اكتشاف علمي جديد ربما يساعد البشر في التخلص من مشكلة الآلام المزمنة

 تشير الدراسات الإحصائية إلى أن الأوجاع المزمنة تؤثر على نحو واحد من كل أربعة أشخاص بالغين، وأن واحداً من كل عشرة أشخاص يشعرون أنها تعرقل نمط حياتهم اليومية، ولكن في كثير من الحالات، لا يرجع سبب هذه الأوجاع إلى الإصابة الأساسية، ولكن إلى النظام العصبي في الجسم نفسه. وقد استطاع فريق من الباحثين في الولايات المتحدة اكتشاف دائرة عصبية في المخ، لم يتم الالتفات لها من قبل، وربما تكون مسؤولة عن تحديد ما إذا كان الشعور بالالم يتراجع بمرور الوقت أو يصبح أوجاعا مزمنة. ونجح الباحثون عن طريق التدخل في هذا المسار العصبي لدى حيوانات تجارب، في تعطيل منظومة الشعور بالأوجاع المزمنة، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام مبحث علمي جديد في مجال طب الالم.

وكشفت الدراسة التي قام بها الفريق البحثي من جامعة كولورادو بولدر الأمريكية ونشرتها الدورية العلمية Journal of Neuroscience المتخصصة في مجال طب الأعصاب أن تلك الدائرة العصبية الخفية لا يقتصر دورها على مجرد تفعيل الشعور بعدم الارتياح، بل أنها تقرر في الواقع ما إذا كانت تلك الآلام التي يشعر بها الشخص سوف تصبح أوجاعاً مزمنة. ووجد الباحثون أن إغلاق المسار العصبي داخل القشرة الجزيرية في المخ يمنع تطور الألم المزمن، بل ويعطل الشعور بالأوجاع في الحالات المرضية التي تشعر بآلام متواصلة. وتقول الباحثة ليندا واتكينز المتخصصة في طب الأعصاب السلوكي في الجامعة: "لقد استخدمت هذه الدراسة أساليب عصرية للتعرف على الدائرة العصبية التي تحدد الأوجاع المزمنة وتبعث إشارات عصبية للحبل الشوكي لتفعيل هذا الشعور بالألم المزمن".

ويقول الباحث جاسون بول إن "هذه الدراسة تضيف ورقة جديدة إلى شجرة المعرفة الخاصة بالأوجاع المزمنة"، حيث أن التقدم العلمي الذي تحقق مؤخرا أصبح يتيح للعلماء تغيير أداء مجموعة معينة من خلايا المخ، بما في ذلك الخلايا المسؤولة عن الألم، مما يعني أنه سيكون من الممكن في المستقبل إجراء عمليات حقن مستهدفة أو توظيف وسائط معينة تثبت في المخ كبديل فعال عن استخدام المسكنات الأفيونية للتغلب على هذا النوع من الأوجاع. ويشير الباحثون إلى مشكلة صحية تعرف باسم الألوداينا أو "أوجاع اللمس" حيث يشعر المريض بآلام مبرحة بمجرد لمس أماكن معينة في جسمه لا تسبب الألم في المعتاد. ويفسر الأطباء هذا المرض بأن المخ والحبل الشوكي يخطآن في فهم الإشارة الحسية المعتادة بأنها خطر. وفي الأحوال العادية، يعتبر الشعور بالألم آلية دفاعية لحماية الجسم، بمعنى أن الضغط بقوة على أصبع القدم على سبيل المثال يستتبعه إشارة عصبية للحبل الشوكي ثم إلى المخ مما يستدعى استجابة سريعة لتحريك الأصبع بعيدا من مصدر الألم، وعندما تشفى الإصابة تتوقف الإشارة العصبية تلقائياً. ولكن الألم المزمن يعمل بطريقة مختلفة، حيث تستمر الإشارة العصبية حتى بعد شفاء الأنسجة، كما لو كان نظام الإنذار في الجسم استمر في وضعية التشغيل رغم اختفاء مسببات الخطر.

وكانت دراسات سابقة قد أثبتت أن مجموعة من الخلايا العصبية داخل الفص الجزيري في المخ هي المسؤولة عن مرض الألوداينا، كما توصلت أبحاث أخرى أن نفس مجموعة الخلايا عادة ما تكون في حالة نشاط مفرط لدى الاشخاص الذين يعانون من آلام مزمنة. وفي إطار الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون بروتينات فلورية مضيئة لرصد الخلايا العصبية التي يتم تفعيلها عندما يشعر فأر التجارب بأوجاع ناجمة عن إصابة العصب الوركي، ثم استخدموا وسائل علاجية كيميائية ووراثية لوقف نشاط هذه المجموعة من الخلايا العصبية المسؤولة عن الالم. وكشفت الاختبارات أن خلايا الفص الجزيري تلعب دورا محدودا في الشعور بالالم الفوري، ولكنها تضطلع بدور أساسي في الحفاظ على الشعور المستمر بالألم بمرور الوقت. ووجدوا أن هذه الخلايا تبعث إشارات عصبية إلى القشرة الحسية الجسدية، وهي الجزء الرئيسي المسؤول عن الألم في المخ، وأن هذه القشرة تبعث بدورها إشارة إلى الحبل الشوكي من أجل الاستمرار في تفعيل شعور الألم.

ويقول بول، في تصريحات للموقع الإلكتروني "سايتيك ديلي" المتخصص في الأبحاث العلمية: "لقد وجدنا أن تفعيل هذا المسار العصبي ينشط الجزء المسؤول عن نقل إشارات اللمس والألم من الحبل الشوكي إلى المخ، مما يجعل الجسم يستشعر اللمس كما لو كان شعورا بالالم" وعندما أغلق الباحثون هذا المسار العصبي بعد حدوث الإصابة مباشرة، كانت الحيوانات تشعر بآلام لفترة وجيزة فقط. أما بالنسبة لمرضى الألوداينا أي "أوجاع اللمس"، فقد توقف الشعور بالالم تماما بعد تعطيل عمل هذه الدائرة العصبية. وأضاف بول أن "هذه الدراسة قدمت دلائل علمية واضحة على إمكانية استهداف مسارات عصبية معينة داخل المخ من أجل تخفيف الألم". ومازال العلماء يبحثون عن الأسباب التي تجعل خلايا الفص الجزيري تبدأ في بث إشارات الأوجاع المزمنة في المقام الأول، ويؤكدون ضرورة إجراء مزيد من الأبحاث قبل إمكانية تطبيق هذه النتائج على البشر. ويؤكد بول أنه "الآن وقد أصبح لدينا الأدوات اللازمة للتحكم في خلايا المخ، أصبح بمقدورنا التحرك بخطوات أسرع كثيرا نحو ابتكار علاجات جديدة لمشكلة الأوجاع المزمنة".

تويتر