«الإمارات اليوم» تفتح الملف مع صنّاعها ومختصيها

الدراما الإماراتية في أزمة.. و«مثاليتها زائدة عن اللزوم»

صورة

لعل أكثر ما بات مثيراً للجدل في الدراما الإماراتية المحلية، حسب عدد من صنّاعها ومختصيها، انخراطها القسري اليوم في واقع غير مقبول بالكامل، في ظل الانعزال الذي تعانيه الحركة الدرامية المحلية مقارنة بحركة الدراما المنتعشة في بعض دول الخليج والدول العربية، وانحصار مشاهداتها في جمهور محلي ضيق تحول مع الوقت إلى ناقد لمعالجاتها المكررة التي ظلت تزحف تحت وطأة التناولات الكوميدية والتراثية وموسمية الأعمال التلفزيونية المطروحة على الشاشات المحلية. «الإمارات اليوم» فتحت مجدداً ملفات الأزمة وناقشتها مع عدد من صناع الدراما المحليين الذين اجتمعوا على كشف أبرز معضلاتها واقتراح الحلول لمعالجتها، بل ذهب بعضهم لأن يعزو جانباً من هذه الأزمة لـ«الحساسية المفرطة» التي تتعامل بها بعض الجهات المسؤولة عن الأعمال المطروحة، و«مثاليتها الزائدة عن اللزوم» في التعامل مع الموضوعات المقدمة على الشاشة.

أزمة إنتاج

لا يبدو الفنان الإماراتي سعيد سالم متفائلاً بواقع الدراما الإماراتية الحالي، إذ يصرح بأنه «لا يمكننا الحديث عن حركة درامية فعلية في الإمارات إلا في وجود إنتاجات حقيقية غزيرة لا تقل معدلاتها المتوسطة عن ثمانية إلى عشرة مسلسلات سنوياً تعرض على قنواتنا المحلية على مدار العام، وهذا لايزال للأسف بعيد المنال، ما يجعلنا تواقين باستمرار إلى التطوير وغير قادرين على تحقيقه بأي شكل من الأشكال»، مشيراً إلى أن أزمة الدراما المحلية متعلقة بقرارات القنوات التلفزيونية المحلية ومدى استعدادها لتبني مختلف الأعمال المحلية ودعمها وإنتاجها، ومن ثم عرضها على مدار العام في ظل توافر الإمكانات الإنتاجية والميزانيات الخاصة بتطوير المنتج الفني المحلي والارتقاء بصناعته، مؤكداً أنه «لتحقيق نهضة درامية فعلية يجب إرساء دعائم شراكة حقيقية بين منتجي الإمارات والتلفزيونات المحلية، بحيث تكون عملية الإنتاج قائمة إما على اقتناء أعمال المنتجين الإماراتيين وعرضها أو إنتاجها بشكل كامل بميزانيات خاصة. بهذا الشكل يمكننا ضمان استمرارية العجلة الإنتاجية ومواكبة نسق الدراما الخليجية المتسارع، ومن ثم دعم حضور الفنانين الإماراتيين الذين باتوا مهمشين مقارنة بفناني الخليج، على الرغم من امتداد تجارب أغلبهم الفنية لأكثر من 42 عاماً».

في المقابل، يتمسك الفنان ببصيص أمل قائم في مستقبل الدراما المحلية، مؤكداً على الاستعدادات التي أبدتها «أبوظبي للإعلام» أخيراً في اجتماع عقدته مع عدد من صناع الدراما المحلية لطرح مشروعاتهم، لافتاً إلى الوعود التي تلقوها منها بتطوير حضور الأعمال المحلية في المستقبل القريب وتشجيع إنتاجها على مدار العام، ومن ثم ضمان تواجدها على قنواتها ومنصاتها الرقمية الجديدة.

من جانبه، يضم الممثل والمسرحي الإماراتي القدير عبدالله صالح صوته إلى صوت الفنان سعيد سالم، ملقياً المسؤولية كاملة على القنوات التلفزيونية المحلية التي يجدها تعرقل مسار التقدم الدرامي وحتى حركة الفنان المحلي، مؤكداً أن «مزاجية بعض المسؤولين والمديرين المتناوبين على إدارة الدراما في قنواتنا ورغباتهم المتفاوتة في إنتاج أعمال محلية، هي التي باتت تتحكم في الدراما، ما يجعل العملية غير ممنهجة ومحتكمة إلى ضوابط واضحة تعطي فرصاً كافية للمنتجين المحليين لعرض أعمالهم وللممثلين للظهور، ما دفع بعضهم إلى الاتجاه نحو الدراما الكويتية أو إلى المسرح أو حتى إلى ترك المجال كلياً، بسبب القصور الملاحظ لدى الجهات المسؤولة عن القطاع».

في المقابل، لفت الفنان صالح إلى ندرة كتاب السيناريو الإماراتيين القادرين على النهوض بمستقبل الدراما المحلية، قائلاً «مازلنا نعاني ندرة الأقلام الموهوبة في الميدان واتجاه جزء كبير من الكتاب إلى الكوميديا والاستسهال بسبب ضيق الفضاء المتاح أمامهم، و(الحساسية المفرطة) التي تتعامل بها بعض الجهات المسؤولة مع الأعمال المطروحة، و(مثاليتها الزائدة عن اللزوم) في التعامل مع الموضوعات المقدمة على الشاشة، ما يزيد من حدة الرقابة المفروضة على الطروحات الدرامية المحلية، ومن ثم تراجعها وانتقاصها للجرأة والمنافسة مقارنة بالدراما الكويتية على وجه الخصوص»، مشيراً إلى «تفشي ظاهرة الشللية والمحسوبيات التي باتت تتحكم في الوسط الإنتاجي وتفرض أسماء دون أخرى، وتظلم بذلك الفنان المحلي وتقصيه كليا أحياناً عن الساحة».

