الملهم والبطل الحقيقي لرواية «كبرياء وهوى» لجين أوستن

توم ليفروي.. القاضي الطموح المحب للفلك

لكل إنجاز حكايته الخاصة، التي تختلف مع اختلاف صاحبه ونظرته إلى ما يحيط به، سواء كان لوحة فنية، أو منحوتة، أو تصميماً هندسياً، أو مجموعة أزياء، أو حدثاً غيّر مجرى التاريخ. ومهما اختلف العمل في تركيبته، والخيوط غير المرئية التي شكَّلته، التي لا تراها سوى عين صاحبه، تبقى الشخصية الملهمة هي المعيار الوحيد الذي لا يتغير، وتبقى تلك العلاقة الغامضة والمثيرة للجدل بها هي الشرارة الحقيقية التي تستفز الابتكار.. فمن هنّ الملهمات في التاريخ؟


على الرغم من أن الشخصية المعقدة الجميلة والذكية والعميقة للمرأة تجعل منها نموذجاً مثالياً لأن تتحول إلى ملهمة، إلا أن الإلهام في حكاية هذا الأسبوع من بطولة رجل، ففي عالم الأدب، غالباً ما تتحول التجربة الشخصية المؤثرة إلى أحد أهم أجزاء الرواية.

وعلى الرغم من أن الكاتبة وصاحبة أشهر ست روايات في الأدب الإنجليزي، جين أوستن، لم تكن تعلم بأن روايتها «كبرياء وهوى»، التي استلهمتها من علاقة الحب القصيرة والأفلاطونية مع القاضي توم ليفروي، ستتحول إلى واحدة من أشهر رواياتها حتى الآن، وعلى الرغم من أن علاقة ليفروي بأوستن لم تستمر طويلاً، ولم تخرج عن دائرة الغزل الرومانسي اللائق بين أعزبين في عقدهما الثاني، وعلى الرغم من وقوعهما في الهوى في غضون أسابيع قليلة جمعتهما معاً، إلا أن الانفصال السريع بينهما، لم يمنع أوستن أو ليفروي من تكريم هذا الحب، حتى وفاتهما بفارق أكثر من 40 عاماً، حيث كانت الرواية الأشهر للكاتبة الإنجليزية، التي كتبتها في الفترة ذاتها التي تعرفت فيها إلى الشاب الإيرلندي المثقف ليفروي، هي ثمرة هذه المشاعر المتضاربة، التي عاشتها الكاتبة، والتي تجسدت بشخصية إليزابيث بينيت، بينما كانت شخصية السيد دارسي انعكاساً لخيال الروائية لشخصية ليفروي في الواقع.

وبين صدفة الحب، والغزل العفوي، والكثير من المحاولات المبطنة لعلاقة محكومة بنهاية موجعة، ومسؤوليات حملها ليفروي على عاتقه، كانت سبباً في تخليه عن أوستن، كان من الطبيعي أن يتحول هذا الألم إلى أحد أشهر وأهم روايات الأدب الإنجليزي حتى اليوم، وواحدة من أشهر القصص التي جسدتها أفلام هوليوود بنسخ كثيرة، نجح معظمها في احتلال مكانته المناسبة على قائمة الأفلام الرومانسية الدرامية التاريخية.

همة وطموح

ولد توماس لانغلويد ليفروي، ذو السلالة الفرنسية البروتستانتية، في مدينة لومنيك في إيرلندا، في الثامن من يناير 1776، وهو الولد الأول من 11 أخاً وأختاً، والسادس بعد خمس أخوات سبقنه، وبكثير من الذكاء والالتزام والرغبة في إثبات الذات، كان المتوقع لهذا الشاب مستقبلاً مهماً في مجال القانون في بلاده، خصوصاً مع سجل أكاديمي متميز وبارز في جامعة «ترينيتي» في العاصمة الإيرلندية دبلن، بين عام 1790 وعام 1793، برعاية واهتمام خاص من عمه بنجامين، الذي غطى كلفة دراسته القانونية في لندن لاحقاً.

