في عيد الحب .. كلام علمي عن "توأم الروح" : هل سنلتقي به مصادفة ؟ أم يمكننا أن نصنعه في البيت !
في عيد الحب، تبدو مغرية جداً فكرة أن هناك شخصاً ما، في مكانٍ ما، هو الشخص المنشود، أو توأم الروح، أو الشريك المثالي، أو الإنسان الذي كُتب لنا أن نكون معه... وسنلتقي به غداً أو بعد شهر أو سنة.
وعلى امتداد التاريخ، انجذب البشر دائماً إلى فكرة أن الحب ليس وليد المصادفة. ففي اليونان القديمة، تخيّل أفلاطون أن الأسطورة جعلتنا نصفين؛ ومنذ ذلك الحين، أخذ كلّ نصفٍ منّا يجوب الأرض بحثاً عن نصفه الآخر المفقود،"توأم الروح".
لكن ما هو أحدث ما توصّلت إليه العلوم عن توأم الروح؟ هل يوجد حقاً شخص بعينه، استثنائي، خُلق لنا وحدنا في مكانٍ ما؟
يرى فيرين سوامي، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة أنجليا راسكين في كامبريدج، أنّ الفهم الأوروبي المعاصر للحبّ الرومانسي تعود جذوره إلى أوروبا في العصور الوسطى، ولا سيما إلى حكايات كاميلوت وقصص لانسلوت وغوينيفير، وإلى تقاليد الفروسية المرتبطة بفرسان المائدة المستديرة التي انتشرت في أنحاء القارة آنذاك. ويقول: "هذه القصص رسّخت، للمرة الأولى، فكرة اختيار شخص واحد ليكون رفيقك، وأن يكون هذا الرفيق شريك الحياة الدائم." ويضيف: "قبل ذلك، في أجزاء واسعة من أوروبا، كان بإمكان الإنسان أن يحبّ أكثر من شخص، وكان الحبّ مفهوماً مرناً ومتعدّد الأشكال، وغالباً لم يكن مرتبطاً بالجنس."
ومع التحوّلات الاجتماعية التي رافقت الثورة الصناعية، واقتلاع الناس من مجتمعاتهم الزراعية التقليدية، وتفكّك الروابط الاجتماعية المألوفة، بدأ الأفراد، بحسب وصفه، يشعرون بحالة من "الاغتراب". ويتابع: "حينها يبدأ الناس بالبحث عن شخص واحد يخلّصهم، وينقذهم من بؤس حياتهم."
وتحوّل تطبيقات المواعدة اليوم هذه الحكاية إلى خوارزمية، في ما يصفه سوامي بـ"التسوّق العاطفي". فالبحث عن توأم الروح ينقلب، في كثير من الأحيان، إلى نقيض ما يتوق إليه الباحثون عنه.
ويقول: "بالنسبة إلى كثيرين، تبدو التجربة خالية تماماً من الروح. أنت تتسوّق شريكا … تتصفّح عشرات الأشخاص على تطبيقات المواعدة، إلى أن تصل إلى لحظة تقول فيها: يجب أن أتوقّف."
أمّا جيسون كارول، أستاذ دراسات الزواج والأسرة في جامعة بريغهام يونغ في بروفو بولاية يوتا الأمريكية، فيبدي تفهّماً لهذا التوق إلى "الشخص المنشود". ويقول: "نحن كائنات تقوم على التعلّق، ونرغب بطبيعتنا في تلك الرابطة."
غير أنّه يطلب من طلابه في محاضراته التخلّي عن فكرة "توأم الروح"، من دون أن يتخلّوا عن رغبتهم في العثور على "الشخص المنشود". وقد يبدو ذلك متناقضاً، لكنّ كارول يرى أنّ الفارق يكمن في التمييز بين القدر والاجتهاد. ويشرح: "يمكن العثور على توأم الروح ببساطة؛ فهو موجود سلفاً، ومُعدّ مسبقاً. أمّا 'الشخص الأوحد' فهو علاقة يصنعها شخصان معاً، في البيت عبر سنوات من التكيّف، والاعتذار، وأحياناً التحمّل بصبر."
وبهذا المعنى، لا يكون الحبّ مسألة العثور على قطعة ناقصة، بل ثمرة جهدٍ مشترك يبنى ببطء عبر الزمن.
ويستند طرح كارول إلى عقود من الأبحاث التي جمعها في تقريره "فخّ توأم الروح"، حيث يميّز بين ما يسمّيه علماء النفس "معتقدات القدر" - أي الاعتقاد بأن العلاقة الصحيحة ينبغي أن تسير بسلاسة ومن دون جهد - و"معتقدات النمو"، التي تركّز على ما يمكن للشريكين فعله لإنجاح العلاقة وتطويرها.
