تحولت رسائلهما إلى كتاب ألهم الأدباء والموسيقيين

بالفيديو.. ملينا جيسينسكا.. الصحافية التي أوقعت كافكا في غرامها

لكل إنجاز حكايته الخاصة التي تختلف مع اختلاف صاحبه ونظرته لما يحيط به، سواء كان لوحة فنية، أو منحوتة، أو تصميماً هندسياً، أو مجموعة أزياء، أو حدثاً غيّر مجرى التاريخ، ومهما اختلف العمل في تركيبته والخيوط غير المرئية التي شكَّلته، التي لا تراها سوى عين صاحبه، تبقى الشخصية الملهمة، هي المعيار الوحيد الذي لا يتغير، وتبقى تلك العلاقة الغامضة والمثيرة للجدل بها، هي الشرارة الحقيقية التي تستفز الابتكار، فمن هن الملهمات في التاريخ؟


أن تنجح المرأة في أن تسرق قلب الرجل، قد يكون أمراً مكرراً ومعتاداً، وأن تكون قادرة على أن تتحول إلى ملهمة لشخصية مبدعة هو أيضاً أحد الشروط الطبيعية التي يحتاج إليها لاستفزاز قريحته الابتكارية، ولكن أن يقع أحد أهم أدباء القرن العشرين في أوروبا في غرام امرأة عبر مجرد رسائل متبادلة، فالأمر يعني أننا في صدد التعرف الى شخصية استثنائية لا تتكرر.

ملينا جيسينسكا الصحافية، والكاتبة، والمحررة، والمترجمة، والناقدة السياسية، التي بالرغم من سنوات عمرها القليلة إلا أنها تحولت إلى المادة الأكثر تعقيداً وعمقاً ودراسة في الكثير من الكتب التي طرحتها، بينما تحولت رسائلها إلى ومن الكاتب والروائي التشيكي الأصول ألماني القلم فرانز كافكا، لواحد من أهم الكتب القادرة على إلهام الكثيرين، من كتّاب وموسيقيين.

يقال إن عائلة جيسينسكا تنحدر من «جان جيسينوس»، وهو أول بروفيسور في مجال الطب بجامعة تشارلز في براغ، وأنه طبيب، وسياسي، وفيلسوف بوهيمي، وأنه كان من ضمن الـ27 مثقفاً الذين تم إعدامهم في ساحة المدينة القديمة في براغ في 21 يونيو عام 1621، لمعارضتهم سلطة الملك فيرديناند آنذاك.

ولدت ملينا جيسينسكا في براغ في 10 أغسطس 1896، من عائلة تشيكية مسيحية، ولأب وسيم ذي مكانة اجتماعية وثقافية وعلمية مهمة في المجتمع التشيكي الراقي، حيث كان جان، بروفيسوراً في جراحة الأسنان بجامعة تشارلز في براغ، بينما توفيت والدتها وهي لاتزال في الثالثة عشرة من عمرها، ولم يتوانَ والدها عن توفير مستوى تعليمي رفيع لابنته التي ألحقها بمدرسة «منيرفا» الثانوية، وهي أول مدرسة خاصة في التشيك للفتيات، والتي خرّجت مجموعة من أوائل المثقفات صاحبات الفكر المتحرر، الأمر الذي حول ملينا إلى شابة ذات أفكار متمردة على المعتاد، وذات شهية لفتح خط النار أمام المجتمع التقليدي.

التحقت جيسينسكا بعد التخرج ولفترة قصيرة في «براغ كونسيرفاتوري»، وهي مدرسة لتعليم الموسيقى، ثم التحقت أيضاً بكلية الطب، إلا أنها تخلت عن كلا الفكرتين بعد فصلين دراسيين فقط.

جنون أخلاقي

في مجتمع راقٍ يعرف به الجميع بعضهم بعضاً، لم تكن سلوكيات ملينا اللامبالية والسائبة أمراً مقبولاً لدى والدها ذائع الصيت بمكانته المحترمة، الأمر الذي جعله يقدم على إيداعها لمصح «فيليزلافين» للأمراض العقلية ولمدة تسعة أشهر على أساس ما سمي بـ«الجنون الأخلاقي»، وهي الفترة ذاتها التي كانت فيها الابنة المتمردة على علاقة بموظف البنك والناقد الأدبي إيرنست بولاك.

بولاك وكافكا

لم يكن إيرنست بولاك رجلاً عادياً، بل كان أحد أهم الشخصيات النقدية الأدبية في تلك الفترة، كما كان يعرف بـ«بولاك الحكيم»، ويسعى لأخذ نصيحته ومساعدته العديد من مشاهير الأدب النمساوي آنذاك، كما كان أحد أهم الشخصيات ضمن تلك الدائرة الثقافية التي تتردد على عدد من المقاهي الثقافية، والتي كان كافكا أيضاً زائراً لها، وهي الفترة ذاتها التي بدأ فيها بولاك بالترويج للكاتب الشاب وغير المعروف من براغ (فرانز كافكا)، وهي الفترة ذاتها التي تعرفت فيها جيسينسكا الى هذا الاسم الجديد في عالم الأدب.

وبالرغم من ثراء بولاك الثقافي، إلا أن مدخوله المادي لم يكن كذلك، خصوصاً في مدينة مزق الحرب اقتصادها، وهي الفترة ذاتها التي استطاعت فيها أن تطور لغتها الألمانية بما يكفي لتجربة الترجمة من الألمانية إلى التشيكية، وأن تعين زوجها مادياً، فعملت على ترجمة العديد من القصص والمقالات، سواء الألمانية إلى التشيكية، أو غير الألمانية إلى الألمانية، وبدأت بإرسال ترجماتها إلى الصحف والمجلات التشيكية.

ترجمة

بالرغم من أنها ترجمت العديد من النصوص، إلا أن ترجمتها لقصة فرانز كافكا القصيرة «ذي ستوكر» كانت تعتبر أول ترجمة لأعماله من الألمانية للغة أخرى، كما استمرت الرسائل المتبادلة طوال عشرينات القرن الماضي، مع ملينا التي تعيش تجربة زواج تعيسة.

وبالرغم مما تحمله الرسائل من تعبير عاطفي محموم، إلا أن كافكا وجيسينسكا لم يلتقيا طوال فترة علاقتهما سوى مرتين فقط، حيث كان اللقاء الأول في فيينا سعيداً قضيا خلاله أربعة أيام حملت الكثير من الوعود والأمل، إلا أن اللقاء الثاني في مدينة غموند النمساوية، والذي لم يكن سوى ليوم واحد، كان سيئاً وأسفر عنه قرار كافكا إنهاء العلاقة في ما بينهما، فبالرغم من رغبة كافكا الارتباط بجيسينسكا، إلا أنها وبالرغم من سوء العلاقة الزوجية، رفضت التخلي عن زوجها، وفضلت البقاء معه. واستمر التواصل في ما بينهما رغم قلته خلال عامي 1922 و1923.

طباعة