشوائي للممثلين، بل اختيار دقيق للنص والمخرج، ما انعكس إيجاباً على نجاح العديد من المسلسلات الإماراتية، وتحقيقها مشاهدات عالية خلال الموسم الرمضاني»، وتضيف: «أثمّن في هذا الصدد قرار (دبي للإعلام)، أخيراً، بتوزيع الأدوار وعدم تكرار الممثّل نفسه لمنع تشتت المشاهد، ما جعلنا نعاين حضور وجوه جديدة تمنح فرصاً في الوسط، وتبث انتعاشة وحركة واضحة في الوسط الفني المحلي، وهذا أمر لا يمكن أن يكون إلا مرضياً ومبشراً جداً».
طاولة حوار
وفي تشخيصها لواقع دراما رمضان هذا العام، وحال الإنتاج الدرامي المحلي عموماً، والحلول لمعالجة النقص، تطالب المخرجة نهلة الفهد بخروج الدراما من عباءة «الموسمية»، وضرورة التركيز على الجودة واستدامة الإنتاج على مدار العام، وليس الاقتصار على موسم رمضان فحسب، وتقول: «يجب عدم التركيز على غزارة الإنتاج في رمضان، والاهتمام بالنوعية، ونتمنى أن نرى مسلسلات جديدة كل ربع سنة، بدلاً من انتظار شهر رمضان، وأعتقد أن المسؤولية تقع على عاتق الجهات والمؤسسات والقنوات الإنتاجية التي تمتلك الميزانيات، بينما تمتلك الساحة المحلية اليوم، ولله الحمد، تجارب واعدة من الممثلين والمخرجين، وما يُشاع عن غياب الكاتب الإماراتي غير دقيق، لأن حالة الجمود والتهميش المتكرر التي يتعرض لها حين تندر الأعمال، تعطل العملية الإبداعية، وتجعله يبدو مختفياً عن الساحة، لكنه موجود وفي حالة سكينة فحسب».
وحول تفاصيل الأعمال المحلية اليوم وملامستها قضايا المجتمع، تُشيد نهلة الفهد بالتطور التقني العالي الذي باتت تشهده صناعة الدراما، وتوضح: «تسلط أعمالنا الضوء على قضايا الشارع الإماراتي، لكنني أتلمس خجلاً في طريقة طرحها وتناولها، ونحتاج إلى مزيد من الجرأة (المحسوبة) طبعاً لتناولها بشكل مختلف ومميز، ومن ثم النهوض بهذه الصناعة، ومواكبة تطور الدراما الكويتية التي باتت الأكثر ريادة خليجياً، وعلينا أن نجلس جميعنا كصناع دراما، على طاولة حوار واحدة، لوضع خطط متكاملة تُبرز خصوصية مجتمعنا في قوالب درامية مشوقة».
وتختتم نهلة الفهد بالإشادة بمسلسل «الباء تحته نقطة» هذا العام، لافتة إلى أن «العمل تجربة إبداعية مبشرة تتناول حقبة السبعينات بعفوية جميلة ولهجة إماراتية أصيلة، أعادتنا إلى زمن المسلسلات الخالدة، مثل (أشحفان)، وهو ما يُثبت قدرتنا على تقديم تنوع مُثرٍ يُرضي الأذواق كافة متى ما توافر الدعم المستمر».
على مفترق طرق
تعكس آراء نجوم الدراما في الإمارات مشهداً يقف على مفترق طرق، فبين إرث فني طويل وزاخر بالقدرات يطالب رواده بالاحترام والتوظيف الأمثل، وبين جيل شاب يبحث عن مساحته الكبرى في ساحة ملأى بالمتغيرات الإنتاجية المتسارعة، يبقى التساؤل قائماً والحل مُلحّاً أمام صناع القرار الفني، فهل سيحمل الموسم المقبل استجابة حقيقية لهذه الأصوات؟
فنانون مخضرمون:
• أدوار «الترضية» لا تُغطي وقود سياراتنا.. واستدعاؤنا ضيوف شرف لا يليق بتاريخنا.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news