استياء عام.. وجمهور غاضب يطالب بـ «الردع الرقمي» وسحب الامتيازات
«رَبع الترندات» يواصلون تجاهل الأزمة بعروض سيارات ورحلات ومنتجات فاخرة
في الوقت الذي تعيش المنطقة فيه حالة من الترقب والقلق، بفعل ما تشهده من تطورات وأزمات متسارعة، يبرز على الضفة المقابلة مشهد رقمي لا يبدو متأثراً كثيراً بسياق اللحظة، إذ يواصل عدد من صُنّاع المحتوى والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي بثّ محتواهم المعتاد، القائم على استعراض تفاصيل الحياة الخاصة، ومظاهر الرفاهية اليومية، بين السيارات الفاخرة، والرحلات المتكررة، والإطلالات المترفة في المنتجعات والشواطئ، لتتشكّل صورة رقمية مكتملة لأسلوب حياة يبدو معزولاً عن واقع أكثر تعقيداً يعيشه الجمهور في محيطه العام.
هذا الانفصال الظاهري بين المحتوى المنشور والواقع الاجتماعي المحيط به، لم يعد مجرد اختلاف في أسلوب التعبير أو طبيعة الترفيه، بل تحوّل إلى مادة نقاش واسعة، تتجاوز حدود المنصات الرقمية إلى الفضاء العام، حيث يطرح المتابعون تساؤلات حول جدوى هذا النوع من «التأثير»، وحدوده الأخلاقية والمجتمعية، فبينما يتوقع جزء من الجمهور أن يعكس المؤثر قدراً من الحس بالمسؤولية تجاه القضايا العامة، يرى آخرون أن استمرار التركيز على الاستعراض في لحظات حساسة يعمّق الفجوة بين صانع المحتوى ومتابعيه، ويجعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى علاقة استهلاكية محضة، تقوم على الترفيه فقط من دون أي التزام معنوي أو اجتماعي.
وفي هذا السياق تتصاعد حدة الجدل حول ما إذا كان المؤثرون مطالبين فعلياً بتغيير خطابهم أو على الأقل إعادة توازنه بما يتناسب مع حساسية المرحلة، أم أن المنصات الرقمية بطبيعتها الترفيهية تبرر هذا الانفصال عن الواقع، وبين هذا وذاك تتشكّل حالة من «الفرز الرقمي» يقودها الجمهور نفسه، عبر أدوات المتابعة والمقاطعة وإعادة تقييم الثقة، في مشهد يعكس تحوّل المتلقي من مجرد مستهلك للمحتوى إلى طرف فاعل في إعادة تعريف معنى التأثير، وحدود المسؤولية في الفضاء الرقمي.
فقاعة رقمية
وفي رصد من «الإمارات اليوم»، على مدى الأيام الماضية، بدت المفارقة الغريبة تعكس ضرباً من فقدان الوعي أو الانفصال التام عن الواقع، وسلّطت تعليقات الجمهور الضوء على فئة محددة من مشاهير التواصل الاجتماعي المقيمين، الذين استمروا في هذه الظروف، في تصدير مشاهد الترف الباذخ ومظاهر الرفاه الفاحش، من دون أدنى اكتراث بما تمر به المنطقة من أزمات، وفي الوقت الذي تتجه أنظار العالم نحو تداعيات الحرب في المنطقة، واصل هؤلاء بث يومياتهم الاعتيادية، واستعراض سلعهم ومستحضراتهم، وتجارب سفرهم وترفيههم، وكأنهم يعيشون في فقاعة رقمية معزولة عن محيطهم الاجتماعي ونبض الشارع من حولهم.
لقد أثار هذا التناقض «الفج» بين واقع متأزم يناشد التلاحم، و«سوشيال ميديا» طافح بالاستعراض السطحي وتجاهل الأحداث، حفيظة المتابعين الذين اعتبروه استخفافاً «باللحظة الحرجة»، وتنصلاً من أبسط قواعد الانتماء، فاستمرار هذه الفئة في التغافل عن التحديات التي تمسّ استقرار الدول التي احتضنهم، لم يعد يراه الناس «خياراً شخصياً»، بل سقطة أخلاقية مُدوية، تضع بعض المؤثرين في مواجهة مباشرة ليس فقط مع الرأي العام عموماً، بل مع جمهورهم ومتابعيهم.
