لفت الأنظار وأثار الاهتمام بمشاركته المتميزة في مسلسل «مولانا»

وسيم قزق..«مشمش» يحول الكوميديا إلى حرفة وتأملات

صورة

على امتداد أيام الشهر الفضيل، يترسخ حضور نجوم الدراما في العالم العربي، ليس من خلال أداء الأدوار فحسب، بل عن طريق قدرتهم على أسر وجدان المشاهدين، وجذبهم إلى حرارة الماراثون الرمضاني المتجدد الذي تشتد فيه المنافسة، وتعلو فيه قيمة الحكاية، ليتحول كل ظهور إلى اختبار حقيقي لقوة الحضور وصدق الأداء وثبات الموهبة، في حين لا يقاس الموسم الرمضاني بعدد الأعمال المعروضة، بل بقدر ما يثيره من شغف وترقب ومتابعة يومية تتصاعد حدتها مع كل حلقة.

وفي هذه المساحة، تطل «الإمارات اليوم» برصد لأبرز الأعمال الرمضانية، لتتوقف عند أهم ما تقدمه الدراما المحلية والخليجية والعربية من تجارب لافتة، مسلّطة الضوء على الأدوار التي استأثرت بانتباه الجمهور، بعمق أدائها وخصوصية حضورها، وقدرة ممثليها على تجسيد كل شخصية بصدق واقتدار.

انتهى الموسم الدرامي الرمضاني بعد سباق محتدم على صدارة المشهد هذا العام، وضمن الزخم الكبير الذي كرسته تجربة مسلسل «مولانا» والنجاحات التي لُمست أخيراً بين الجمهور على مواقع التوصل الاجتماعي، من الواضح أن الأضواء والتأثير لم يكونا مقتصرين فقط على نجوم الصف الأول، ففي زاوية درامية تبدو للوهلة الأولى مخصصة «لتخفيف وطأة المآسي والاحتقان»، برزت شخصية «مشمش» التي يجسدها الفنان السوري وسيم محمد قزق، لتسحب بهدوء وروية وجاذبية، البساط من نجوم الصف الأول في العمل وتتحول مع مرور الوقت وتصاعد وتيرة الأحداث، إلى واحدة من أنجح شخصيات العمل، وأبرز مفاجآت هذا الموسم عموماً، إذ لم يكتفِ قزق بتقديم دور الشخصية الدرامية المساندة، بل نسج «حالة فنية» وإنسانية متكاملة الصياغة والأداء، سرعان ما نفذت إلى وجدان المشاهدين وأيقظت فضولهم وشغفهم لمعرفة مآلاتها، ليثبت وبجدارة هذه المرة، أن مساحة الدور لا تقاس بعدد المشاهد، بل بعمق الأثر وحرفية التجسيد.

ميزان الوعي والبراءة

منذ إطلالته الأولى، يبدو «مشمش» شخصية بسيطة تلامس حدود السذاجة، إذ يعكس حضوره نموذج شخص محدود القدرات العقلية، طيب القلب، يعيش تماماً خارج حسابات المكر والصراعات الدموية التي تعصف بقرية «العادلية»، غير أن التميز في تجربة تقديم قزق لخصوصية هذه الشخصية، تكمن في تجاوزه إطاراً كاريكاتورياً جاهزاً أو مهرجاً يسعى لاستدرار ضحكة مجانية سريعة، فخلف الابتسامات العفوية وخفة الظل الواضحة من جهة، ومحدودية القدرات الذهنية من جهة أخرى، تتجلى ملامح إنسانية آسرة، تعاطف ومحبة، وعي خفي ووجع دفين، كرسته بامتياز نظرات «مشمش» الشاردة حيناً، والإيقاع الداخلي المتفرد حيناً آخر، وصولاً إلى لغة جسد محكمة التوظيف في كل حركة «مجنونة» أو إيماءة براءة صغيرة.

بهذه الوسائط التعبيرية الكثيرة والاشتغالات المكثفة، خلقت شخصية «مشمش» في العمل، توازناً مذهلاً وآسراً في الواقع، بين الكوميديا السوداء والنسائم الإنسانية الشفافة، التي وإن أنتجت أحياناً لحظات كوميدية فريدة، فإنها أغرقت مشاهديها في بحر من التماهي الوجداني والتأمل الأعمق.

ديناميكية التفاعل

من جهة أخرى، تتجلى خصوصية بناء شخصية «مشمش» الفريدة، في تفاعلها الموسع مع محيطها، وتحديداً في تجربة ثنائيتها الدافئة مع «شهلا» التي تقدمها الممثلة السورية نور علي، والتي برزت فيها مشاعر إنسانية متنوعة مثل المحبة والغيرة العفوية والتعلق الوجداني العفوي بها، كتعبيره المبتكر عن مشاعر الحب والامتنان مقابل بحر من الكراهية والعداء والمكائد التي غاصت فيها أغلب الشخصيات.

ولم تقف شخصية «مشمش» عند هذه الحدود، بل كانت طرفاً فاعلاً ومؤثراً في أحداث مفصلية غيرت مآلات عدة في العمل، لعل أبرزها المشهد الذي يحبس الأنفاس الذي تم فيه استخراج «أفعى» من وكرها، في محاولة مجنونة منه لإلهاء أهل «زينة» ومنعهم من قتلها، أو مشهد شجاعته وتعاطفه معها إثر اعتداء «النمر» عليها، في دلالة تؤكد شجاعته ونبله.

مسيرة أكاديمية

ينحدر وسيم قزق، الذي يبدو أنه جسد هذا العام أهم أدواره وأنجحها، من عائلة فنية عريقة، فهو نجل الفنان محمد قزق وابن شقيق القدير فايز قزق. وقد اختار أن يشق طريقه مختاراً الدراسة الأكاديمية (خريج المعهد العالي للفنون المسرحية) والمثابرة الصامتة بعيداً عن الإرث العائلي. وبوصفه مدرباً للممثلين ومسؤولاً عن «كاستينغ» نفس العمل، أي «مولانا»، فإنه يطبق نظريات التمثيل بحذافيرها، متقناً فن «إلغاء الممثل لمصلحة الشخصية»، وقد تجلى هذا بوضوح وشفافية هذا العام عند مقارنة «مشمش» بأدواره السابقة، التي نجح فيها قزق في كل مرة، في الانسلاخ من جلده وارتداء روح وإيقاع جديدين بالكامل.


الورقة الرابحة

يمثل «مشمش» في «مولانا» نقطة ضوء واضحة، صاغها صناعه لكسر عتمة الصراعات المعقدة، فهو المجسد للنقاء في بيئة تلوثت بالفساد وسطوة السلطة. ونجح مجسدها وسيم قزق، في إثبات جدارته الفنية في توظيف خبرته الأكاديمية وإدارة أدواته الأدائية بوعي ونضج واضحين سرعان ما تحولا من نافذة «الكوميديا الإنسانية» في العمل، إلى أبرز «أوراقه الرابحة».

. منذ إطلالته الأولى، يبدو «مشمش» شخصية بسيطة تلامس حدود السذاجة، لشخص محدود القدرات العقلية، طيب القلب.

. لم يكتفِ وسيم قزق بتقديم دور الشخصية الدرامية المساندة، بل نسج حالة فنية وإنسانية متكاملة الصياغة والأداء، سرعان ما نفذت إلى وجدان المشاهدين.       

تويتر