وفي سلسلة دراسات واسعة أجريت في أواخر تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، بقيادة البروفيسور سي. ريموند ني في جامعة هيوستن، توصّل الباحثون إلى أنّ الأشخاص الذين يؤمنون بأن العلاقات "مقدر لها أن تكون" كانوا أكثر ميلاً إلى التشكيك في التزامهم بعد وقوع خلافات. أما الذين يتبنّون نظرة قائمة على النمو، فكانوا أكثر تمسّكاً بعلاقاتهم، حتى في الأيام التي شهدت نزاعات بينهم.
ويجادل كارول بأن أصحاب هذه النظرة لا يتخلّون عن توقهم إلى علاقة مميّزة، لكنهم يتوقّعون أيضاً مرورها بفترات صعبة.
ويقول: "إنهم يسألون: ماذا يمكننا أن نفعل لنجعل علاقتنا أفضل؟ وكيف يمكن أن نطوّرها وننميها؟"
في نظر كارول، تمثّل فكرة توأم الروح فخّاً، ليس لأن الرومانسية بحدّ ذاتها مشكلة، بل لأن توقّع أن يكون الحب خالياً من الصعوبات هو الإشكال. فالجانب الأكثر "روحانية" في العلاقة طويلة الأمد، كما يقول، لا يتمثّل في الشحنة العاطفية الأولى التي تشبه مشاهد الأفلام، بل في أن يكون للمرء "مقعد في الصفّ الأمامي، لا لمشاهدة نقاط قوة شريكه فحسب، بل أيضاً… تحدّياته ونقاط ضعفه".
ويضيف: "إنها مساحة شديدة الخصوصية، تكاد تكون مقدّسة. فنحن لا نعرف هذه الجوانب إلا لأن الطرف الآخر سمح لنا بأن نكون هناك."
وبحسب كارول، حين يُعامل الحبّ على أنّه قدر محتوم، يصبح الناس أقلّ استعداداً لبذل الجهد اليومي غير المرئي الذي يبقي العلاقة حيّة بالفعل. ويرى أنّ "فخّ توأم الروح" يجعل العلاقة أكثر هشاشة عندما تواجه أول عقبة جدّية.
ويقول: "عند أول مواجهة لأيّ صعوبة، تبرز الفكرة فوراً: كنت أظنّ أنك توأم روحي. وربما لست كذلك، لأن توأم الروح لا يُفترض أن يواجه مثل هذه المشكلات. لكن إذا كُتب للعلاقات أن تستمرّ على المدى الطويل، فلن تكون أبداً مجرّد مسارٍ سلس خالٍ من العثرات."
وتقول فيكي بافيت، مدرّبة العلاقات المقيمة في لندن، إنها تساعد كثيرين ظنّوا أنهم عثروا على توأم روحهم، قبل أن يكتشفوا أن الحكاية الخيالية كانت مصحوبة بالتلاعب العاطفي والتقلّب وإحساس دائم بالقلق.
وتقول: "عندما تكون هناك كيمياء قوية وشرارة كبيرة، فقد يرتبط ذلك أحياناً بإعادة تنشيط أنماط قديمة غير صحّية، مثل جروح سابقة لم تلتئم."
وتضيف: "الشخص غير المتّسق، الذي يتصرّف أحياناً بحرارة وأحياناً ببرود، قد يجعلك تشعرين: لا أستطيع الانتظار لرؤيته مجدداً. لكن ما يحدث فعلاً هو أنه يثير لديك قدراً كبيراً من القلق، وهذا ما يجعلك تتوقين إلى المزيد."
وترى بافيت أن ما نعدّه قدَراً قد يكون في الحقيقة استجابة من جهازنا العصبي يتعرّف إلى تجربة مؤلمة سابقة ويحاول إصلاحها؛ وهو نمط يطلق عليه المعالجون النفسيون اسم "الرابطة الصدمية". وتوضح أن هذه الرابطة قد تبدو حباً، لكنها تدفع بعض الأشخاص إلى انجذاب مغناطيسي نحو علاقات غير صحّية، لا لأنها الأنسب لهم، بل لأنها مألوفة.
ومن الدراسات التي يُستشهد بها كثيراً في هذا السياق، دراسة أجراها عالما النفس الكنديان دونالد داتن وسوزان باينتر. ففي بحث نُشر عام 1993، حين كانا يعملان في جامعة كولومبيا البريطانية، تابعا 75 امرأة بعد مغادرتهن شركاء مسيئين، وقاسا مدى استمرار تعلّقهنّ بشركائهن السابقين، وقارنا ذلك بطبيعة علاقاتهن بهم.
