رجال يُبحرون بإمكانات بسيطة من صنع أيديهم

هواة الصيد في غزة.. رحلة رزق بعيداً عن قيود الاحتلال

صورة

مع إشراقة شمس كل يوم جديد، يشق الشاب لؤي العوضي (22 عاماً) عباب البحر الذي يجاور منزله مباشرة في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، وذلك لمزاولة هوايته الأولى والمفضلة بصيد الرزق الوفير، الذي تحتضنه أعماق الأبيض المتوسط.

الشاب لؤي لا يمتلك قارباً أو معدات صيد، وإنما يبحر معتمداً على موهبته وخبرته في السباحة والغطس، وباستخدام إمكانات بسيطة صنعتها كلتا يديه، فقد أمضى أربع سنوات في صيد سرطان البحر، أو كما يعرف ببعض البلدان بـ«الكابوريا»، بواسطة يديه وشباك غزلها يدوياً.

مخاطر الاحتلال

يقول لؤي، لـ«الإمارات اليوم»، التي التقته قبيل بدء رحلته اليومية في الصيد: «أسكن بجوار شاطئ البحر، ومنذ أن كنت صغيراً كنت أقضي معظم الوقت داخل المياه، وقد علمني والدي السباحة والغطس في أعماق المياه».

ويشير إلى أن موهبة الصيد بدأت تكبر لديه منذ عام ٢٠١٦، لكن على الرغم عدم توافر إمكانات الصيد كباقي الصيادين، لجأ للاعتماد على موهبته، فصنع شباكاً بيديه باستخدام أدوات بسيطة، مثل زجاجات المياه الفارغة.

ويمضي الشاب العوضي، قائلاً: «في موسم سرطان البحر الذي يبدأ منتصف فصل الصيف حتى نهاية فصل الخريف، أقصد يومياً عرض البحر بواسطة السباحة، بعد أن أضع في يدي قفازات جلدية، وأرتدي ناظوراً بحرياً، لأبدأ في الغطس لصيد سرطان البحر، حيث يشاركني شقيقي محمود، لتخزين الكميات التي نصطادها في عبوة بلاستيكية كبيرة، نصحبها معنا ونربطها بزجاجات مياه لتعوم على وجه المياه».

والشاب لؤي واحد من بين مجموعة كبيرة من الشباب هواة الصيد في غزة، الذين لا يمتلكون أثمان القوارب ومعدات الصيد المكلفة مادياً، لكنهم في الوقت ذاته لم يجعلوا شغفهم مكتوف الأيدي، فأطلقوا العنان أمام هوايتهم باستخدام أدوات بسيطة، صنعتها أيديهم، لتبحر في أعماق المياه الزرقاء، وتمنحهم رزقاً وفيراً بعيداً عن قيود الاحتلال ومخاطره.

يذكر أن الاحتلال يقيد مساحة الصيد أمام قوارب الصيادين الغزيين، والتي لا تتعدى حالياً مسافة ستة أميال بحرية، إلى جانب اعتراض القوات والزوارق البحرية الإسرائيلية طريق الصيادين خلال رحلة صيدهم اليومية، ومصادرة قواربهم ومعداتهم، واعتقال العديد منهم، إلى جانب إطلاق النيران عليهم، ما تسبب في إصابة واستشهاد العشرات منهم، خلال السنوات الماضية.

دوافع مختلفة

دوافع هواة الصيد في قطاع غزة متعددة، فهناك من يسعى لجلب الرزق ويتوجه به إلى السوق لبيعه، من أجل توفير ما يحتاجه أطفاله وأسرته، ومعظمهم يوفرون ما تصطاده شباكهم لعائلاتهم وجبات طعام شهية وصحية.

وهناك نوع من الشباب الهواة يجمعون بين هواية الصيد ونشاط التواصل الاجتماعي، من بينهم الشاب العوضي، حيث يصور بواسطة هاتفه المحمول أو بمساعدة شقيقه محمود، جميع مراحل رحلة صيده اليومية، لعرضها على صفحات التواصل، في خطوة منها لنشر موهبته فقط، أما كميات الأسماك التي يصطادها فتكون وجبة طعام يوفرها لأسرته، أو يقدمها هدية للأصدقاء والأقارب.

الشاب حسام الهسي (36 عاماً)، يقصد يومياً شاطئ البحر، لينشر شباكه على وجه المياه، في محاولة لصيد الأسماك التي تمكنه من توفير لقمة عيش لأسرته، أو بيعها في السوق لسد احتياجات أطفاله.

يقول الصياد الهسي: «منذ 15 عاماً، أرتاد البحر للصيد بالشباك في منطقة السودانية شمال غزة، أو منطقة الشيخ عجلين ومخيم الشاطئ غرباً، حسب حركة الرياح وتوافر الأسماك، فجميع شهور السنة جيدة لممارسة الصيد، لكن هناك موسم يزيد فيه توافر أسماك (الطرخونة)، ويبدأ هذا الموسم في فصل الصيف حتى نهاية شهر نوفمبر». ويشير إلى أنه اصطاد أنواعاً مختلفة من الأسماك، خلال ممارسة هواية الصيد بالشباك، منها: الطرخونة والبوري والدينيس والكرفوش.

صنارة صيد

هواية الصيد في غزة ورثوها عن الأجداد والآباء، أو نمت لديهم نتيجة سكنهم بالقرب من شاطئ البحر ومجاورته مباشرة، فيما تتنوع إمكانات هؤلاء الشباب، فهناك نوع يصطاد باستخدام الصنارة من أعلى الصخور المنتشرة على الشاطئ، أو داخل ميناء الصيادين غرب غزة، لينعموا في نهاية مطاف يوم شاق وممتع برزق وفير.

حكاية شغف

الشاب أمجد أبوسلطان، الذي يهوى الصيد بالصنارة، يمتلك حكاية شغف يومية مع الصيد، حيث يقضي ساعات طويلة على شاطئ البحر، حتى أصبح الصيد جزءاً من حياته اليومية، يجمع من خلاله بين جلب الرزق وممارسة هوايتهم الشخصية.

يقول الشاب أمجد: «لم أستسلم للظروف المتردية في غزة، ولم أقبل أن أكون رقماً مضافاً في معدلات البطالة، فاعتمدت على ذاتي، وما أمتلكه من هواية في الصيد، حيث أقصد يومياً شاطئ البحر مصطحباً الصنارة، لأقضي ساعات طويلة، يرزقني الله خلالها بما توافر من أسماك الطرخونة والقراص والصروص والقراص والكرفوش».

ويضيف: «ما أرزق به يكون مصدر دخل يومياً، فحسب كميات الأسماك التي أصطادها تكون الحاجة إليها، فإذا كانت كثيرة أبيعها في السوق، لأوفر المال الذي يساعدني على مواجهة ضنك الحياة، وفي حال كانت قليلة تكون وجبة طعام يومية للعائلة».


الاحتلال الإسرائيلي يقيد مساحة الصيد أمام قوارب الصيادين بمسافة 6 أميال بحرية.

طباعة