إعلاميون وأكاديميون أكدوا أن مشاهير «السوشيال ميديا» لم يكونوا على قدر اللحظة خلال الأزمة
أحداث المنطقة أسقطت أقنعة مؤثرين «بلا أثر»
أكّد إعلاميون وأكاديميون إماراتيون وعرب أن الأزمة الأخيرة كشفت الفجوة العميقة في مشهد المؤثرين «المهتز» على منصات التواصل الاجتماعي، إذ أسقطت الأحداث والاعتداءات الأخيرة، التي تعرّضت لها الإمارات ودول الخليج العربي، أقنعة صُنّاع محتوى آثروا الصمت والمناطق الرمادية، مرجعين أسباب هذا الصمت إلى «الخوف من حساسية المرحلة»، وكذلك إلى الجمهور الذي تغيّر، وبات يبحث عن المعلومة الموثقة، ويريد أن يفهم حقيقة ما يدور حوله، ما دفعه للعودة بقوة إلى الموثوقية والموضوعية التي يوفرها الإعلام المهني الرصين والمسؤول.
وأضاف أصحاب الأقلام والباحثون، الذين استطلعت «الإمارات اليوم» آراءهم، أن الأحداث التي شهدتها المنطقة أعادت فرز الساحة الإعلامية، بعد أن اتجه الجمهور بقوة خلال تلك الفترة العصيبة نحو القنوات الرسمية، والإعلام الرصين تفادياً للشائعات، وبحثاً عن الموثوقية، كما سلّطوا الضوء على دور «اقتصاد الانتباه» والخوارزميات في توجيه سلوك مشاهير الفضاءات الرقمية، مشددين على أن الوفاء والمسؤولية المجتمعية هما المعيار الحقيقي لتقييم أي تأثير، داعين إلى إعادة التفكير في صناعة الوعي، وعدم الارتهان بمؤثرين «بلا أثر» سقطوا في أول اختبار وفاء لبلاد احتضنتهم، وأفردت لهم مساحات كبيرة من أجل تنمية مواهبهم.
في المنطقة الرمادية
وفي سياق رصد تفاعل روّاد المنصات الرقمية مع الأحداث الراهنة، وجّه الكاتب والإعلامي الإماراتي، علي عبيد الهاملي، انتقاداً لمن سمّاهم بـ«الذين سقطوا في اختبار الوفاء» من مشاهير التواصل الاجتماعي، قائلاً: «لا أعتقد أن هناك بلداً في الدنيا، فتح أبوابه لروّاد الإعلام الاجتماعي، مثلما فعلت دولة الإمارات التي منحتهم المنصات والفرص، وأقامت لهم المنتديات تقديراً لأدوارهم، لكن في ظل الأحداث التي شهدتها المنطقة، بحثنا عن بعض الذين طالما تغنوا بجمالها وتنعموا برفاهيتها، فما وجدنا منهم إلا الصمت، وقليلون من انحازوا إلى الحق، واحتكموا لضمائرهم».
وأشار إلى السقوط الأخلاقي لبعض المؤثرين: «فليست القضية أن يكون المرء مع أو ضد، لكن الأخلاق هي التي تضبط البوصلة، والوفاء هو الذي يحدد الاتجاه، وما شهدناه اليوم يكشف أن بعض من تصدروا المشهد لجأوا إلى المنطقة الرمادية، وكأنهم لم يكونوا يوماً شهوداً على قصة نجاح كتبت فوق هذه الأرض التي لمعت صورهم الباهتة قبل أن تطأ أقدامهم الإمارات، التي لا تصنع نجاحها وحدها، بل تصنع نجاح الآخرين أيضاً»، واختتم الهاملي: «الإمارات لم تخسر من تخلى عنها في وقت الشدة، فهي دولة تبني مستقبلها بثبات، وتعرف كيف تدافع عن نفسها بقوة، إنما الخاسرون أولئك الذين سقطوا في اختبار الوفاء، وسقطت الأقنعة عن وجوههم الكالحة لحظة مواجهة الحقيقة».
مسؤولية مستمرة
وعن تباين المواقف خلال الأزمة الأخيرة، سلّط الكاتب والإعلامي، محمد الحمادي، الضوء على التناقض الصارخ في تعاطي مشاهير المنصات الرقمية مع الأحداث، مؤكداً أن «ما حدث خلال الأزمة الأخيرة، كشف بوضوح فجوة حقيقية في مشهد المؤثرين، فكثيرون ممن اعتدنا رؤيتهم يومياً اختفوا فجأة».
