جادت بها جبال ووديان وصحراء الدولة بعد موسم الأمطار والخير
نباتات برية إماراتية.. غذاء ودواء وإرث الأجداد
استعادت البيئة الصحراوية والجبلية في الإمارات عافيتها بعد موسم الأمطار، واكتست مساحات واسعة بغطاء أخضر أعاد الحياة إلى العديد من النباتات البرية التي ارتبطت منذ القدم بالموروث الغذائي والعلاجي للمجتمع المحلي. هذا المشهد الطبيعي لا يعكس فقط جمال الطبيعة بعد المطر، بل يفتح أيضاً باباً واسعاً للحديث عن كنوز نباتية تزخر بها البيئة، والتي يعتمد عليها الأهالي في الغذاء والتداوي الشعبي.
ويؤكد عدد من المهتمين بالبيئة المحلية أن الأمطار وجريان الأودية يُشكّلان العامل الأهم في ظهور هذه النباتات، إذ تتوافر التربة الخصبة والرطوبة المناسبة لنموها، ما يؤدي إلى انتشارها في السهول والجبال والوديان.
ويقول أبومحمد، وهو أحد المهتمين بالبيئة والتراث، إن «مواسم الأمطار الجيدة كانت دائماً مصدر خير للأهالي، إذ تظهر بعدها أنواع متعددة من النباتات التي يعتمد عليها الناس في الطعام والعلاج، وهي جزء من حياة الأجداد الذين كانوا يعرفون مواسمها، وأماكن انتشارها بدقة».
ومن بين أبرز هذه النباتات «الحميض»، الذي يُقبل عليه الأهالي لإدخاله في العديد من الأطباق الشعبية، وفق أبومحمد، الذي يوضح أن «الحميض من النباتات التي لا تخلو منها موائد أهل البر والجبل بعد الأمطار، لما له من طعم مميّز، وفوائد غذائية».
«السيداف» و«الخنصور»
ولا يقل «السيداف» أهمية عن الحميض، إذ يُعدّ من النباتات التي تنتشر في الأودية الصخرية والمنحدرات والمرتفعات الجبلية، ويحرص الأهالي على تتبع مواسم ظهوره، وجمع أوراقه بعناية، ويقول أبوعبدالله، إن «السيداف من النباتات التي كنا ننتظرها بفارغ الصبر، حيث يتم جمعه وتنظيفه لإعداد وجبات تقليدية لذيذة، كما أن له استخدامات علاجية، إذ تُغلى أوراقه لتسكين آلام القدمين، وتُستخدم كمادات للعيون المتعبة».
وعن الخصائص الشكلية للسيداف، يوضح أبومحمد أنه «يتميّز بشكل فريد، حيث يصل طوله إلى نحو متر ونصف المتر، وله تفرعات متعددة، وأوراق أسطوانية، وأزهار وردية مائلة إلى الأصفر، بينما تتحول أجزاؤه إلى اللون الأحمر عند النضوج، ما يجعله من النباتات اللافتة في البيئة الجبلية».
بينما يُعدّ «الخنصور»، من أبرز النباتات الصحراوية التي تظهر بوضوح خلال الشتاء، إذ يلفت الأنظار بلونه الأخضر وشكله القريب من النباتات الصبارية، ويؤكد أبوعبدالله أن «الخنصور ليس مجرد نبات عادي، بل هو كنز حقيقي، فقد استخدمه الأهالي قديماً في الغذاء والتداوي، فهو يساعد في تخفيف الألم، ويستخدمه بعضهم لتنظيم السكر في الدم، إضافة إلى فوائده في علاج الحروق والجروح».
ويحظى «الخنصور» بمكانة خاصة بين النباتات البرية، نظراً إلى تعدد استخداماته وقيمته الغذائية والطبية، ويؤكد أبوعبدالله أن «الأجداد اعتمدوا على الخنصور كمصدر غذائي في أوقات صعبة، وكانوا يأكلون أغصانه وأزهاره، التي تساعد على ترطيب الجسم في الحر، كما أنه يُعدّ من النباتات شديدة المرارة». وعلى الصعيد الطبي، يُستخدم كمدرٍ للبول، ويساعد في تنظيف الجسم من السموم، كما يسهم في تحسين وظائف الكبد، وتنظيم مستويات السكر وضغط الدم، إلى جانب استخدامه في علاج الحروق والجروح، وحكة الجلد. ويرى أبومحمد أن الإقبال الكبير على النباتات البرية خلال موسم الأمطار وبعده، يعكس مدى ارتباط المجتمع الإماراتي ببيئته الطبيعية، وحرصه على الحفاظ على هذا الإرث الغني، مضيفاً: «هذه النباتات ليست مجرد أعشاب، بل هي جزء من تاريخنا وحياتنا، ويجب أن نحافظ عليها وننقل معرفتها للأجيال المقبلة»، بينما يشدد أبوعبدالله على أهمية حماية هذه النباتات من الاستنزاف، من خلال تنظيم جمعها، وزيادة الوعي البيئي، معتبراً أن الحفاظ على هذه الثروة مسؤولية مشتركة بين الجميع.