بعد عام من ذلك، عمل توم ليفروي مدققاً ومراجعاً للحسابات في جامعته السابقة في دبلن، ليصبح لاحقاً عضواً بارزاً في نقابة المحامين الإيرلنديين، ناشراً مجموعة من التقارير القانونية التابعة للمحكمة العليا الإيرلندية.

بذكاء متقد، وهمة عالية، وخلفية أكاديمية متميزة، يمكن تخيل ليفروي بشخصية مثقفة ومتعالية إلى حد ما، كحال السيد دارسي في رواية «كبرياء وهوى»، وكحال هذه الشخصية أيضاً، من الطبيعي تخيل ليفروي يعيش حياة حملت على عاتقه مستقبل العائلة كاملة، كونه الأخ الأكبر، إلا أنه وبعكس دارسي، لم يكن رجلاً ثرياً، ما يعني المزيد من المسؤوليات على عاتق الشاب لاختيار زيجة جيدة من امرأة ثرية، وهو ما لم تكن عليه جين أوستن.

أسابيع الحب

بعد تخرجه في جامعة «ترينيتي» في دبلن، انتقل ليفروي برعاية عمه لدراسة القانون في جامعة «لينكولن إن» في لندن، وبحسب الموقع الإلكتروني لمركز جين أوستن، فإنه تقرر على ليفروي، بعد فترة من ضغطه على نفسه في الدراسة، بأن يأخذ إجازة للراحة، خصوصاً أنه كان منغمساً وبشكل كبير في كتبه، الأمر الذي أضعف بنيته ونظره، ومع بدء موسم دراسي جديد قريباً، كان لزاماً عليه أخذ قسط من الراحة، والابتعاد عن الدراسة، ما جعله يبتعد عن لندن لبعض الأسابيع في ديسمبر 1795، لزيارة عمته آن ليفروي وزوجها في قرية آش في هامبشاير على بعد 60 ميلاً من لندن، حيث كان اللقاء بجين أوستن، الصديقة الشابة لعمته.

تعرف ليفروي على أوستن خلال إقامته مع عمته، حيث قضيا أوقاتهما معاً، وخلال عدد من المناسبات والحفلات الخاصة بموسم الأعياد، كما ذكرت الروائية هذه اللقاءات في رسائلها لشقيقتها وصديقتها المقربة كاساندرا، وعلى الرغم من أن رسائلها لم تكتب باللغة أو الحرية الكافية لتعبر فيها أوستن عن حبها الشديد لهذا الشاب النبيل، إلا أن ذكره كان يكشف وبشكل واضح مشاعرها القوية له «خصوصاً أنه بالنسبة لأوستن ذات الـ20 ربيعاً آنذاك، وفي رسائلها لشقيقتها، كانت على دراية باحتمالية أن تتم قراءة هذه الرسائل من أعضاء آخرين للأسرة، ما جعلها تكون أكثر تحكماً في لغتها».

ذكرت أوستن حبيبها الإيرلندي في رسالة أخرى، واصفة إياه بأنه «سيد نبيل جداً، ووسيم، وشاب لطيف وممتع».

على الرغم من جميع القواعد والقيود، إلا أن مشاعر أوستن في الرسائل الأخيرة لشقيقتها كانت أكثر قوة وعمقاً، حيث كتبت في إحداها، التي بدأت يوم الخميس 14 يناير 1796 وانتهت صباح اليوم التالي قائلة:

«الجمعة ــ جاء اليوم الأخير الذي سينتهي معه الغزل والمحادثات الرومانسية مع توم ليفروي، وفي الوقت الذي ستستلمين فيه هذه الرسالة، سيكون كل شيء انتهى بيننا، إن دموعي تنهمر مع كتابتي لهذه الفكرة الكئيبة».

على الرغم من قوة المشاعر بين ليفروي وأوستن، التي كانت واضحة على كليهما خلال لقاءاتهما المتكررة، كان من الطبيعي أن يبدأ الضغط على الحبيب الشاب لإنهاء هذه المصادفة الرومانسية مع فتاة لا تملك المستقبل المالي المناسب له، لتنتهي العلاقة بينهما دون أي عواقب على مستقبله الشخصي أو المهني.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

طباعة