منى السعودي.. قصــــائد ملوّنة بمزاجية النحات

    صورة

    علاقة طويلة جمعت النحاتة الأردنية الشهيرة منى السعودي، بالحجر والشعر والرسم، فهي تنحت الحجر وتعشقه، تماماً كما تعشق الكلمة والشعر والرسم. ولهذا قررت السعودي أن تقدم في معرضها، الذي أقيم أخيراً، في غاليري «إكس في أي» بدبي، مجموعة من اللوحات التي تختزل علاقتها باللون والكلمة، علماً بأن رسومات السعودي ليست بعيدة عن منحوتاتها، إذ نجدها محملة بملامح نحتها للحجر.

    الرسوم التي تقدمها تشبه المنحوتات في تعاطيها مع الخصوبة والأمومة والحب والمرأة، وبالدرجة الأولى الشعر.

    يحمل معرض الفنانة منى السعودي رؤيتها في تجسيد كل ما تعشق، فهي تقول لـ«الإمارات اليوم»: «اإن كل أعمالها تأتي من ذاكرة شعرية»، وهذا ما يلتمسه المتلقي مع دخوله المعرض، فحين تدمج الكلمة مع الرسومات يمكن ملامسة المعاني من خلال اللون. وكأننا أمام عملية تكوين لوني للقصيدة، اذ تعيد بناء المعنى في قالب لوني، لتولد معها من جديد. تدمج في بعض اللوحات بين الكلمة والرسومات، وتعتمد على الألوان فقط في لوحات أخرى، تستعين بطرح الكلمة طوراً وتختزل المعنى بالتشخيص الرمزي في الطور الآخر، بينما نجد عناوين أعمالها منبثقة من القصائد، منها «امرأة وطائر»، الذي أنجزته الفنانة عام 1972، و«أمومة الأرض»، و«مدن لا مرئية»، و«إلهة القمر»، و«شجرة الحياة».

    وقالت منى السعودي: «أعمل بمزاجية إلى حد ما، كما أن الغاليري مساحته محدودة، وعرضت أكثر من مرة منحوتات مع الرسوم، فقررت أن أقدم معرضاً خفيفاً بالتركيز على الرسوم التي لم تعرض في السابق». وأضافت: «هذه الرسومات ليست بدايات النحت، وليس هناك أي علاقة بين الاثنين، فرسوماتي لا ترتبط بالنحت، قد يشعر المرء أن من قدم هذه الرسومات نحاتاً، كما أن التعامل مع الورق يختلف عن التعامل مع الحجر، ففي الورق هناك سرعة في الرسم وخفة في الورقة، في حين أن النحت يتولد من الحجر وفق عملية أخرى، فيمكن القول إنه في الرسم يمكن أن يثرثر الفنان، في حين أنه في النحت يجب تتبع الحجر وقدرته على احتمال التفاصيل، ولهذا يكون النحت اختزالياً إلى الحد النهائي».

    اختارت السعودي الدمج بين الرسم والشعر في المعرض، وهذا يعود إلى علاقتها الوطيدة مع الرسم والشعر منذ الصغر، فقد كتبت كثيراً من القصائد في سن 17. تحب السعودي الشعر، وتصف أعمالها بكونها تأتي من ذاكرة شعرية، فحتى في البدايات لم تمارس نقل الطبيعة في عملها الفني، بل حملت أعمالها انطباعات، وكأنها تكتب الشعر بالأعمال، وأحيانا تكون مستوحاة بشكل مباشر من قصيدة أو شاعر، ومنها المجموعة التي كانت مستوحاة من شعر محمود درويش. ولفتت إلى أن الرسومات في المعرض مستوحاة من قصائد لمحمود درويش، وقصيدة لأدونيس تحمل اسم «رقيم البتراء»، وهي تحمل مقاطع لها علاقة بالحجر كون البتراء مدينة حجرية، وأردفت بالقول: «استوقفتني جملة (كل حجر مسكون بالغيب)، وشعرت بوجوب العمل لأنني أشعر أن الحجر هو مكان لتأمل ما ورائي». إلى جانب هذه الأعمال قدمت قصيدة فلسفية للشاعر الفرنسي سان جون بيرس، التي قرأتها في فترة السبعينات، وذلك عندما كانت تقدم رسومات بالحبر الصيني ترفق مع قصائد أنسي الحاج حين كان ينشر قصائده، إلى جانب إيتالو كالفينو، ولديه كتاب بعنوان «مدن لا مرئية»، وهو يحمل أشكالاً لمدن، منها المدينة التي تغني دائماً، فهذه الأشياء الخيالية والشعرية التي تحمل امتدادات تعطيني السبب للرسم للشاعر.

    ترتبط ذاكرة السعودي بمجموعة من الشعراء، فهي تحب علاقة محمود درويش بالأرض، وأمومة الأرض، وتصفها بأنها أمومة فلسطين والأرض بشكل عام، بينما وجدت في شعر أدونيس البُعد الفلسفي، خصوصاً في القصائد الطويلة والقديمة، موضحة أنهما صديقان مقربين لها. وعن تجربة أدونيس في الفن، لفتت السعودي إلى أنها فوجئت بأعماله الفنية ووصفتها بالأعمال الجميلة، خصوصاً أنه يكتب الشعر العربي القديم وليس قصائده، وأعماله حرة وجميلة.

    أمومة الأرض تعني الكثير للسعودي، ولهذا قدمت أعمالاً مستوحاة بشكل مباشر من الشعر إلى جانب أعمال مستوحاة من أمومة الأرض، مشيرة إلى أن الأرض هي البيت الأول للبشر، ولهذا تستسخف الحروب القائمة بين الدول والتمسك بالسلطات والحدودية الوهمية، إضافة إلى أن الزمن الذي يعيشونه الأفراد هو زمن صغير جداً في الزمن الكوني، لذا هناك أشياء تحمل أمومة الأرض وأشكالاً في حالة تكوين. وعن حبها لإبراز فكرة الأمومة، نوّهت السعودي بأنها الفكرة التي تعطي التجدد في الحياة، موضحة أنها حين تعمل لا تخضع عملها لأي رقابة فليس لديها أي قرار مسبق، بل تتبع عمق إحساسها الداخلي دون أي تفسيرات، وهذا ما يجعلها تقدم تجارب كثيرة ومتنوّعة. وذكرت السعودي في إحدى قصائدها أن الحجر حين يفقد وزنه يتحول إلى قصيدة، وهذا ما دفعها للقول إن الشعر هو البداية، وهو الإحساس بالوجود والعالم، ولهذا تتقاطع تجربتها النحتية مع الشعرية.


    «تحية إلى محمود درويش»

    وقّعت الفنانة منى السعودي كتاباً يحمل عنوان «تحية الى محمود درويش»، وقدمته بالتعاون مع ابنتها ضياء البطل، ويحمل مجموعة من قصائد درويش باللغتين العربية والإنجليزية وأعمالاً فنية لهما. يذكر أن الفنانة ولدت في عمّان عام 1945، وعشقت الفن منذ طفولتها، وقد حفرت أسمها في سجل النحت العربي والعالمي، عبر مشوار طويل. كان معرضها عام 1963، وذلك قبل أن تتلقى دراستها في الفنون الجميلة في باريس.

    تحب السعودي الشعر، وتصف أعمالها بكونها تأتي من ذاكرة شعرية.

    ترتبط ذاكرة السعودي بمجموعة من الشعراء، أمثال محمود درويش وأدونيس.

    طباعة