«اليعدة» و«السريو»
ويمتد التنوع النباتي ليشمل نبات «اليعدة» أو «الجعدة»، الذي يُستخدم في علاج عدد من الأمراض، خصوصاً تلك المرتبطة بالكبد والطحال، كما يُعرف بقدرته على خفض الحمى، وتحسين صحة الجهاز الهضمي.
كما يبرز نبات «السريو» ويُعرف محلياً أيضاً باسم «بعبع التيس»، وهو عشبة برية معمرة تنمو في بيئة الإمارات، وتحديداً في المناطق الجبلية والوديان، ويستخدمه الأهالي تقليدياً في علاج الكسور، وهشاشة العظام، والروماتيزم، ما يعكس عمق المعرفة الشعبية بالنباتات وفوائدها.
تهديد.. وجهود
وعلى الرغم من هذا الغنى النباتي، فإن بعض الأنواع المحلية تواجه تحديات تهدد استمراريتها، خصوصاً تلك التي تنمو في البيئات الجبلية، مثل جبل حفيت، ومن بينها «الغضف»، و«الشوع»، و«الخنصور». ودفعت هذه التحديات الجهات المختصة إلى اتخاذ خطوات عملية للحفاظ على تلك النباتات، من خلال إعادة تأهيل الموائل الطبيعية، وزراعة الأنواع المحلية في بيئاتها الأصلية.
وفي هذا الإطار، يشير مختصون إلى أن هناك جهوداً كبيرة تُبذل لمكافحة التصحر، وزيادة الرقعة الخضراء، من خلال زراعة النباتات المحلية التي تتكيّف مع البيئة الصحراوية، حيث تم إكثار هذه الأنواع في مشاتل متخصصة ثم إعادة زراعتها في موائلها الطبيعية.
ويُعدّ «الغضف» من النباتات البرية المعمرة التي تنتمي إلى الفصيلة النخلية، ويشبه في شكله النخيل، إذ يتميّز بأوراقه المروحية الطويلة، وثماره البيضاوية. ويقول أبومحمد، إن «الغضف كان يُستخدم قديماً في صناعة الحصير والسلال، وهو جزء من التراث الإماراتي الذي لايزال حاضراً حتى اليوم».
أما «الشوع»، فمن الأشجار الجبلية التي تنمو على سفوح الجبال وحواف الوديان، ويصل ارتفاعه إلى نحو ثمانية أمتار، وبحسب أبوعبدالله «فله فوائد متعددة، حيث يُستخدم كعلف للإبل، كما تُستخرج من ثماره زيوت تُستخدم في الطعام، وهو من الأشجار المهمة في البيئة الجبلية».
شاهدة على علاقة ممتدة
تبقى النباتات البرية في صحراء الإمارات شاهدة على علاقة الإنسان ببيئته، ومصدراً متجدداً للعطاء، يحمل في طياته تاريخاً من المعرفة والتجربة، ويؤكد أهمية التوازن بين الاستفادة من الموارد الطبيعية والحفاظ عليها للأجيال المقبلة.
«أبومحمد»:
. النباتات البرية ليست مجرد أعشاب، بل هي جزء من تاريخنا وحياتنا، ويجب أن نحافظ عليها وننقل معرفتها للأجيال المقبلة.
«أبوعبدالله»:
. ينبغي حماية النباتات البرية من الاستنزاف، عبر تنظيم جمعها وزيادة الوعي البيئي، فالحفاظ على هذه الثروة مسؤولية الجميع.
. الحميض لا تخلو منه موائد أهل البر والجبل بعد الأمطار، لما له من طعم مميّز وفوائد غذائية.
. الأجداد اعتمدوا على الخنصور كمصدر غذائي في أوقات صعبة، وكانوا يأكلون أغصانه وأزهاره.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news