سقوط أقنعة
لم يكن الرصد الصحافي، الذي نشرته «الإمارات اليوم» حول سقوط أقنعة المؤثرين وبعض مشاهير «السوشيال ميديا» في أوقات الأزمات، مجرد مواكبة إعلامية مؤقتة للمشهد العام، بل تحول إلى شرارة أوقدت استفتاء شعبياً عفوياً انتشر صداه على مختلف المنصات الاجتماعية والفضاء الرقمي، وذلك بعد أن كشفت موجة التفاعلات الجماهيرية الواسعة وتصاعد دعوات التحرك المُلحة التي أحدثها، عن وعي مجتمعي متبصر وحاد، لم يكتفِ بتأييد ما طرحه الخبراء والأكاديميون حول المسألة، بل بادر إلى قيادة حراك تفاعلي حازم، لفرز الساحة الرقمية، مطالباً بسحب شرعية التأثير ممن آثروا الصمت والانسحاب «في الشدائد» وسكتوا عن الأحداث الراهنة التي شهدتها المنطقة.
النظر في الامتيازات
لم يتوقف الغضب عند حدود تسجيل العتب، بل تبلور في مطالبات صريحة بإعادة النظر في الامتيازات الممنوحة لبعض صُنّاع المحتوى، كما لم يكتفِ الجمهور بذلك، بل أشهر سلاح «الردع الرقمي» الحاسم لهذه الفئة، عبر حملات مقاطعة جماعية، ومبادرات إلغاء متابعة (أنفولو)، مطلقاً على بعض المؤثرين توصيفات لاذعة، مثل «مشاهير الفلس»، و«تجار الشهرة»، و«رَبع الترندات».
وفي خضم هذه العاصفة الرقمية تجلى بوضوح وشفافية إنصاف الشارع لأصحاب المبادئ، حيث تمت الإشادة بعدد من النماذج الوطنية الشجاعة التي رفضت الصمت، وقدمت أمثلة مشرفة للجمهور الإماراتي الذي يمتلك حصانة فكرية من خارج صفحة مؤثرين «بلا أثر»، في تأكيد جديد اليوم، أن الوعي العام سيبقى صمام الأمان الأول، وصاحب الكلمة الفصل في هذا الشأن.
غياب المضمون الرصين
وفي هذا السياق ربطت الأكاديمية والإعلامية، الدكتورة حصة لوتاه، تصدُّر هذه الفئة للمشهد بحالة التراجع الملموس لدور بعض وسائل الإعلام، قائلة: «عندما تترك الصحافة المهتمة بالقضايا الكبرى وحياة البشر الساحة خالية، فمن الطبيعي أن يتسيّد الغث ويشغل هذا الفراغ، فغياب المضمون الرصين يمنح أي شخص القدرة على ادعاء الأهمية، خصوصاً في ظل وجود جمهور سريع الانجذاب في الفضاء الرقمي».
وأرجعت لوتاه السقوط المدوي للمشاهير اليوم إلى تسيُّدهم الأفق في بيئة خالية من المناخ الثقافي الرصين، مضيفة: «تكمن المشكلة الكبرى في تحول هذه الفئة إلى ثقافة سائدة بسبب غياب المحاضن الثقافية التي كانت تزخر بها الأندية قديماً، في الوقت الذي تتطلب المعالجة اليوم، إعادة إحياء الفعاليات المجتمعية، والمبادرات المعرفية، لانتشال المجتمع من سطحية المنصات، لأن ذائقة الجمهور تُصنع بما يقدم لها».