وأضاف: «في المقابل، برزت قلة أثبتت أن التأثير ليس مهنة موسمية، بل مسؤولية مستمرة، لأن المؤثر الحقيقي من وجهة نظري لا يقاس بحضوره في أوقات الراحة، بل بثباته في أوقات الشدة، لأن لحظات الأزمات هي اللحظات التي يبحث فيها الناس عن صوت عقلاني، عن خطاب يوازن بين التهدئة والوعي، عن محتوى يُعزّز الثقة، لا يضاعف القلق».
إعادة «تموضع»
من جهته، فسّر عضو هيئة التدريس - قسم الإعلام والصناعات الإبداعية في جامعة الإمارات، الدكتور أحمد المنصوري، تباين حضور صُنّاع المحتوى خلال الأزمة بأنه «إعادة تموضع» وليس غياباً، وقال: «إننا لسنا أمام غياب بالمعنى الحرفي، بل أمام إعادة تموضع طبيعية لدور صُنّاع المحتوى في أوقات الأزمات، خصوصاً ذات الطابع الأمني أو العسكري، حيث يتحول اهتمام الجمهور نحو المصادر الرسمية الموثوقة، وفي تقديري، يغلب على هذا الصمت كونه موقفاً محسوباً أكثر من كونه غياباً للوعي، فالكثير من مشاهير (السوشيال ميديا) يدركون حساسية المرحلة، ويعلمون أن أي معلومة غير دقيقة قد تسبب إرباكاً أو تضليلاً، لذلك، فإن الامتناع عن التعليق قد يكون في حد ذاته سلوكاً مسؤولاً، خصوصاً في بيئة إعلامية كدولة الإمارات التي تعطي أولوية لدقة المعلومة».
وأضاف المنصوري، محدداً حجم المسؤولية المجتمعية وأسباب تفوق الإعلام المؤسسي أخيراً: «هناك مسؤولية اجتماعية وأخلاقية تقع على عاتق المؤثرين، وهي لا تعني أن يتحولوا إلى ناقلي أخبار، بل أن يلتزموا بعدم نشر الشائعات، ودعم الخطاب الذي يُعزّز الاستقرار عبر تعزيز الثقة بالمصادر الرسمية، في المقابل، حافظ الإعلام التقليدي على حضوره وتأثيره، لأنه يمتلك بنية مؤسسية راسخة، وخبرات تراكمية، والتزاماً بمعايير التحقق والتحليل، وهو ما يفسر تراجع المشهد الرقمي الفردي لمصلحة الإعلام المؤسسي والمنصات الرسمية، ففي الظروف الطبيعية، قد تتداخل الأدوار، لكن في الأزمات، يعود الجمهور إلى الإعلامي المحترف بحثاً عن المعلومة الدقيقة والتحليل الرصين، بينما يتراجع دور المؤثر لأن أولويات الجمهور تتغيّر من الترفيه إلى الأمن المعرفي والاطمئنان».
حجمهم الحقيقي
وفي قراءة تتجاوز الأحكام المسبقة وردود الفعل اللحظية، أشار المحاور والإعلامي الإماراتي، عامر بن جساس، إلى أن الأزمة الأخيرة كشفت الحجم الحقيقي لبعض صُنّاع المحتوى، مضيفاً: «لا يمكننا أن نتوقع موقفاً عميقاً ممن يسهمون في صناعة محتوى بلا أثر، فهم لن يقدموا سوى التفاهة، ورغم وجود مؤثرين حقيقيين استطاعوا توجيه حساباتهم بشكل عفوي وسليم للتعاطي مع الأزمة، فإن التساؤل الحقيقي يقع اليوم على عاتق المؤسسات المعنية بصناعة أدوات التأثير هذه، باعتبارها قوة ناعمة».
وأكمل حول التغيّر الجذري الذي طرأ على سلوك المتلقي خلال الأزمات: «سقطت سلطة (السوشيال ميديا) بالمعنى (التافه) خلال هذه الظروف، حتى لو كان هذا السقوط مؤقتاً، والسبب لا يعود للمؤثرين في حد ذاتهم، بل بالأساس للجمهور الذي تغيّر، وبات يبحث عن المعلومة الموثقة، ويريد أن يفهم حقيقة ما يدور حوله، ما دفعه للعودة بقوة إلى الموثوقية والموضوعية التي يوفرها الإعلام المهني الرصين والمسؤول».
واختتم بن جساس بكلمات ثبّتت المجهر على خطورة تزييف الوعي: «مع سقوط سلطة هذه الفئة على (السوشيال ميديا)، أعتقد أن الوقت حان لإعادة التفكير في قيمة ما يقدمونه لصناعة عقول أبنائنا ووعيهم، ورغم كل التشاؤم، فإن المواقف تتكفل بتصفية هؤلاء، ومع كل أزمة نكتشف هشاشة ووهن ما يقدمونه ليسقطوا عن عروشهم فعلياً».