وأظهرت النتائج أن أقوى درجات التعلّق لم تكن لدى النساء اللواتي تعرّضن لإساءة متواصلة، بل لدى من كان شركاؤهن يتناوبون بين السحر والقسوة. ويرى داتن وباينتر أن هذه "الرابطة الصدمية" تساعد في تفسير سبب انجذاب بعض الأشخاص إلى العودة لعلاقات تضرّهم بوضوح - لا لأنها صحّية، بل لأن مزيج الخطر والمودّة يبدو مألوفاً لديهم.
وهذا هو التمييز الذي تحاول بافيت إبرازه في جلسات الإرشاد التي تقدّمها، إذ تقول: "المسألة تتعلّق بالتمييز بين ما إذا كانت الكيمياء التي أشعر بها تعني أن هذا الشخص متوافق معي فعلاً، أم أنها مجرّد إحساس مألوف بالقلق." وتضيف: "في لغتي الخاصة، لا أتحدّث أبداً عن توأم الروح. أنا شخصياً لا أؤمن بأن هناك شخصاً واحداً فقط لكل إنسان… لكنني أؤمن بأننا نصبح 'الشخص المنشود' بالنسبة إلى أحدهم."
وإذا كان التخلّي عن فكرة توأم الروح يبدو غير رومانسي، فإن بيولوجيا الانجذاب نفسها تسير في اتجاه مماثل.
فكيف يمكن لثنائي أن يصنعا معاً "شخصهما المنشود"؟
تناولت جاكي غاب، أستاذة علم الاجتماع والحميمية في الجامعة المفتوحة، هذا السؤال في مشروعها "حبّ يدوم"، الذي نُشرت نتائجه في مجلة "سوسيولوجيا" عام 2015.
وشمل البحث استطلاع آراء نحو خمسة آلاف شخص، إلى جانب متابعة خمسين ثنائياً متابعة دقيقة - وأحياناً شديدة الخصوصية - جمعت بين البيانات الإحصائية واليوميات والمقابلات و"خرائط عاطفية" ترصد أنماط التفاعل داخل المنزل.
وعندما سألت غاب المشاركين عمّا يجعلهم يشعرون بالتقدير، لم تكن الإجابة عروض الزواج عند الغروب أو الرحلات المفاجئة إلى باريس، بل أموراً أبسط بكثير، مثل: "هدايا غير متوقعة، ولفتات مدروسة، ولطف تقديم فنجان شاي في السرير، أو تدفئة السيارة في صباح بارد، أو قطف أزهار برّية ووضعها في مزهرية، أو تبادل ابتسامة خاصة في مناسبة اجتماعية".
ومن الناحية الكمية، تبيّن أن ما تصفه غاب بـ"أفعال الانتباه اليومية" كان أشدّ تأثيراً بكثير من الأفعال الرومانسية الكبرى. ففي الاستطلاع، اختارت 22 في المئة من الأمهات و20 في المئة من النساء غير المتزوجات أو من دون أطفال هذه اللفتات الصغيرة ضمن أبرز عاملين يجعلانهن يشعرن بالتقدير، متقدّمة بذلك على السهرات الفخمة أو الهدايا الباهظة.
ولم يكن الرضا عن العلاقة في البيانات مرتبطاً أساساً بالمال أو بالرومانسية، بل بما تسميه غاب "المعرفة الحميمة بالزوجين" وكيفية تجلّيها في الحياة اليومية.
وفي يوميات زوجين شابين سُلّمت لهما في إطار المشروع، تكتب سميرة عن عودة شريكها إلى المنزل، وعن العشاء الذي أعدّته، والعناق في الممرّ، وجلوسهما معاً إلى الطاولة لتناول الطعام.
وتدوّن في مذكّراتها البحثية: «إنه مثالي. نحن فقط والطعام. ماذا يمكنني أن أريد أكثر من ذلك؟»
ثم تذكر رقصة عفوية في غرفة الجلوس، ونزهة بين عشب طويل تخاف فيها من الظلام، وصورة أحبّها شريكها إلى درجة أنه جعلها خلفية لهاتفه.
إنها حكاية يومية جميلة، لا حكاية خيالية ومع ذلك، تشير غاب إلى أن نسيج تلك الحلاوة يتخلله قلق مالي، والتزامات عائلية، وتاريخ من الاكتئاب يتعلّم الزوجان التعامل معه معاً.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news