إفلاس فكري وعزلة
من جهتها التقطت العضو السابق في المجلس الوطني الاتحادي، عائشة محمد سعيد الملا، بعض خيوط هذا الطرح، محمّلة الإعلام المحلي جزءاً رئيساً من المسؤولية، قائلة: «لا أستغرب صمت هؤلاء وتخاذلهم إبان الأزمة، فقد منحهم الإعلام مكانة تفوق حجمهم الحقيقي»، متابعة: «من أبسط قواعد الأدب ورد الجميل أن تقف بكلمة حق مع وطن عاملك كأحد أبنائه، فالدفاع عن الأوطان يُستمد من الضمير الحي والالتزام بالمسؤولية»، ووجهت الملا في هذا الإطار، رسالة حازمة للمتخاذلين، قائلة: «ابقوا في عزلتكم فقد انتهى دوركم، لأن المتابع اليوم بات يمتلك الوعي للتمييز والفرز وإلغاء المتابعة».
بين الترفيه والوعي
من زاوية طرح مغايرة توازن هذا المشهد ذاته، بيّن الإعلامي الإماراتي، مصطفى الزرعوني، حدود الدور المُتوقع من «المؤثرين»، معتبراً أنه من المجحف اليوم تحميلهم عبء التحليل السياسي، قائلاً: «يكمن دور هؤلاء في طمأنة الجمهور، ونشر البيانات الرسمية، أما الخوض في التحليلات العميقة، فقد ينعكس سلباً، لعدم درايتهم بهذه المسائل أو تخصصهم بها، ورغم ذلك فإنه كان لزاماً عليهم اتخاذ موقف مبدئي وواضح، يساند أمن الخليج، وتذكير متابعيهم بذلك»، وأضاف: «لا يمكن أن نُطالب صُنّاع الترفيه بوعي سياسي، وبالمقابل أثبتت منصات (بودكاست) عدة ومختصون حضوراً أقوى وأكثر فاعلية، وهو ما يحتم ضرورة إشراك الأكاديميين لسد هذه الفجوة في إطار التوجيه المعنوي».
وقفة جادة
تجاوزت النقاشات حول «المؤثرين» حدود «المسؤولية»، لتلامس المخاطر الاستراتيجية المترتبة على ترك الساحة الرقمية «من دون ضوابط»، إذ أكّدت الناشطة المجتمعية، الدكتورة موزة طحوارة المهيري، أن هؤلاء تعاملوا مع الدولة كمصدر للرفاهية والمكاسب المادية فقط، قائلة: «استفاد البعض من مساحة الحرية والدعم الرسمي اللامحدود، وبمجرد أن استشعروا الخطر أو تراجعت مداخيلهم الإعلانية، آثروا الانسحاب والتنصل من مسؤولياتهم»، وتابعت: «يجب ألّا ننسى طبعاً (قلة وفية) تشبعت بقِيَم البلد، واختارت الوقوف معه، وهي الفئة التي تستحق البقاء»، وحذّرت المهيري من خطورة تهميش أصحاب الفكر لمصلحة تسيّد المحتوى السطحي، قائلة: «يعود تضخم هذه الظاهرة لقلة وعي شريحة من المتابعين، وعلينا أن ندرك أن إغراق الساحة (بالتفاهة) والسطحية قد يكون استهدافاً مبطناً لعقول شبابنا الذين يُمثّلون عماد مستقبل وطننا»، مؤكدةً: «يتطلب الأمر اليوم وقفة جادة وإعادة نظر شاملة، وصولاً إلى سَن تشريعات قانونية، تضبط قواعد الفضاء الرقمي، وتشجع النقاش المثري الذي يبني وعي الأجيال ويُحصنها من هذا الغزو الفكري الفارغ».
تأثير هش
في مقاربة سوسيولوجية لردود الفعل الجماهيرية، اعتبرت رئيسة قسم علم الاجتماع بجامعة عجمان الباحثة في قضايا التحولات الرقمية، الدكتورة سمية عبداللطيف، أن غياب المؤثرين كشف تحولاً جذرياً في العلاقة مع المتلقي، قائلة: «المتابعة لم تعد مجرد استهلاك للمحتوى، بل أصبحت مرتبطة بتوقعات واضحة، لقد تحوّلت الثقة إلى مجال تفاوض مستمر، يمنحها الجمهور عندما يشعر بالانسجام، ويسحبها بصرامة عندما يرى غياباً للموقف أو فجوة بالمسؤولية».
