محرومة الإنجاب تتحول إلى خاطفة أطفال في «حكاية نرجس»

ريهام عبدالغفور..ذات الوجه الملائكي تصدم المشاهدين

صورة

في الموسم الدرامي الرمضاني الماضي الذي شهد منافسة شرسة وأعمالاً متنوعة، قررت الفنانة ريهام عبدالغفور أن تسلك الدرب الأصعب، متخلية عن مساحات الأمان الفني المعتادة لتغوص في واحدة من أشد المناطق النفسية وعورة وظلاماً عبر تجربة مسلسل «حكاية نرجس»، إذ لم تقدم النجمة المصرية هذه المرة، مجرد دور تراجيدي تقليدي لامرأة محرومة الإنجاب، بل تجربة نفسية معقدة تتأرجح ببراعة بين هشاشة الضحية وقسوة الجلاد، لتفرض نفسها بين أهم المغامرات الأدائية في السباق الرمضاني الأخير.

ويحسب هذا النجاح للرؤية الإخراجية المبتكرة والطرح «الطازج» والمربك، الذي قدمه المخرج سامح علاء، في أولى تجاربه الإخراجية للدراما التلفزيونية الطويلة، مستفيداً في هذه الخطوة، من لغته السينمائية المكثفة التي استحق عنها التتويج عالمياً في الأفلام القصيرة، وطارحاً مقاربات بصرية محكمة ساندت النص المشحون بالتوجس، والمنسوج بتصاعد درامي متقن، صاغه الكاتب عمار صبري، ليضعا معاً بطلتهما، في إطار خانق يعكس تفاصيل معاناتها.

طرح جريء

يستمد العمل تماسكه الأهم، من طرحه الجريء لقضية «تأخر الإنجاب» من وجهة نظر قيمية وثقافية، باعتباره «وصمة عار» قادرة على تدمير الفطرة الإنسانية، فيما تلتقط ريهام عبدالغفور خيوط هذه المعاناة بذكاء حاد، لتقدم شخصية «نرجس»، الزوجة المحبة التي يدفعها فزعها من الإقصاء والنبذ وتجربتها القاسية أثناء طلاقها الأول، مع هوسها المرضي من فقدان زوجها الحالي «عوني»، الذي يقدم شخصيته الفنان المصري حمزة العيلي، للانزلاق نحو مستنقع مظلم لا فكاك منه.

فمن تزوير التحاليل الطبية وادعاء الحمل، مروراً بارتكاب جريمة اختطاف الأطفال، وصولاً إلى القتل، تتدرج نرجس في خطاياها لتشيد أسرة وهمية، وسعادة مصطنعة راسمة لوحة أدائية مربكة، أجمع متابعو المسلسل الرمضاني على وصفها «بنظرة الشيطان في وجه ملاك».

وعلى الرغم من غرق البطلة في دروب معقدة، متشابكة، ومثقلة بالالتباسات والقسوة والخطايا التي وصلت إلى حد مراقبة احتضار حماتها دون تدخل، نجحت ريهام عبدالغفور في هذا العمل في الاحتفاظ بمساحة إنسانية موجعة، وصلت إلى حدود المفاجأة الجماهيرية، حيث عبر قطاع واسع من الجمهور عن دهشتهم من قدرتها على انتزاع دموعهم وتعاطفهم العميق مع شخصية ارتكبت أبشع الجرائم، وأعتى الانتهاكات، مؤكدين أنها تلاعبت بمشاعرهم في محطات عديدة من العمل، بملامحها الصادقة ونظراتها التائهة، ونأيها التام عن الانفعالات المفتعلة.

محاكمة المجتمع

قد يتبادر للذهن للوهلة الأولى، أن تقديم بطلة العمل في صورة خاطفة أطفال مسلوبة المشاعر، يعد تشويهاً لصورة المرأة العربية عموماً، إلا أن الحقيقة جاءت غير ذلك، فالإجماع النقدي على هذه التجربة، ذهب في اتجاه معاكس تماماً، إذ لم يدن العمل «نرجس» الأنثى، بل حاكم المجتمع وازدواجيته القاسية التي تلتمس العذر للرجل العقيم، بينما تجرد المرأة من قيمتها الإنسانية إن لم تكن أماً.

فيما اجتمعت الآراء على أن «نرجس» ليست شريرة بالفطرة، بل إنسانة مسالمة كسرها القهر النفسي ونظرات الشفقة، حيث نجح صناع العمل الرمضاني في اعتماد أسلوب «صدمة» المشاهد، ليضعوا أيديهم على الجرح، لافتين إلى أن وصول البطلة إلى حافة الجريمة ليس إهانة للمرأة، بل جرس إنذار وصرخة تحذيرية للمجتمع لرفع القيود على المصائر الفردية، ورفض محاكمة النساء على أقدار لا ذنب لهن فيها.

ثنائية خاصة

لم تكن تجربة مسلسل «حكاية نرجس» الدرامية الخاصة لتكتمل دون ديناميكية التفاعل مع محيط البطلة «المأزوم»، فالثنائية الفريدة التي جمعتها مع الممثل حمزة العيلي، وإن عكست تناقضاً درامياً كبيراً، فإنها جاءت محملة بشحنات وجدانية مشبعة بالمحبة والتعاطف والانسياق اللاواعي الذي شهد ذروته في مشاهد عدة بالعمل، أبرزها مشهد الابتزاز الذي تتعرض له زوجته، والذي يفجر غضبه، فيما يحول نرجس من صانعة للحدث إلى أداة مسلوبة الإرادة.

• المسلسل جرس إنذار للمجتمع لرفع القيود عن المصائر الفردية، ورفض محاكمة النساء على أقدار لا ذنب لهن فيها.

• تتدرج بطلة العمل في خطاياها لتشيد أسرة وهمية، وسعادة مصطنعة، راسمة لوحة أدائية مربكة.

 

تويتر