اقتصاد الانتباه
من جانبها، فككت رئيسة قسم علم الاجتماع بجامعة عجمان والباحثة في قضايا المجتمع والتحولات الرقمية، الدكتورة سمية عبداللطيف، دلالات صمت بعض المؤثرين، بالقول: «في لحظات الأزمات، لا يقاس الحضور الاجتماعي فقط بما يقال، بل أيضاً بما لا يقال، فالصمت في الفضاء الرقمي لم يعد غياباً، بل يكشف عن تموضعات دقيقة، ومن هذا المنطلق يطرح صمت بعض المؤثرين في دولة الإمارات، تجاه التطورات الإقليمية الراهنة، سؤالاً سوسيولوجياً مشروعاً: هل نحن أمام حياد؟ أم أمام استراتيجية مدروسة لإدارة الحضور؟».
وأضافت: «يمكن قراءة هذا الصمت في ضوء (اقتصاد الانتباه)، حيث تحول انتباه الجمهور والمتابعة الرقمية إلى رأسمال رمزي ومادي، غير أن هذا الجمهور ليس كتلة متجانسة، بل هو فضاء متعدد الانتماءات والمرجعيات، عابر للحدود الثقافية والسياسية، وعليه فإن التعبير عن مواقف معينة، خصوصاً في قضايا تمسّ الأمن والاستقرار قد يعاد تأويله بطرق متباينة داخل هذا الجمهور المتشعب والعابر للحدود، ومن هنا لا يبدو الصمت غياباً للموقف بقدر ما هو شكل من أشكال الرقابة الذاتية، التي تهدف إلى حماية رأس المال الرمزي في بيئة رقمية تُكافئ الاستقرار، وتعاقب المخاطرة».
وتابعت الدكتورة سمية: «في مجتمع رسّخ نموذجاً للتماسك كدولة الإمارات، تبرز أهمية أن يكون التزام الفاعلين الرقميين على قدر اللحظة، خصوصاً أن التعبير عن التضامن مع الإمارات موقف أخلاقي قبل أن يكون سياسياً، تجاه دولة حاضنة للتنوع وممكنة لمسارات النجاح الفردي والجماعي، ولاشك أن التحدي اليوم، يكمن في إعادة التفكير بدور المؤثرين كفاعلين رمزيين، فبين الحسابات الفردية ومتطلبات اللحظة الجماعية، تتحدد القيمة الحقيقية للصوت».
خوارزميات «المصالح»
وفي مساحة مكثّفة، اختزل أستاذ الأعمال الرقمية ومستشار التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، الدكتور أنس النجداوي، أسباب صمت المؤثرين في تداخل الخوارزميات مع المصالح، مضيفاً: «يتجنب الكثيرون إبداء أي موقف، لكونهم ينظرون لحساباتهم كنموذج أعمال، وبالتوازي تمتلك المنصات صمام التحكم المطلق بخوارزمياتها لتقييد خطاب الأزمات، ما يدفع المؤثرين إلى الابتعاد عن القضايا الحساسة».
وشدد على سلطة الجمهور في فرز المحتوى وتصفيته: «فنحن نملك القدرة على توجيه خوارزميات المنصات عبر التبليغ واستخدام خاصية (غير مهتم)، لنسقط بأنفسنا قيمة المحتوى التافه والمضلل، ونمارس مسؤوليتنا لغربلة الفضاء الرقمي».
الإعلام التقليدي والمؤسسي
أشاد الكاتب الإماراتي، محمد الحمادي، بالدور المحوري الذي قام به الإعلام الرسمي لضبط المشهد المتقلب، وقال: «لا يمكن تجاهل الصورة الأخرى التي برزت بوضوح في الأزمة الأخيرة، ألا وهي الإعلام التقليدي والمؤسسي، فقد أثبتت القنوات والإذاعات والصحف، حضوراً مهنياً ووطنياً متماسكاً، قائماً على المعلومة الدقيقة، والتحقق والانضباط في الخطاب، وفي لحظة ارتباك المنصات كان هذا الإعلام هو المرجعية ومصدر الثقة، والمحافظ على توازن الرواية بعيداً عن التهويل أو الانفعال، وذلك من خلال ما رأيناه أثناء الاعتداءات على دول الخليج، خصوصاً دولة الإمارات، وهذا ما يؤكد أن الإعلام المؤسسي هو خط الدفاع الأول في إدارة الوعي بحكمة وقت الأزمات».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news