وأرجعت عبداللطيف حدة الانتقادات لـ«سيكولوجية الجماهير»، قائلة: «تكمن المفارقة في أن الجمهور يرفع المؤثر إلى موقع المثقف العضوي المنتظر منه التعبير عن قضاياه، لكن هذا الدور ليس دائماً جزءاً من تكوين المؤثر نفسه، بل هو توقع مجتمعي، وهنا تنشأ الأزمة، بين تأثير هش قائم على الشهرة، ومسؤولية يطالب بها المجتمع».
صناعة جماهيرية بحتة
وأكّدت المحامية والمحللة القانونية والباحثة في قضايا الرأي العام، علياء العامري، أن الأزمة كشفت وعي المتلقي الذي صنع هذه الظاهرة، قائلة: «التأثير المزعوم لكثيرين لم يكن إلا صناعة جماهيرية بحتة، رفعنا فيها أشخاصاً عاديين إلى مصاف الرموز، لذلك عندما أصبح الموقف يتطلب لفتة تضامن بسيطة، اختفوا لأنهم تحوّلوا إلى مجرد منتج إعلاني متحرك، تحكمه حسابات الربح والخسارة والبحث عن العقود، لا معايير الالتزام المجتمعي»، وأضافت: «التأثير الحقيقي لا يقاس بسرعة الانتشار، بل بالقدرة على اتخاذ موقف حين يكون الصمت خيانة للوعي، ولا يمكن تحميل من لا يمتلك أدوات الوعي مسؤولية الوعي، لكن ما يحدث اليوم يجب أن يكون لحظة فاصلة لنا جميعاً لإعادة مراجعة من نتابع، ومن نصنع، والأهم من نمنحه مساحة في تشكيل وعينا الجمعي، وهذه الأزمة لم تكشف المؤثرين فحسب، بل كشفتنا نحن أيضاً».
المصالح الشخصية
وشدد الكاتب والإعلامي الإماراتي، عيسى عبدالله الزرعوني، على أن المقياس الفعلي ليس حجم الجماهيرية، بل وضوح الرؤية، قائلاً: «لا يقاس المؤثر بعدد متابعيه، وما نشهده اليوم من غياب لافت لمن تم تقديمهم كصوت للجمهور، يكشف حقيقة صادمة، حيث اختفى بعضهم، بينما واصل آخرون بثّ إعلاناتهم التجارية وكأن الأحداث لا تعنيهم، ما يثبت بشكل قاطع أن التأثير لديهم يرتبط حصرياً بالمصلحة الشخصية»، وأضاف: «نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى إعادة تعريف مصطلح المؤثر، فمن يصمت حين يُنتظر صوته لا يستحق أن يتصدر المشهد».
مسؤولية قانونية

الدكتور يوسف الشريف. أرشيفية
في طرح يوازن بين الحماسة الوطنية والمسؤولية القانونية والمجتمعية، حذّر المحامي الإماراتي، الدكتور يوسف الشريف، من خطورة اختزال الانتماء في مجرد التعبير الرقمي اللحظي، معتبراً أن الضغط الجماهيري الهائل اليوم، قد يدفع بأشخاص «غير مؤهلين» للخوض في قضايا سياسية أو أمنية، تتجاوز إدراكهم وحتى قدرتهم على طرح التحليل الصحيح، قائلاً: «هناك من يختار الصمت لا عجزاً أو تهرباً، بل تجنباً لكلام غير محسوب قد يفتح باباً للتأويل، ويعكر صفواً يحتاج إلى أقصى درجات التماسك الاجتماعي»، وأضاف: «الأخطر في هذه المرحلة، هو فرض شكل وقالب واحد للوطنية، وتحويل منصات التواصل إلى ساحات توزع (شهادات وطنية) على من يكتب، وتخوّن من يصمت، فهذا النهج يفتح باباً خطراً للاستقطاب والتراشق، ولا يُعزّز الولاء بأي شكل من الأشكال».
. بعض مشاهير «التواصل الاجتماعي» استمروا في تصدير مشاهد الترف من دون اكتراث لما تمرّ به المنطقة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news