لجان فنية حقيقية

رغم محاولاته تحدي الوضع المتردي للدراما الإماراتية عبر بوابة الإنتاج التي دخلها الفنان حبيب غلوم منذ فترة ليكرس بها نمطاً جديداً من التناولات الفنية الهادفة والقيمة في تاريخ الدراما، إلا أنه يعترف اليوم قائلاً «أرى أن المشكلة الأزلية للدراما وللفنون والثقافة بتفرعاتها العامة في الإمارات، متصلة بغياب إيمان مسؤوليها بدورها الريادي كقطاع له أهمية القطاعات المركزية الكبرى، وأستثني هنا الشارقة التي ازدهرت فيها الثقافة والفنون، عدا ذلك، أرى المشهد شبه خاوٍ من الفعل الحقيقي، وهذا بحد ذاته كارثة فعلية يؤججها غياب المراهنات على هذا القطاع باعتباره روح أي جسد اجتماعي متوازن، وشرط أي تقدم طموح، وهذا ما يدفعنا باستمرار إلى مناشدة المعنيين بالقطاع في الحكومة بوضع قطاع الثقافة والفنون ضمن أولوياتهم، وتعيين مسؤولين من أهل الاختصاص وليس أشخاصاً لا علاقة لهم بالقطاع، وإلا فلن تقوم للفن ولا للثقافة قائمة أبداً».

من جانب آخر، يلفت غلوم إلى أن الدراما الإماراتية «تحتاج إلى قراء حقيقيين ولجان فنية منفصلة وحرة وصاحبة قرار، لها كيانها المنفصل عن الإدارة، وأقصد هنا لجان القراءة المتخصصة في مراجعة النصوص الدرامية المقدمة للقنوات وتصنيفها حسب الأهمية والمغزى، ومن ثم تفنيد الأفكار المطروحة فيها بالحجة والدليل ومناقشة مَواطن الخطأ والصواب فيها، إذ هي لجان غير معروفة ولا فكرة لدينا عن أعضائها. زد على ذلك غياب التقييم الفعلي للنصوص المقدمة وعدم تواصلهم مع الكتاب، إذ لا أذكر يوماً أنني تلقيت ملاحظة من أي لجنة قراءة خاصة بتلفزيونات الدولة تخص المادة الدرامية التي قدمتها».

معوقات بالجملة

أما الفنان منصور الفيلي، فيرى أن «الدراما المحلية سجلت منذ سبع سنوات طفرة واضحة في الإنتاجات المحلية القوية، وهذا بفضل وجود مسؤولين متحيزين لدفع عجلة الدراما المحلية، وأظننا اليوم بحاجة إلى تغيير إداري كامل في القنوات المحلية». ويضيف «يعاني صناع الدراما دوماً سوء إدارة القنوات بسبب غياب المسؤولين المباشرين وأصحاب القرار وحتى اللجان الفنية التي لا أظن شخصياً أنها موجودة في الأصل، وإنما هي ذريعة لتبرير بعض الاختيارات والرفض الذي يقابل به الكثير من الكتاب»، مؤكداً أن «معضلة الدراما تكمن في عقليات بعض مسؤولي القنوات المحلية غير المؤمنين بقدرة الأعمال الناطقة باللهجة الإماراتية على الانتشار وتسويق نفسها في الخارج وهذا غير صحيح بالمرة، فأعمالنا الناجحة قادرة على المنافسة والخروج من إطار المحلية والدليل هنا نجاح مسلسل (قلب العدالة) الإماراتي في جذب اهتمام وإشادة الكثيرين في عدد من الدول العربية والأجنبية، مثل البرازيل والأرجنتين وإيطاليا ورومانيا، وترشيحه لأن يكون أول مسلسل خليجي يعرض على منصة نتفليكس».

في المقابل، أكد الفيلي على دور الرقابة في تعطيل نسق تقدم الدراما المحلية وازدهارها قائلاً «بسبب الرقابة يتعذر طرح بعض القضايا، فيهرب الكثير من الكتاب اليوم إلى معالجة عدد من الموضوعات الاجتماعية المعينة بأنماط كوميدية أو تراثية لا تخلو من بعض الإسقاطات على الحاضر، وهذا يؤثر سلباً على حركة الدراما ومعالجاتها»، مؤكداً «هذا محبط بشكل من الأشكال لأنه يطال في النهاية دورنا كفنانين مسؤولين عن تقديم فن يعكس مرآة المجتمع وقضاياه بمصداقية ونزاهة».


موضوعات دخيلة

دافع الفنان سعيد سالم عن موضوعات الدراما الإماراتية التي وصفها البعض بأنها «ساذجة الطروحات»، قائلاً «لسنا مرغمين على إدماج قضايا المخدرات والقتل وموضوعات دخيلة على مجتمعنا لكي نرتقي بطروحاتنا ونجعلها مواكبة للدراما الخليجية التي تطرح 60% منها قصصاً مفبركة وملفقة من المشكلات الاجتماعية، التي لا تمثل مجتمعاتها ولا تعكس واقعها الملموس». ويؤكد ذلك الفنان عبدالله صالح بقوله: «تسقط بعض الأعمال الخليجية أحياناً في تناول موضوعات لا تخصها، فتلبس ثوباً غير ثوبها، أما الدراما المحلية فقد ابتعدت عن هذا لتنطق دوماً بواقعنا المعيش بكل تجلياته».

النهضة الدرامية تتطلب شراكة حقيقية بين المنتجين والتلفزيونات.

المحسوبيات تتحكم بالوسط وتفرض أسماء دون أخرى.

طباعة